دوما.. ضحية السلاح الكيماوي

10 ابريل 2018
الصورة
+ الخط -
مرة أخرى، ربما تحمل الرقم عشرة أو أكثر، وبطريقةٍ أصبحت تقليدية، يستعمل النظام في سورية سلاحاً غير تقليدي، ويقصف، بشكل عشوائي، الأماكن المدنية، لإحداث أكبر أثرٍ وإسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. يبدو توجيه العدسات إلى المنطقة المنكوبة أمراً مرغوباً لبلوغ صدمةٍ يرغب النظام بإحداثها، والهدف مرة أخرى كسر مقاومة المحاصرين لشراء شروط إذلالية جديدة. قاوم أهل دوما مصير التهجير طويلاً، وماطلوا في المفاوضات، ورفعوا سقف مطالبهم، وخفّضوه، في سبيل البقاء أطول فترة ممكنة فوق أرضهم، وتحملوا المقذوفات التقليدية التي تحملها الصواريخ الملقاة من الطائرات، في سبيل البقاء على الأرض التي ولدوا فيها، وخرجت من المنطقة بعض الباصات التي تحمل الجرحى والمصابين باتجاه الشمال، لكنها سرعان ما توقفت، لتشهد دوما أياماً حالكة، عاود فيها النظام قصفه المعتاد، قبل أن يستيقظ السكان على رائحة بدت مألوفةً تحمل الموت، وتذاكر التهجير الإجباري. بعد الاتفاقات المتلاحقة التي عقدت برعايةٍ روسيةٍ بين مناطق حرستا وعربين وجوبر وبقية مدن الغوطة الشرقية، بقيت دوما وحيدة وسط حصار قاتل، فباشر النظام بعزلها عن محيطها البشري واللوجستي، وكان يدرك أن معركته التالية ستكون هناك.
يسيطر على الغوطة تشكيلٌ إسلاميٌّ محليٌّ قواته الأساسية من أهل المنطقة أنفسهم، ولديهم دافع مضاعف للبقاء والدفاع عن المدينة، بالإضافة إلى العقيدة التي تطورت وأصبحت أكثر عمقاً، بعد أن أدرك جميع من في الغوطة أن النظام يريد دوما بأي ثمن، ولو كانت خالية من السكان، فبغيرها لن يكتمل نصره الذي بكّر في الإعلان عنه، حين كانت مفاوضات الغوطة لم تبدأ بعد. تعني مدينة دوما بالنسبة للسوريين الكثير منذ بواكير أيام الثورة، حين كانت تخرج عن بكرة أبيها في جُمع الانتفاضة أو في أيام التشييع التي تتبعها. ولم يكن النظام على استعداد للقبول بنصف انتصار على هذه المدينة بالذات، خصوصا بعد أن أظهرت مقاومة مضاعفة، وتبين أن التفاوض معها لا يمر بالسهولة التي تصوّرها، ولم يكن هناك خيار آخر أمام قائد الحملة، سهيل الحسن، وطفل روسيا المدلل، غير استخدام السلاح الذي برع في استخدامه.
ماج المجتمع الدولي بالإدانة، وأعاد دونالد ترامب وصف الأسد بالحيوان، وعبرت الدول، إنْ بشكل منفصل أو جماعي، عن رفضها واستنكارها هذا العدوان. قد تكون ردة الفعل هذه تعبيراً عن فهمٍ عميق لمغزى استخدام السلاح المحرّم، وما زالت فضيحة استعمال السلاح نفسه في لندن، ضد عميل روسي مزدوج، ومن روسيا، تأخذ مفاعيلها الدبلوماسية ضد فلاديمير بوتين.
لا يمتلك نظام الأسد تمثيلاً دبلوماسياً مع أيٍّ من البلدان الكبرى، باستثناء روسيا التي أغدقت عليه حمايةً فوق العادة في مجلس الأمن وخارجه. وقد تقتصر ردة الفعل الدولية على هذه الهبة الإعلامية التي تابعتها ضد الأسد، بعد أن كسب الغوطة، وضمن نصراً يهديه لأنصاره الذين لا يأبهون، كما يبدو، بالاتهام بقلة الأخلاق.
قبل الاستخدام الأخير للسلاح الكيماوي، كان الشارع يتساءل عمّا بعد دوما، وعن معركة الغوطة الشرقية الفاصلة. حُسمت المعركة الآن وشهد يومها الأخير مائة وخمسين ضحية ذهبوا اختناقاً، واتفاقية تهجير جديدة، قيل إنها وقعت، واستأجر النظام الباصات التي ستنقل "جيش الإسلام" إلى الشمال، وهي تنتظر ركابها للتحرك. بعد مجزرة خان شيخون، قصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مطار الشعيرات. وكان قبلها قد أرغى وأزبد، ووصف الأسد بالحيوان، وهو الآن يعيد الكرّة، ولكنْ وبشكل مشابه فإن قصفَ مطار المزة المزمع لن تتعدّى نتائجه قضية مطار الشعيرات الذي عاد إلى الخدمة عشية اليوم التالي، وبالقدرة التعبوية نفسها على شن الهجوم الكيميائي، وما بعد دوما يشبه ما بعد خان شيخون، مجموعة مدنيين في مكان ما تنتظر دورها لتموت خنقاً بموافقة دولية.