ديمقراطيون من دون ديمقراطية

ديمقراطيون من دون ديمقراطية

23 ديسمبر 2015

المؤشر العربي.. الشعوب العربية أكثر ديمقراطية من نخبتها

+ الخط -
انتشرت، في تسعينيات القرن الماضي، مقاربة سياسية في العالم العربي، تقول باحتمال ميلاد ديمقراطية من دون ديمقراطيين، نتيجة المأزق الذي وصلت إليه النخب الحاكمة التي صارت بدون مشروع قومي أو تحرري أو وحدوي، ونتيجةً كذلك، لتحرير الاقتصاد، واتساع الخصخصة، وبروز بوادر تهديدات جدية للسلم الاجتماعي. لكل هذه العوامل وغيرها، ظهرت هذه المقاربة السياسية التي كانت تتوقع أن تولد تجارب ديمقراطية في العالم العربي، حتى من دون وجود ديمقراطيين، لأن مأزق الشرعية الذي أصبحت تتخبط فيه النخب الحاكمة، لن يترك أمامها طريقاً للخروج من الورطة، سوى سلوك سبيل انتقال ديمقراطي تدريجي، حتى مع وجود فقر في الثقافة الديمقراطية. للأسف، لم تجد هذه النظرية ما يسندها في الواقع، بحيث أن جل الأنظمة العربية، بعد فقدان مشروعية الحكم، اتجهت إلى الاعتماد على تحالف ثلاثي، لتثبيت أسس السلطة: الأمن، ورجال الأعمال، ووسائل الدعاية، والباقي شعارات تخيف الغرب من تطرف المجتمعات العربية، وتخيّره بين أنظمة علمانية استبدادية أو معارضة أصولية إرهابية.
يظهر المؤشر العربي، للسنة الرابعة على التوالي، أن الشعوب العربية ديمقراطية أكثر من نخبتها، فقد كشف أضخم استطلاع رأي ينجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن 89% من المستجوبين في 12 بلداً عربياً، أعطوا تعريفات صحيحة، وذات مضمون ليبرالي لكلمة الديمقراطية، فرأى بعضهم فيها أنها ضمانة للحرية السياسية (35%) وأفاد 26 % بأن الديمقراطية تعني ضمان المساواة والعدل بين المواطنين، فيما رأى 12% أن الديمقراطية طريق لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية. هذه النسب العالية في فهم مدلول الديمقراطية واستيعابه داخل عينة تمثيلية وصلت إلى 18311 ستتعزز أكثر عند سؤال المستجوبين عن رأيهم في النظام الديمقراطي، حيث عبّر 79% من الرأي العام العربي عن تأييده النظام الديمقراطي، واعتباره الأكثر ملاءمةً لحكم بلدانهم، مقارنة بالأنظمة الأخرى، كما يرفض المواطنون العرب نظام الحكم السلطوي، علمانياً أم دينياً.
أما عن القبول بنتيجة الاقتراع، حتى وإن حملت الانتخابات أحزاباً وأشخاصاً لا يقاسمها المستجوبون توجهاتها أو أيديولوجيتها، فقد أعلن 55% عن تأييدهم وصول حزب سياسي عبر الانتخابات إلى السلطة، حتى وإن لم يكونوا على وفاق مع توجهاته أو أيديولوجيته، وهذا مستوى متقدم من قبول نتائج الانتخابات بالنسبة لشعوب لا تعيش في أنظمةٍ ديمقراطيةٍ، بل تسمع عنها فقط.
عبّر الرأي العام، كما أوضح الاستطلاع، عن معرفة ليس فقط بأدبيات الديمقراطية، بل وكذلك عن وعي متقدم بالواقع الذي يعيشونه، حيث لم تعتبر أغلبية العينة المستجوبة أن بلدانها تعيش في ظل أنظمة ديمقراطية.
أما عن (الكليشيه) المبتذل الذي يلصق بالشعوب العربية تهمة الخلط بين الدين والسياسة، وأن العرب لا يعرفون طريقاً إلى السلطة غير طريق المسجد أو الكنيسة، فقد جاءت نتائج المؤشر العربي متناقضة كلياً مع هذا الفهم السطحي لأحوال العرب، فأغلبية الرأي العام ترفض أن يؤثر رجال/ شيوخ الدين في قرارات الحكومات في كيفية تصويت الناخبين، كما أن الأكثرية ترفض أن تستخدم الدولة الدين للحصول على تأييد الناس لسياساتها، وترفض أيضاً أن يستخدم المرشحون في الانتخابات الدين من أجل كسب أصوات الناخبين، على الرغم من أن الأغلبية في هذا الاستطلاع تعرّف نفسها شريحة متدينة.
لا توجد هذه النسب العالية من التأييد للديمقراطية وقيمها، اليوم، حتى في بعض البلدان الأوروبية التي صارت الشعبوية والعنصرية والقومية المتعصبة تنتعش داخلها، وتبعدها عن جوهر الممارسة الديمقراطية، وهذا ما يفسر شيئين: أولاً، زيادة الطلب على التغيير والإصلاح السياسي في الشارع العربي، سواء عبر الثورات أو مسارات التغيير الهادئ. ثانياً، أن انتشار الثقافة الديمقراطية في المجتمعات العربية على هذا النحو غير المسبوق هو ما يحرّض الأنظمة السلطوية على مواجهة الربيع العربي، بكل وسائل القمع، حتى البدائية منها، كما يجري اليوم في مصر، فأحسن من يقرأ المؤشرات العربية كل صباح (بطريقة جيدة) أنظمة الحكم الاستبدادية التي تعتبر حجةً في هذا الباب.