ديموغرافيا مصر... مولود جديد كلّ خمس عشرة ثانية

11 يوليو 2017
الصورة
الزيادة السكانية لا تجاريها زيادة غذائية (خالد دسوقي/فرانس برس)
هذا النهار بالذات تحتفل الأمم المتحدة بـ"اليوم العالمي للسكان". هو يوم من أجل تمكين وتنمية الأمم. وبينما تجاوز عدد سكان العالم سبعة مليارات، فإنّ لمصر حصة ملحوظة منها بملايينها المائة

بخطى متعرجة على أرض وعرة يزداد ارتفاعها تدريجياً كما الجبال، كان الطريق نحو حي منشأة ناصر شديد العشوائية الذي يقع على مشارف القاهرة. هناك بيوت متلاحمة وحارات ضيقة، وحياة ليست كالحياة. مقومات البيئة السكنية السليمة من مياه وصرف صحي وكهرباء غير متوفرة. الحارات والأزقة الضيقة، التي تتزاحم فيها الأسواق الشعبية ووسائل المواصلات المتهالكة، والبشر المعتادون على ذلك، هي مجرد عارض من عوارض المناطق العشوائية التي ظهرت في المدن المصرية الكبرى، بعد تنامي الكثافة السكانية في مصر بشكل عام، وفي عاصمتها على وجه التحديد.

من المتوقع بحسب مؤسسة "يورو مونيتور" العالمية، المتخصصة في أبحاث ودراسات الأسواق حول العالم، أن يزيد عدد سكان القاهرة الكبرى، التي تضم محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، بنحو نصف مليون نسمة العام الجاري 2017. وقد أشارت المؤسسة في تقريرها الصادر في أواخر فبراير/ شباط الماضي بعنوان "الاقتصادات والمستهلكون حول العالم في 2017" إلى أنّ هناك مدينتين مصريتين من ضمن المدن العشرين الأكثر زيادة سكانية هذا العام، هما القاهرة التي احتلت المركز الأول عالمياً، والإسكندرية في المرتبة التاسعة عشرة.

نعمة أم نقمة؟
قدَّر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو مؤسسة حكومية مصرية معنية بالتعداد، في شهر أبريل/ نيسان الماضي، تعداد المصريين في الداخل والخارج بما يتجاوز 100 مليون نسمة. ويبلغ عدد سكان مصر في الداخل 93 مليون نسمة.

في هذا الإطار، قال مستشار رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء محمد عبد الجليل إنّ الساعة السكانية المصرية تشير إلى أنّ البلاد تستقبل مولوداً جديداً كلّ 15 ثانية، أي ما يعادل أربعة مواليد كلّ دقيقة.

يشير موقع "بوابة معلومات مصر" الحكومي، إلى أنّ مساحة مصر الإجمالية، تبلغ نحو مليون كيلومتر مربع، والمساحة المأهولة منها تبلغ نحو 79 ألف كيلومتر مربع، أي بنسبة 7.9 في المائة من المساحة الكلية. ما يعني أنّ كلّ مواطن مصري يعيش على مساحة أقل من متر مربع واحد لا غير.

من جهته، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مداخلة أجراها مع الإعلامي المصري عمرو أديب مؤخراً، النمو السكاني بأنّه "أحد روافد الإرهاب". وأكد أنّ "حالة الفقر المدقع تدفع الناس إلى التشدد والتطرف، علينا الاعتراف بذلك، ونحن نفكر في مسألة إصدار قوانين لكن بتحفّظ". وقال إنّ "من الصعب في هذه المرحلة إصدار قانون يحدد الإنجاب أو يحفّز على التقليل منه لكننا نريد أن نعمل على توعية الناس وزيادة التوجّه إلى تنظيم الأسرة بشكل أكبر مما هو موجود حالياً".

في حقيقة الأمر، ينطبق حديث السيسي على رؤية الحكومة المصرية للكثافة السكانية، فليس هناك اتفاق في الحكومة، على وصف الكثافة السكانية، أو التعامل معها باعتبارها نعمة أو نقمة. ففي الوقت الذي يصف فيه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اللواء أبو بكر الجندي الزيادة السكانية بـ"الكارثة التي تعد أخطر مشكلة تواجه مصر حالياً، بل إنّها أخطر من الإرهاب ومن التباطؤ الاقتصادي" ترفض نائب وزير الصحة لشؤون السكان، ورئيسة المجلس القومي للسكان مايسة شوقي اعتبار الكثافة السكانية "كارثة" وتؤكد أنّها "محور مهم للنمو".


تبنّت شوقي عرض الاستراتيجية القومية للسكان، على مجلس النواب المصري. وهي الاستراتيجية التي تعتمد على "الاستراتيجية القومية للحد من الزواج المبكر، والاستراتيجية القومية للصحة الإنجابية، والاستراتيجية القومية لمناهضة ختان الإناث". وأكدت أمام المجلس أنّ "الارتقاء بالخصائص السكانية يحوّل ثروتنا البشرية إلى قوة دفع حقيقية لجهود التنمية في مصر".

تجارب هدّامة
يؤكد الخبير الاقتصادي المصري، عبد الحافظ الصاوي لـ"العربي الجديد" أنّ الحديث عن سوء الأحوال الاقتصادية كمبرر للهروب من المسؤولية التنموية لا يليق. ويشير إلى أنّ الزيادة السكانية بوصفها عبئاً على التنمية إنما هي شمّاعة استخدمتها كلّ حكومات ما بعد ثورة يوليو/ تموز 1952.

يتابع الصاوي أنّ التجارب التنموية الناجحة ركزت على صناعة الإنسان كما حدث في اليابان والصين وهي دول ذات كثافة سكانية عالية، بينما الاستراتيجيات المصرية على مرّ العقود الماضية "تتبنى برامج تحديد النسل ولا تصنع تنمية في المقابل".

يقول الصاوي إنّ "كلّ تجارب الحكومات المصرية منذ منتصف السبعينيات، أسهمت في هدم الإنسان وهدم منظومة القيم وتشجيع الفساد وتدني التعليم وتهاوي الخدمات العامة وضياع الأمل، ما أدى بقطاع كبير من الشباب إلى الشعور في أنّ مستقبلهم خارج مصر".

ويؤكد الخبير الاقتصادي أنّ الإنسان يمثل أحد مكونات الموارد الاقتصادية الرئيسة والمهمة وهي الموارد البشرية والمالية والطبيعية، ومن دون وجود إنسان صحيح سليم لا قيمه للموارد المالية أو الطبيعية، فالإنسان أساس التنمية، يصنعها وينعم بها. ويطالب بالتركيز على إعادة بناء الإنسان الصالح للتعامل مع تجربة تنموية تعتمد على الذات وتقبل التحدي ليُعلي من قيمة العمل وثقافة الإتقان والحرص على التعليم والتدريب.

رأس المشاكل
منذ نحو شهرين، أطلق صندوق الأمم المتحدة للسكان، بالتعاون مع مركز "بصيرة" لبحوث الرأي العام، وهو منظمة مجتمع مدني مصرية، تقريراً عن حالة السكان في مصر 2016، أكد أنّ "عدد السكان في مصر شهد زيادة هائلة خلال العقد الماضي". وأشار التقرير إلى أنّ "هذه الزيادة المضطردة تهدد بعرقلة جميع الجهود الإنمائية التي تحسب آثارها على مختلف مجالات الحياة وعلى الخدمات الأساسية بما في ذلك التعليم والصحة والإسكان وإمدادات الحياة".

وخلال المؤتمر الصحافي الذي تم إطلاق التقرير فيه، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين المصريين، قال رئيس مركز "بصيرة" ماجد عثمان إنّ الزيادة السكانية ستجعل الحد من البطالة والأمية والاكتفاء الغذائي أكثر صعوبة. وأكد عثمان أهمية إتاحة خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة بجودة عالية بالمجان للأسر الفقيرة، والتوعية بوسائل تنظيم الأسرة وبأسلوب الاستخدام الأمثل للخروج من هذه الأزمة.

كذلك، شدد على أهمية وجود إرادة سياسية داعمة لتوفير الموارد اللازمة، مشيراً إلى أهمية القطاعات الإعلامية والثقافية المختلفة لزيادة الوعي التثقيفي والتنويري، بالإضافة إلى ضرورة وجود شراكة فعالة بين كافة القطاعات الحكومية والأهلية والقطاع الخاص في تنفيذ الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية 2030.

في السياق ذاته، يعتبر المركز المصري للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، وهو منظمة بحثية غير حكومية، أنّ الزيادة السكانية مشكلة تتربع على رأس المشاكل الاجتماعية ذات الآثار السلبية المتعددة الأبعاد، التي تواجهها مصر حالياً بسبب ارتباطها الشديد بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها.

ويؤكد المركز في دراسة له صدرت في الرابع من يوليو/ تموز الجاري، بعنوان "سياسات إدارة والحد من الزيادة السكانية في مصر- الواقع والبدائل" أنّ هناك اختلافاً بحسب الجوانب التي تؤثر عليها الزيادة السكانية، لكن يتفق الجميع على مدى خطورة الزيادة السكانية في ضوء الموارد المحدودة وتأثير تلك الزيادة السكانية على مسيرة التنمية في مصر. وتؤكد الدراسة أنّ الزيادة السكانية تؤدي على المستوى الاقتصادي إلى زيادة معدلات الاستهلاك الغذائي. وطبقاً للإحصاءات التي أعلنتها وزارة الزراعة لعام 2016، فمصر تستهلك 16 مليون طن من القمح سنوياً، تستورد منها 7 ملايين طن، وتستهلك مصر من السكر 3.1 ملايين طن، ومن اللحوم 10 ملايين طن، في الوقت الذي تبلغ فيه مساحة الأراضي المزروعة قمحاً 3.3 ملايين فدان.

وفي حال استمرار زيادة المواليد فإنّ أعداد السكان ستصل إلى 118.6 مليون نسمة عام 2030، ما سيؤدي إلى زيادة المساحات المزروعة من القمح على حساب الزراعات الأخرى. وهو ما يجبر الدولة على سد العجز عن طريق الاستيراد، بحسب الدراسة.

على المستوى الاجتماعي، يؤكد المركز أنّ الزيادة السكانية تتسبب في نشأة مجتمعات غير متحضرة، تسودها سلوكيات اجتماعية مريضة وخطيرة، وتهدد التنمية لدى المجتمع ومن أهمها "نقص الثقافة، وانتشار الأمية والجهل، وزيادة معدلات البطالة، وانتشار العشوائيات، وتفشي الأمراض الاجتماعية".

وعلى المستوى السياسي والأمني، تشير الدراسة إلى أنّ الزيادة السكانية تعتبر "مصدراً مهماً للعشوائيات التي ينتج عنها أطفال الشوارع والبلطجية، الذين يجري استخدامهم من قبل أطراف معينة لإثارة القلق والرعب وعدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد".

حلول وبدائل
يشير مصدر في هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة السكان المصرية، إلى أنّ الحكومات المتعاقبة منتبهة للغاية لأزمة الكثافة السكانية، وقد بادرت إلى حلها بحسب خرائطها الاستثمارية المتعاقبة. ويقول المصدر –الذي يفضّل عدم الكشف عن هويته- إنّ اتجاه الدولة لمشاريع الإسكان القومية والتوجه خارج نطاق المحافظات، من خلال التوسع في المدن العمرانية الجديدة، كان أحد الحلول التي باشرتها، وهي حلول تسهم بقدر كبير في استيعاب الكثافة السكانية.

لكنّ خطط التوسع العمراني والاستثمار في المقاولات والبناء، لا تحقق التنمية المرجوة والاستفادة من الكثافة السكانية، بحسب الخبير الاقتصادي أشرف دوابة. يلفت دوابة في حديثه إلى "العربي الجديد" إلى نظرية توماس مالتوس (1766- 1834) حول التكاثر السكاني، التي تعتبر أنّ عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية (1- 2- 4- 8 - 16...) بينما يزيد الإِنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية (1- 2- 3- 4- 5...) وهو ما يؤدي حتماً إلى نقص الغذاء والسكن.

ظلت نظرية مالتوس للسكان معتمدة لفترة طويلة بين الاقتصاديين في العالم، وأدت إلى حدوث كوارث إنسانية، بعدما اتخذت مبرراً للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب. لكنّ دوابة يشير إلى أنّ "نظرية مالتوس بني عليها كلام غير حقيقي" بدليل أنّ الغرب ينمّي من قدرات سكانه، بينما الحكومات العربية ومن بينها مصر أخذت الظاهرة كمبرر لخيبتها لعدم وجود رؤية للحل.

يضيف دوابة أنّ "مصر فيها موارد كثيرة، والمشكلة ليست القضية السكانية، بل في ابتكار الأفكار التي تستطيع توفير الموارد بكميات كبيرة". يشير إلى أنّ "المشكلة ليست مشكلة سكان بل الاستفادة من المورد البشري بتعليمه وتثقيفه، بدلاً من النظر إليه كعبء ومصيبة".