دورتموند... أسرار انهيار رمز محاربة الكرة الحديثة

دورتموند... أسرار انهيار رمز محاربة الكرة الحديثة

29 أكتوبر 2014
الصورة
+ الخط -

"كرة القدم أشبه بالحرب، التنافس حاضر والإثارة أجمل ما فيها، هي لعبة ليست سهلة، لذلك إذا كان الجو ممطراً والطقس صعباً وغير ملائم، وأرضية الملعب تبدو في حالة سيئة، فإن عليك أن تستمر في اللعب وتقاتل رغم كافة الظروف الصعبة، ولا تذهب إلى بيتك أبداً مهما كانت المعوّقات"، يتحدث يورجن كلوب عن نظرته تجاه كرة القدم، ويؤكد بهذا الحديث السابق أنه رجل يحب التحديات، لذلك عرف بأحد مجانين المستديرة في الملاعب الألمانية.

وإذا عدنا بالزمن سنوات قليلة للخلف، سنتذكر سويّاً إنجازات أسود الفيستفالين بتحقيق لقب الدوري الألماني مرتين متتاليتين في 2010 ـ 2011، 2011 ـ 2012، بالإضافة إلى لقب الكأس الألماني، ثم جاء الإنجاز الأكبر على الإطلاق بالوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا 2013، بعد تخطي ريـال مدريد في نصف النهائي، والفوز عليه في ألمانيا بالأربعة، ليعلن دورتموند عن نفسه أمام الجميع، كأحد أهم الفرق الكروية خلال تلك الفترة.

نقطة التحوّل
مباراة نصف النهائي أمام ريال مدريد كانت بالنسبة لكلوب ورفاقه، أشبه ببطاقة المرور إلى عالم كروي آخر وتفاصيل رياضية مختلفة تماماً عن السابق، لأن دورتموند قبل هذه المباراة كان هو الفريق المتوسط الذي يحقق المفاجآت، ويحصل على البطولات المحلية في ألمانيا بهدوء ودون زخم إعلامي كبير، لكن بعد الوصول إلى نهائي ويمبلي، وتقديم كرة سريعة قضى بها على أحد كبار القارة العجوز، أصبح الجميع ينظر إلى دورتموند من وجهة نظر مختلفة تماماً.

بروسيا قبل 2013ـ هو الفريق الذي يشبه الجواد الذي ينطلق من آخر السبق، ولا يراهن عليه أحد، ولا يهتم بوجوده الكثيرون، لأن الكل يركز على الجياد باهظة الثمن، ويتناحرون من أجل المقامرة عليها، لأنها تمثّل بالنسبة إليهم ثروة لا مثيل لها. وبالتالي نجحت إدارة الفريق، بالتعاون مع الإدارة الرياضية بقيادة ميكايل زورك، المدير الرياضي البارع، والجهاز الفني، في التخلّص من كافة الأعباء المالية القديمة، وتأسيس فريق كروي يستطيع المنافسة على معظم الألقاب المحلية والأوروبية.

لكن بعد تحقيق بعض البطولات والوصول إلى أعلى نقطة ممكنة بالتشامبيونز، فإن دورتموند أصيب بنيران أضواء الشهرة، وأصبح الجميع يركز عليه ويتحدث عنه، ويرشحه لألقاب وبطولات عديدة، وأصبح التعامل أقرب إلى أن بروسيا فريق كبير، مثله مثل بايرن وبارسا وريال، ويجب أن ينافس مثلهم، ويستمر في السباق حتى النهاية، وهنا حدثت الفجوة، وتسلّل اليأس إلى داخل أسوار ملعب سيجنال أيدونا بارك.

جودة اللاعبين
حينما رحل كاجاوا إلى مانشستر يونايتد، كان الياباني هو النجم الأول لفريق دورتموند، ويعتمد عليه كلوب بشكل كامل داخل الملعب، واعتقد الجميع أن الفريق سيتأثر كثيراً بغيابه، لكن جاءت إدارة النادي بالنجم ماركو رويس، اللاعب الذي حقق تألقاً واضحاً في البوندسليجا، وخطفته أعين دورتموند قبل بزوغ نجمه أكثر، وانتقاله إلى أحد الفرق العملاقة في القارة العجوز، وقام يورجن بتعديل تكتيكي بسيط، وأعطى ماريو جوتزه حرية أكبر.

وكأن سوبر ماريو أصبح هو كاجاوا الجديد في تشكيلة الفريق الأصفر، وحافظ كلوب على تكتيكه وتشكيله، لكن مع بعض التغييرات، جوتزه مكان كاجاوا، وماركو رويس في مركز ماريو جوتزه القديم، مع تألق البولندي ليفاندوفيسكي بشكل مضاعف، لذلك نجح بروسيا في موسم 2012 ـ 2013، وأصبح أحد العلامات المهمة في هذا العام، خصوصاً على مستوى التحولات القاتلة داخل الملعب.

وبعقد مقارنة سريعة بين رحيل كاجاوا وانتقال جوتزه إلى بايرن، سنلاحظ أن أموراً كثيرة تغيّرت، وزادت القيمة السوقية لمعظم لاعبي أوروبا، بسبب دخول رؤوس الأموال بشكل أكبر، وارتفاع قيمة جميع النجوم بلا استثناء. لذلك، حينما دفع بايرن الشرط الجزائي الخاص بجوتزه، وحصل عليه دون موافقة دورتموند، فإن إدارة الفريق حينما أرادت الحصول على لاعب بإمكانيات جوتزه نفسها من داخل الدوريات الكبرى، لم توفّق بسبب المقابل المادي الكبير.

لذلك اتجه كلوب إلى أوكرانيا، وحصل على ميختاريان من شاختار، ويتفوّق اللاعب الأرميني في جوانب عديدة كالتسديد والسرعة والذكاء، لكنه يفتقد إلى المهارة والخبث الكروي، وهما أبرز ما يميّز لاعب بايرن الجديد. وعلى هذه الشاكلة، استمرت الصفقات الخاصة بالفريق، حيث يرحل نجم كبير ويأتي لاعب آخر مكانه، يتفوّق في بعض الأمور لكنه أقل في المجمل، ما يُحدث خللاً في التركيبة الفنية طوال الموسم.

عقود النجوم
قبل الدخول إلى دائرة الشهرة والنجومية، كان دورتموند بمثابة المفاجأة السعيدة لجميع الأنصار والعشاق، كذلك كان لاعبوه في بورصة انتقالات اللاعبين. مَن كان يعرف ليفاندوفيسكي قبل لعبه مع بروسيا؟ وهل هناك مَن توقع نضوج جوتزه بهذا الشكل بعد رحيل كاجاوا؟ بالإضافة إلى معظم الأسماء الأخرى، كمات هامليز، بيندر، شاهين، سوبيتيتش، شميلزر، لوكاس بيتزيك، وبقية الأسماء.

والأهم من كل هذه الأسئلة، أن سقف طموحات المتابعين للنادي الألماني لم تكن كبيرة، حيث أن ليفاندوفيسكي عانى في بداياته، ولم يظهر ابداً بهذا المستوى غير العادي، لكن الجميع صبر عليه، ولم تخرج أصوات واضحة تنتقده أو تطالب كلوب بتغييره أو شراء لاعب آخر، وذلك لأن الفريق كان يتحرك بهدوء، ينافس دون ضجيج، وإن فاز باللقب فهذا أمر رائع، وإذا خسره لن يتغيّر شيء، ويكفي شرف المحاولة.

ولكن بعد مرحلة النجاحات الكبيرة والوصول إلى النهائي الأوروبي، وسحق البايرن والريال وفرق أخرى، أصبح الدافع مختلفاً، وتضاعفت الطموحات، ولم تعد النظرة لدورتموند أشبه بالفريق الصغير الذي يواجه الكبار، بل بالفريق الكبير الذي يجب أن يضم نجوماً كباراً، بعقود مرتفعة ورواتب خيالية، واهتمام إعلامي على طول الخط.

لذلك حينما وافق ليفاندوفيسكي على راتب سنوي يقدّر بــ1 مليون يورو، مثلاً، في 2012، لن يرضى أبداً بهذا الرقم في 2013 أو 2014، وعلى طريقة البولندي، يفكر معظم النجوم داخل الفريق، ومع حفاظ النادي على أرقام مادية معينة بسبب خطته المالية، فإن كل نجم يحاول استغلال نقاط الضعف داخل بنود عقده، ويرحل عن بروسيا حينما تحين الفرصة، ويأتي البديل الأقل منه إمكانيات، ولكن مع نفاد الصبر مبكراً على تطور مستواه، فيحدث الفشل النسبي.

إصابات متكررة
المخاطرة أمر رائع لكن مع حسابات مختلفة، وبمثال بسيط، سنقول إن كل 3 أشخاص من مجموع 10 سيهتمون بخسارة المصنّف رقم 15 على العالم في لعبة التنس، لكن حينما يتطور مستوى هذا اللاعب ويصبح أحد المصنفين الخمسة الأوائل على مستوى الكرة الصفراء، فإن كل 7 ـ 8 أشخاص من مجموع 10 سيهتمون بخسارته أو فوزه، وذلك لأنه تحوّل إلى مستوى أعلى، وزادت نسبة طموحاته، وتقابلها بالتأكيد زيادة في التشجيع وبالمثل في الانتقاد.

ودورتموند قبل عدة أعوام كان يتعرّض أيضاً لإصابات بين لاعبيه، لكن زاد الأمر كثيراً في الآونة الأخيرة، وأصبحت عادة لا تتغيّر، حيث إن كل أسبوع يصاب لاعب ويغيب لفترة عن الملاعب. ومع دخول النادي المنافسات الأوروبية بشكل مضاعف، ومحاربته على أكثر من جبهة حتى النهاية، الدوري ونهائي الكأس وبطولة السوبر ومباريات دوري الأبطال، فإن عدد المباريات التي يلعبها دورتموند سنوياً أصبحت أكثر من الماضي، لذلك زاد الحمل على لاعبيه.

ومع وجود طاقم طبي يناسب المرحلة القديمة، فإن احتمال نجاح الطاقم نفسه مع تحولات حقيقية وطموحات أخرى، لن تكون ثابتة بكل تأكيد. وخلال الموسم الحالي، أصيب ماركو رويس لفترة طويلة، كذلك كابتن الفريق هامليز، مع عدة أسماء أخرى، وعاد جاندوجان بعد غياب طويل جداً تعدى العام، فإن الاستمرار بالنجاح نفسه سيكون تحدياً يميل لكفّة الاستحالة.

وبعيداً عن الإصابات، حينما ينتقل ليفاندوفيسكي، الذي سجل 95 هدفاً لدورتموند، إلى المنافس بايرن، ويأتي راموس وإيموبيلي، فإن الأسماء الجديدة لا تقارن أبداً بالاسم الراحل ـ على الأقل في الوقت الراهن ـ وانتظار النتائج نفسها منهم سيكون فشلاً مسبقاً، وحتى الصبر عليهم سيقود الفريق إلى فقدان بعض الألقاب، التي لم يعد مسموحاً بها كالسابق، وهنا تكمن فروقات الفشل.

يورجن كلوب
"يقول المدربون بأن المراد ليس الجري بل الوصول الي الطريقة المناسبة للفوز، وأنا أقول بأن الطريقة مهمة والجري أيضاً مهم، أحب أن اشاهد فريقي يقدم عرضاً مكتملاً، وفي الوقت نفسه يجري كل لاعب مسافة لا تقل عن 10 كيلومترات. كرة القدم مهنة، عليك أن تبذل كل شيء ممكن وغير ممكن حتى تفوز بها"، هذا ما قاله يورجن كلوب في تصريح سابق خلال مقابلة مع صحيفة الجارديان قبل مواجهة آرسنال عام 2013.

ويعتبر كلوب أحد العناصر الرئيسية في نجاح دورتموند، بل يقترن اسمه دائماً بالنادي في كل المناسبات، وذلك لأنه صاحب فضل كبير على تطور الفريق، وبدونه لم يكن أبداً أسود الأيدونا بارك بهذه القوة، مع أسلوب "الجيجن برسينج" الخاص بدورتموند، حيث الضغط من منتصف الملعب، واللعب بوتيرة عالية طوال المباراة، مع قطع الكرة من الخصم، ولعب أقل عدد تمريرات مع أسلوب مباشر تجاه المرمى حتى الهدف.

ولكن لكل مرحلة ظروفها الخاصة، والأصل في اللعبة هو التناغم، لكن ليس تناغم فريقك فقط، بل أيضاً النظر إلى إمكانيات وقدرات الخصم، لأن كرة القدم في النهاية لعبة من 22 لاعباً وليس 11، لكن يُصر كلوب على استخدام الأدوات نفسها في الغالب، ولا يغيّر من أسلوبه مهما كانت الظروف، ومع تزايد الطموحات والمباريات والأضواء الإعلامية، فإن الإصرار على آليات معينة دون تغيير أو تعديل، أمر يقود حتماً إلى الانتحار المهني.

يلعب كلوب بطريقة لعب 4-2-3-1، ولا تتغيّر في معظم مواجهات الفريق، وحتى مع رحيل بعض الأسماء وقدوم البعض الآخر، بالإضافة إلى فيروس الإصابات، يصمّم المدرب على استخدام هذه الطريقة، وبالتالي لا ينجح كل اللاعبين في تنفيذها بالشكل المثالي، بسبب تغيّر العديد من المقوّمات الخاصة بمدى تناسق المجموعة، والإمكانيات الفردية التي تؤهل كل لاعب على هضم الطريقة وفهمها، ما يجعل النجاح أمراً أشبه بالخيال.

وأبسط مثال على ذلك، جولة ريال مدريد في ربع نهائي النسخة الأخيرة من دوري الأبطال، وفي مباراة الذهاب لعب كلوب بالتكتيك إياه 4-2-3-1 مع ثنائي محوري غير قادر على التمرير أو التعامل مع الضغط، وفاز الفريق المدريدي بثلاثة أهداف، مع الرأفة، وغيّر كلوب الخطة في مباراة العودة ولعب بارتكاز واحد ورباعي صريح بالوسط من أجل زيادة الضغط، وسجل فريقه هدفان وأضاع لاعبوه فرصاً مؤكدة، وذلك لأنه قام بتعديل بسيط في طريقة اللعب. لذلك، فالإصرار على الأفكار نفسها مع تغيّر عوامل الزمن والمكان، حيلة ليست مناسبة، وعلى المدرب ضرورة فهم ذلك.

المنافسين
لعب دورتموند في الدوري 9 مباريات، فاز في 2 وتعادل في 1 وخسر في 6 مواجهات، ويحتل المركز رقم 15 برصيد 7 نقاط فقط. بينما خلال دوري الأبطال حتى الآن، يحتل الفريق صدارة مجموعته برصيد 9 نقاط بعد ثلاث مباريات، وبعروض أكثر من رائعة، خاصة بعد فوزه في الافتتاح على آرسنال بهدفين دون رد، مع مباراة من جانب واحد تسيّدها لاعبوه من البداية وحتى النهاية.

وبعيداً عن حجة التركيز في أوروبا على الدوري المحلي، أعجبني جداً تعليق الصحافي جابريل ماركوتي في إحدى القنوات الرياضية الأجنبية خلال تحليل المرحلة الثالثة من مجموعات دوري الأبطال، بعدما وضع الرجل يده على أساس المشكلة الخاصة باختلاف طريقة مواجهة الفرق الألمانية لدورتموند عن منافسيه من الفرق الأوروبية.

حيث إن بروسيا في الدوري هو أحد الفرق الكبيرة التي تنافس على اللقب، وتهاجم من البداية وحتى النهاية، ولكن في دوري الأبطال يلعب معظم المنافسين بأسلوب هجومي، ولا يتراجع أحد للخلف بشكل مبالغ. وبلغة الأرقام، فإن متوسط استحواذ دورتموند بالدوري يصل إلى 60.8%، بينما في بطولة الشامبيونز 45.6%، لذلك يلعب بأسلوب "الجيجن برسينج" والمرتدات القاتلة خلال دوري الأبطال، ولكن في الدوري يجب أن يبني الهجمة من الخلف ويمرر ويحاول فتح ثغرة في الدفعات، وكلوب لا يجيد هذه الأمور.

لذلك يعاني دورتموند أمام معظم فرق ألمانيا، ويؤدي بشكل مميّز أمام بايرن، الذي يهاجم من البداية ويفتح خطوطه ولا يعود للخلف، فيحاول دورتموند قطع أي كرة وصنع تحوّل سريع قاتل من الدفاع إلى الهجوم. وخلال نهائي الكأس، الموسم الماضي، فطن بيب لهذه الفكرة ولعب بأسلوب دفاعي حتى الأوقات الإضافية، فخسر دورتموند في النهاية وفاز البافاري بالكأس.

ومع كل هذه الأسباب السابقة، تتبلور فكرة الاختلاف الشاسع بين نجاح دورتموند خلال السنوات السابقة، ومعدله المتباين خلال الموسمين الأخيرين، وتبقى دائرة الضوء هي التحدي الأكبر على الإطلاق، والبيئة التي تحتاج إلى أجواء تنافسية خاصة ومقومات أخرى للنجاح أو الفشل.

المساهمون