دولة واحدة ديمقراطية لكل مواطنيها

26 يوليو 2020
الصورة
الممارسات الإسرائيلية دمرت فرص الدولة لفلسطينية (Getty)


لعل أفضل ما تمخضت عنه صفقة القرن الأميركية ثم خطة الضم الإسرائيلية لثلث الضفة الغربية المنبثقة عنها الاقتناع التام بموت حلّ الدولتين الذي كان هدفاً لعملية التسوية السياسية في العقود الثلاثة الأخيرة، والذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية  قد تبنّته في الجزائر، تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، عبر إعلان الدولة الفلسطينية الذي حمل في طياته تناقضاً كبيراً كونه استند أساساً إلى قرار التقسيم 181، بينما استندت مساحة الدولة إلى القرار 242، وجاءت وفق ما تعرف بحدود حزيران/ يونيو 1967، أي الضفة الغربية بما فيها القدس طبعاً وقطاع غزة، وبما يعادل 22 بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية، بينما أعطى قرار التقسيم 45 بالمائة منها للدولة العربية في فلسطين.
إعلان الجزائر مثّل تناقضاً وقطعاً مع تبني القيادة الفلسطينية ولعقود فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة عبر القبول بالتقسيم كحلّ بين الشعب المحتل والقوة القائمة بالاحتلال في سابقة تتناقض مع التجارب التاريخية المماثلة، والأهم من ذلك ربما أن القبول بحل الدولتين جاء في الوقت الذي كان فيه هذا الحلّ يحتضر فعلاً بعد وضع الأسس الاستراتيجية للمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية عبر الكتل الكبرى الثلاث: غوش عتصيون، معاليه أدوميم وأرئيل، بموازاة حرية حركة مقبولة للمواطنين والبضائع في كامل فلسطين التاريخية، بينما مثّل اتفاق أوسلو من الناحية الإسرائيلية - خاصة بعد مقتل رئيس الوزراء السابق إسحق رابين - غطاء لقتل حلّ الدولتين عبر مضاعفة الاستيطان عدة مرات، وخلق وقائع على الأرض بما فيها المستوطنات العشوائية - بالمصطلح الإسرائيلي - بما لا يترك مجالاً أمام الفلسطينيين لأكثر من حكم ذاتي بلدي موسع تحت مسمى دولة مع اختلاف إسرائيلي حول نسبة الأراضي التي تعطى لهم، وتوافق على ما تعرف بثوابت أو لاءات الإجماع الصهيوني الثلاث: لا لعودة اللاجئين ولا لتقسيم القدس ولا للعودة إلى حدود حزيران/ يونيو 1967، والفرق هنا ربما أن رابين أراد الوصول إلى انفصال لحماية الأغلبية اليهودية في الدولة العبرية عبر التوافق مع الفلسطينيين، بينما أراد أرئيل شارون فعل ذلك بشكل أحادي وفق قاعدة أن الانفصال تطبيق للأيديولوجيا الصهيونية وليس تنازلا عنها، كما كتبت تسيبي لفني حرفياً في وثيقة حزب كديما المدافعة عن الانفصال في مواجهة حملة المعارضة الشرسة من قبل أحزاب وحركات اليمين المتطرف بقيادة حزب الليكود، الذي هيمن تماماً على الحياة السياسية بعد ذلك إثر انهيار كديما كحزب يميني وحزب العمل كحزب وسط مع اندثار شبه تام طبعاً لليسار وأيضاً بالمصطلح الإسرائيلي.

إعلان الجزائر مثّل تناقضاً وقطعاً مع تبني القيادة الفلسطينية ولعقود فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة عبر القبول بالتقسيم


صفقة القرن الأميركية تبنت الواقع الاستيطاني السالف الذكر، وإلى أقصى مدى من منظور اليمين المتطرف بقيادة حزب الليكود، وهو ما يحاول زعيمه ورئيس الوزراء نتنياهو شرعنته أو تأبيده بالأحرى عبر خطة الضمّ الموسعة لغور الأردن وكل مستوطنات الضفة الغربية بما يعادل ثلث مساحتها أو حتى لكتلة استيطانية واحدة، تحديداً "معاليه أدوميم"، التي تشطر الضفة الغربية إلى شطرين، وتعزل القدس عن محيطها البشري الجغرافي الفلسطيني وتقطع الطريق نهائياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وفق ما يعرف بحلّ الدولتين مع الضمّ الرسمي أو بدونه. 
المشكلة الآن تتمثل بأن العالم كله يتبنى حلّ الدولتين الميت سريرياً، لكن يمكن استغلال ذلك ضمن مدى زمني معقول لمعاقبة إسرائيل ومحاسبتها على ممارساتها الإجرامية بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 67، كما تفعل المحكمة الجنائية الدولية، ثم اختيار الوقت المناسب للإعلان عن موت الحل سياسياً ورسمياً، والعودة إلى فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة لكل مواطنيها بما يعني بالضرورة تفكيك المشروع الاستعماري الصهيوني، وهو ما بدا مفكرون يهود بارزون في القبول به علماً أن السيرورة ما زالت في بداياتها الأولى والتمهيدية نحو التحول الفكري والسياسي العالمي باتجاه حل الدولة الواحدة.

توجد الكثير من الخطط منذ سنوات، بما في ذلك برنامج عمل للنضال الشعبي الذي هدفه العلني هو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية


إلى ذلك، يجب الانتباه إلى حقيقة أن إسرائيل خلقت في الضفة الغربية، وفي سياق قتل حلّ الدولتين وبمعزل عن تطبيق خطة الضمّ أو لا، واقع فصل عنصري شبيها بنموذج جنوب أفريقيا البائد، لذلك ينبغي أن يكون النضال "الجهاد" في مواجهته مماثلا للنموذج الأفريقي مدنيا سلميا ديمقراطيا عبر المطالبة بدولة واحدة وتطبيق المواثيق الدولية ذات الصلة، بما فيها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وحقوق متساوية للجميع دون انتقاص، وتوزيع عادل للثروة وعدالة انتقالية تستوجب اعتراف المجرمين بجرائمهم الاستعمارية، وربما تتضمن حتى غسل الجنرالين عامي أيلون وكارمى غيلون - قائدي الشاباك السابقين - أقدام ضحاياهما الفلسطينيين مثلما طالبهما جدعون ليفي في هارتس اقتداء بفعل أحد قادة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
هذا يقتضي طبعاً توافقا فلسطينيا واسعا وجدّيا على أسس الحل السابق الذي يستلزم بالضرورة تغييرا في الذهنيات والشخوص وانتخابات شفافة نزيهة تفرز قيادة تمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج، وتخاطب العالم بلغة يفهمها مع التأكيد على موت عملية التسوية وحل الدولتين "بقرار إسرائيلي" عبر خلق وقائع راسخة على الأرض، على أن يتضمن التوافق التخلي عن التفاوض على قاعدة هذا الحلّ الميت، كما عن الكفاح أو العمل المسلح، وبلورة أساليب نضالية سلمية بديلة أكثر نجاعة لتحقيق الهدف. وللمفارقة فقد قدمت صحيفة هآرتس - 3 تموز/ يوليو - وصفة لتلك الأساليب في تعليقها على مؤتمر حماس وفتح الإعلامي تحت شعار موحّدون في مواجهة الضمّ، حيث كتبت حرفياً ما يلي "توجد الكثير من الخطط منذ سنوات، بما في ذلك برنامج عمل للنضال الشعبي الذي هدفه العلني هو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، على قاعدة مبادرة السلام العربية، ومبنية بالأساس على نشاطات غير عنيفة. هذا يمكن أن يتلخص بإغلاق شارع في الضفة من قبل نساء وأطفال أو مسيرة صغيرة نحو قاعدة عسكرية – هذه أساليب ستحصل على تأييد وتعاطف دولي، حتى في أوساط الكثيرين في إسرائيل. ولكن من أجل أن تنجح حقاً مطلوب نقد داخلي وقرار استراتيجي وبرنامج عمل منظم للطرفين. تصريحات ونوايا حسنة كما عرضت الخميس - 2 تموز- لن تكون كافية".. برنامج العمل الشعبي السلمي كان "ولا يزال" هو نفسه صالحاً لحلّ الدولة الواحدة بعد موت حلّ الدولتين، ولكننا بحاجة فعلاً إلى مراجعة وتوجهات استراتيجية وبرنامج عمل توافقي، تماماً كما قالت الصحيفة العبرية عن حق، وهذا يفترض أن يمثل أمر اليوم وكل يوم لنا كفلسطينيين.