دوما... هولاكو مرّ من هنا

13 فبراير 2015
الصورة
دوما تاريخياً عصيّة على كل محتل ومستبدّ (فرانس برس)
+ الخط -

"من ودع فيصلاً لا يستقبل غورو"، تلك أشهر جمل رئيس الجمهورية السورية، تاج الدين الحسيني، عندما رفض استقبال الجنرال الفرنسي غورو إبّان الاستعمار الفرنسي. ألقى كلمته حينها من دوما، تلك المدينة التي احتضنت الثورة ضدّ الفرنسيين فشكّلت غوطتها ملاذاً آمناً للثوار إلى عهد الاستقلال عام 1946. وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، تعود دوما اليوم، إلى واجهة الثورة ضدّ نظام بشار الأسد.

إلى جانب العامل التاريخي، ساعدت في بروز دوما على ساحة الثورة السورية مجموعة من العوامل الأخرى، أولها طبيعة أهالي دوما، وغالبيتهم فلاحون. يتميزون بطيبهم وكرمهم ونشامتهم، ويتمسكون بالعادات والتقاليد، كما يتصفون بالتزامهم الديني، إذ ينتشر في دوما أكثر من 80 مسجداً. كما يشتهرون بغضبهم وعنادهم. كل ذلك جعل دوما بيئة حاضنة لأية ثورة ضدّ الظلم، كما ساعدها على الصمود في وجه الحصار، الذي فرضته قوات الأسد على مدار العامين الماضيين.

ويوضح أحد ضباط الجبهة الإسلامية لـ"لعربي الجديد" أن "ما ساعد في صمود دوما من الناحية العسكرية، أنها لم تسمح حتى اليوم بدخول عناصر أجنبية للقتال فوق أراضيها، فمعظم المقاتلين من أهل دوما، إضافة لاستماتتهم في الدفاع عن مدينتهم، وهذا من طبيعة تكوينهم".

ويضيف الضابط، الذي فضل عدم نشر اسمه، أنّ "الموقع الجغرافي لدوما، والتهديد الذي تشكّله للنظام نتيجة قربها من العاصمة دمشق، ناهيك عن طبيعة ساكنيها، هو ما يؤرق النظام ويدفع به منذ عامين لاستخدام مختلف الأساليب لاقتحامها". ولفت في الوقت نفسه إلى أن تلك الميزات تنسحب على العديد من مناطق الريف الدمشقي، مثل داريا.

البدايات

في وسط تلك المدينة، يقع "الجامع الكبير"، أبرز معالم مدينة دوما. ليس فقط لأنه يضم مقام النبي إلياس (إيليا)، الذي يعود إلى العام 853 قبل الميلاد، وإنما لأنّه شهد أوائل صيحات الحرية، وأول اعتصام ضدّ الاستبداد في سورية بعهد الأسدين الأب والابن. بعد اندلاع شرارة الثورة السورية من محافظة درعا في 18 مارس‪/آذار عام 2011، لم تنتظر دوما طويلاً لتلتحق بركب الثورة، فكانت من أوائل المدن الثائرة، بحيث أقيم في الأسبوع الثاني من أحداث درعا أول اعتصام في سورية، امتد لأيام أمام مسجدها الكبير، قبل أن يفضه الأمن السوري بالعنف والقتل.

تُعدّ دوما حارسة الغوطة الشرقية، وتقع إلى الشمال الشرقي من مدينة دمشق. وتبعد عنها نحو 19 كيلومتراً، وتعدُّ مركزاً لمحافظة ريف دمشق، إذ يبلغ تعداد سكانها قرابة 700 ألف نسمة،‪ وهي من المدن الكبيرة، ويتبعها أحد عشر مركزاً بشرياً. وتحدّ دوما دمشق من جهة الغرب، ومنطقة التل من الجهة الشمالية الغربية ومنطقة القطيفة شمالاً وتتاخم حدودها الإدارية البادية السورية من الشرق، ومحافظة السويداء من الجنوب، وتبلغ مساحتها الإجمالية ثلاثة آلاف هكتار، منها 300 هكتار عامرة، والباقي أراض زراعية. لكن بعد عامين ونصف العام من الحصار والقصف المكثف باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، لم تعد تلك الجغرافية كما كانت، وأصبحت دوما اليوم كومة من الدمار يحاصر بداخلها ما لا يتجاوز 200 ألف نسمة، حتى باتت أشبه بغروزني وسراييفو العصر.

تحت الحصار

تعرّضت دوما منذ بداية الثورة لحملات أمنية شرسة، وموجة اعتقالات، وقتل عشوائي، على يد قوات النظام. ولم تكد تهتف للحرية، حتى بدأ النظام تصعيده على المدينة. وارتكب أفظع المجازر بحق المدنيين. وكان أن خرجت دوما عن سلميتها مجبرة، ودخلت في مرحلة العسكرة. وفي تاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 2012، خاضت مجموعة من فصائل دوما المسلّحة، والتي تشكّلت من غالبية المنشقين عن نظام الأسد وأبناء المدينة، معركة أعلنت من خلالها تحرير المدينة كاملة، لتدخل دوما بعدها في مرحلة حصار مطبق من قبل نظام الأسد.

وهناك ستة مداخل رئيسية لمدينة دوما؛ مدخل دوما الشرقي عن طريق عدرا القصير عبر ساحة عبد القادر بدران (نسبة للمؤرخ الدوماني الشيخ عبد القادر بدران)، ومدخل دوما الغربي عن طريق حرستا جوبر، ومدخل عن طريق مشفى حرستا، والمدخل الشمالي عبر طريق حلب السريع، والمدخل الجنوبي الشرقي عن طريق الشيفونية.‪ وقد عمد النظام إلى إغلاق المداخل الستة المؤدية إلى دوما، وسط قصف عنيف من الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة والبراميل المتفجرة، ليعيش أهالي المدينة أكثر من عامين في الخوف والجوع.

يصف صافي الدمشقي، أحد أعضاء المجلس المحلي في دوما، حالة الحصار، فيستهل حديثه بقوله: "من رأى ليس كمن سمع". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "أهالي دوما عرفوا معنى الجوع الحقيقي، تحديداً في العام الماضي، نتيجة نقص المواد الغذائية وغلاء الأسعار وتوقف الزراعة، إلى أن خطف الموت العشرات بسبب الجوع. حتى الماء بات مفقوداً من المدينة، ويتم الاعتماد بشكل كلي على مياه الآبار غير الصحية وندرتها، ناهيك عن البرد الشديد وسط نقص في المحروقات وارتفاع أسعارها، مما دفع الناس إلى تقطيع ما تبقى من الأشجار وحرقها. وهناك من حرق أثاث بيته لتوفير الدفء لأطفاله، خصوصاً في ظل العواصف الثلجية التي حصدت أرواحاً كثيرة".

ويتابع: "حتى الجثث في دوما لم تعرف الراحة، إذ إنه نتيجة كثرة القتلى، بات الدفن يجري سريعاً، والحفر لا يتم على مسافات عميقة، مما دفع بالكلاب إلى استخراج الجثث وأكلها، وهو ما تسبب بانتشار الأمراض في المدينة". ولفت إلى أن "ما عاناه أهالي دوما في العامين الماضيين، لا يمكن لأحد أن يتحمله، حتى الأهالي أنفسهم ما كانوا ليتحملوه لولا رحمة الله".

مجزرة لن تسقط من الذاكرة

لم يعد أهالي دوما قادرين على إحصاء المجازر التي ارتكبها النظام بحقهم منذ بداية الثورة، بسبب كثرة عددها، إذ ارتكب نظام الأسد ما لا يقل عن 17 مجزرة بحقهم، منذ تاريخ تحرير المدينة. لكن هناك تاريخاً واحداً لا يمكن لأهل دوما أو أحد من السوريين نسيانه وهو "يوم الموت الهادئ"، كما يصفه ياسر الخالدي، أحد المسعفين في ريف دمشق. إنّه يوم مجزرة الكيماوي، التي ارتكبها النظام السوري على "الغوطة الشرقية" في 21 أغسطس/‪آب 2013، واستهدفت مناطق دوما وجوبر وعين ترما وزملكا وعربين وحزة، إضافة إلى مناطق في الغوطة الغربية.

يتلعثم ياسر في استعادة أحداث تلك المجزرة ولا يعرف من أين يبدأ. تارة يطلب إعادة السؤال، وتارة أخرى يصمت لفترات طويلة ثم يجيب: "كنا في نقطة طبية بمستشفى حمورية، وهو عبارة عن مستشفى ميداني صغير، وصلت الأنباء عن القصف الكيماوي عند الساعة 2.30 فجراً، فتوجهنا مجموعة من المسعفين والناشطين إلى دوما، وتحديداً إلى مكان سقوط الصاروخ".

يتابع ياسر "عندما وصلنا كان المنظر مرعباً. لا أستطيع أن أنسى مشهد الجثث متناثرة في كل مكان، داخل البيوت وخارجها وفي الأقبية. منهم من حاول الخروج، فسقط على باب داره، وآخرون في منتصف الطريق. كنا نرتدي أقنعة بدائية من الفحم والقطن. ومع ذلك، أصيب بعض المسعفين جراء استنشاقهم الغاز السام، أصبحنا نبحث فقط عن الأحياء بين الجثث لإسعافهم، ولكن لم نجد الكثير منهم". يستعيد ياسر تفاصيل المشهد في اليوم التالي للمجزرة بهدوء، ويروي بحذر وكأنّه لا يريد أحداً أن يسمعه: "كل ما حدث لم يكن شيئاً أمام ذاك المشهد المهيب، في اليوم الذي تلا المجزرة، حين كان الناس مرصوفين بالأكفان، ومتراصين، يحملون أرقاماً إما على كفن أو جبين. كان المشهد أقرب إلى الخيال. المئات من الجثث، وعندما تنظر إليها تلاحظ أن غالبيتها كانت أكفاناً صغيرة. كانت كلها أكفان أطفال".

جيش الإسلام

منذ بداية عسكرة الثورة السورية، تشكّل في دوما عدد كبير من الفصائل المسلّحة، كان أبرزها "سرية الإسلام"، والتي تحوّلت فيما بعد إلى "لواء الإسلام" ثم إلى "جيش الإسلام"، المؤلف من 50 كتيبة، قوامها آلاف المقاتلين على كامل الغوطة الشرقية، وفي مناطق مختلفة من سورية بقيادة ابن دوما، زهران علوش. ويُعرف الأخير بأنه الند الأقوى للنظام في الغوطة الشرقية، وعند أي تقدّم لقواته في منطقة سورية، ينتقم النظام بقصف دوما وقصف المدنيين فيها.

وهذا ما جرى في إثر تهديد علوش بضرب المواقع الأمنية التابعة لنظام الأسد في دمشق، إذ تم في اليوم التالي إمطار دمشق بالصواريخ من جهة الغوطة الشرقية؛ تلك الصواريخ التي تنطلق من مراكز مختلفة في الغوطة الشرقية وليس مدينة دوما فقط. ويؤكد زهران علوش أنها استهدفت المراكز العسكرية، في حين يقول النظام إنّها تسقط فوق رؤوس المدنيين في العاصمة.

غير أن النظام لم يكن يحتاج لتهديد أو تقدم من قوات علوش كي يقتحم دوما والغوطة الشرقية مع بداية الشهر الحالي، في أعنف حملة منذ اندلاع الثورة، مما حدا بكثيرين إلى وصفها بالإبادة الجماعية. وشهدت الأيام العشر الماضية في دوما، أكثر من 150 غارة جوية، وسقوط أكثر من 1000 صاروخ، مما أدى إلى مقتل 120 مدنياً وسقوط 400 جريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب ما يؤكّد مكتب الرصد والتوثيق في تنسيقية دوما.

وإلى جانب القصف المدفعي، الذي تتعرض له المدينة منذ عشرة أيام، استهدفت طائرات النظام مدينة دوما بصواريخ فراغية محرمة دولياً؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات المدنيين، بالإضافة إلى تدمير العديد من المباني السكنية بشكل كامل. وفاق عدد المنازل المدمرة منذ بداية حملة النظام 500 منزل في المدينة، خصوصاً بعد استخدامه مظلات متفجرة على المدينة تسببت في دمار حي بأكمله، وعدد من المدارس والمساجد والنقاط الطبية. ولا تزال عمليات البحث عن الناجين وانتشال الجثث من تحت الأنقاض مستمرة حتى الساعة من قبل فرق الإنقاذ والمتطوعين من الأهالي، في ظل دمار كبير في الأحياء واشتعال النيران في عدد كبير من المنازل.

المساهمون