دول القرن الأفريقي بين موجتين

28 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولاً مناخياً بعد صيف حار أقلق العالم برمته من اندلاع أزمات إنسانية، وتفشي أمراض سوء التغذية، نتيجة انعدام الأمن الغذائي في دول مثل الصومال وإثيوبيا، حيث الأمطار الغزيرة تهطل باستمرار مع موجات المد والجزر من الفيضانات التي أغرقت مدناً عدة وسط الصومال وجنوبه، فضلاً عن انهيارات أرضية في كينيا، تسببت بمقتل عشرات ونزوح آلاف من منازلهم إلى مناطق لجوء موقتة، إلى جانب أمطار لم تشهد بغزارتها مدن جيبوتي منذ عقود، وقطعت الشوارع الرئيسية وأوقفت حركة التنقلات اليومية، بعد جفاف طويل شهدته معظم دول القرن الأفريقي، سيما الصومال التي عانت، منذ عام 2011، موجات متلاحقة من الجفاف والقحط.
في الأقاليم الوسطى من الصومال، تكرّرت الفيضانات، وكانت تضرب بلدوين (عاصمة إقليم هيران ) مرة في العامين الأخيرين، وتسبب ذلك في نزوح نحو 130 ألف أسرة من منازلها إلى مناطق مرتفعة، لا تصل إليها مياه الفيضانات، بعد ارتفاع منسوب مياه نهر شبيلي (أطول نهر في الصومال)، حيث أغرق المدن، وأتلف المحاصيل الزراعية التي كان يعتمد عليها نصف سكان تلك المدن النائية، والتي تنعدم فيها أصلاً مقومات الحياة الأساسية، فضلا عن تدني قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي، نتيجة التضخم وانكماش الاقتصاد المحلي منذ الحرب الأهلية.
دعت الحكومة الصومالية المجتمع الدولي إلى الإسراع في تقديم مساعدات إغاثية عاجلة للمشرّدين والمتضررين من الفيضانات، لكن الاستجابة كانت خجولة، وجاءت من تركيا وقطر والكويت
والسعودية، من خلال مؤسساتها الإنسانية في الصومال، بينما لم تتدخل المنظمات الأممية بعد بشكل فعال، إذ ما زالت تنشر إعلاناتها وإنذاراتها المبكرة عن تفشي أمراض إنسانية، نتيجة قلة المرافق الصحية في المناطق التي اندفع إليها المشرّدون، حيث أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن مخاوفها من مخاطر تهدد حياة نحو مائتي ألف طفل صومالي في الأقاليم التي ضربتها مياه الفيضانات، وأن معظم هؤلاء الأطفال لا تتوفر لديهم مستلزمات الحياة الأساسية، ناهيك عن الرعاية الصحية، وخصوصا في أثناء حياة التشرّد والنزوح في مناطق تنعدم فيها أساسيات الحياة.
ولكن ما بات لافتا للنظر حجم الجهود الشعبية المحلية؛ حيث انتفضت أطيافٌ واسعةٌ من شرائح المجتمع الصومالي، لتوفير الدعم للمتضرّرين من أزمة الفيضانات، حيث تجاوزت المساعدات المالية التي رصدت للمشردين نحو مليوني دولار، بينما تواصل الحكومة الصومالية الفيدرالية مساعيها لتسيير جسر جوي إغاثي، من خلال طائرات خاصة لدعم الصوماليين العالقين وسط المياه، وفي مناطق غير مؤهلة للسكن خارج مدينة بلدوين.
وفي البحث عن حلول جذرية لأزمة الفيضانات المتكرّرة، والتي سببها الرئيس ارتفاع منسوب مياه نهر شبيلى، وتدفق جريانه على الطرقات والمحاصيل الزراعية والمنازل، نتيجة غياب الخطة الحكومية الاستباقية، وعدم الأخذ بالأسباب التي تمنع تكرار أزمة إنسانية تشرد الآلاف، حيث انهارت السدود المائية التي أقامها النظام العسكري السابق (سياد بري)، بينما قصر قاع نهر شبيلي، نتيجة تراكم الكثبان الرملية فيه، وهو ما يحتاج إلى جهد جبار للعمل في تشييد سدود مياه جديدة، وحفر قاع النهر بمستوى أفضل.
التقلبات المناخية التي يشهدها القرن الأفريقي هي جزء من التغير المناخي العالمي المتذبذب بين موجاتٍ من النار (الحرائق) والماء (الفيضانات)، حيث تلتهم ألسنة النار دولاً عدة، بينما المياه تغرق الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وهي ظاهرةٌ أطلق عليها "النينو الهندي"، وتحدث هذه الظاهرة حينما تكون درجة حرارة سطح المحيط، في جانبه الشرقي أو الغربي، أعلى منها في الجانب الآخر؛ ليكون الجانب الأشد حرارةً عرضة للفيضانات والأمطار الغزيرة، والجانب الآخر عرضة للجفاف والحرائق. وتشهد أستراليا حرائق ضخمة، تلتهم المدن تلو الأخرى، بينما الصومال وكينيا وجيبوتي تغرق في مستنقع الفيضانات، من دون خطط استباقية للحد من تداعيات هذه الموجة المناخية الجديدة.
المشكل حقاً أن تصبح دول القرن الأفريقي العطشانة أصلاً للمياه عرضةً لسيول ملايين من
المكعبات المائية، من دون أن تقدر على الاستفادة من هذا الكم الهائل من المياه التي تدمر الشوارع والمدن، بينما الهند وأستراليا استغلتا في تطوير قطاعمها الزراعي، وحققتا أرباحاً ضخمة من الإيرادات، حيث كتبت صحيفة الغارديان أن تلك الظاهرة بدأت في التغيير الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول 2019)، ولكن بدلا من أن تجلب النعيم والازدهار للجانب الأفريقي الذي لم يكن مؤهلا لذلك التغيير؛ فقد تسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات في تهجير مئات آلاف في الصومال، وتدمير مدن في جنوب السودان، ومقتل عشرات في الانهيارات الأرضية في كينيا وإثيوبيا.
المتوقع أن تستمر هذه الموجة المناخية التي تعقد أوضاع المجتمعات الشرق الأفريقية في كل من كينيا والصومال، وذلك أمام غياب هيئات الرصد الجوي والإنذار المبكر لتوخي الحذر من الفيضانات، أو حتى القحط، وخصوصا في الأقاليم البعيدة التي لا تتوفر فيها خدمات الحكومات، وخصوصا في كل من الصومال وإثيوبيا وجيبوتي، فاستمرار هذه الأزمة يعني طول أمد المشرّدين والنازحين في مناطق مختلفة من شرق أفريقيا، فبدلاً من الاستفادة من هذا النعيم يتحول إلى جحيمٍ لا يطاق، وربما يردد كثيرون "اللهم حوالينا ولاعلينا " نتيجة بؤس الحال وضنك العيش.
ظاهرة ثنائي القطب التي تجعل جزءاً من العالم يحترق وآخره يغرق بالمياه هي إحدى فظائع التغير المناخي الذي باتت دول العالم تحذره باستمرار، وتُعقد من أجله مؤتمرات عالمية في باريس، لكن غياب الحلول الجذرية وغياب إجماع عالمي، وخصوصا بعد انسحاب واشنطن من هذا النادي، يجعل مصير الجغرافيا البشرية بحد ذاته مهددا بمخاطر الفيضانات والحرائق، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
3F6C2AC1-09AD-4357-AA15-D946B74B0C95
الشافعي أبتدون