دوافع التقارب السعودي - التركي ومستقبله

20 ابريل 2016
الصورة

أردوغان يحتفي بالملك سلمان في أنقرة (12إبريل/2016/الأناضول)

+ الخط -
مثّلت الزيارة التي قام بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، أخيراً، إلى تركيا محطةً مهمة في مسيرة التقارب التي بدأت بين البلدين قبل نحو عام. وكانت العلاقات التركية السعودية شهدت قبل ذلك تدهوراً زادت في حدته الخلافات في مصر، وتجلّى هذا التدهور أيضاً في عدم التنسيق والتنافس في سورية؛ وذلك قبل أن يتمكن البلدَان من إعادة تعريف مصالحهما القومية وبدء مسيرة تقارب دفعت إليها جملةٌ من المخاطر، أخذت تفرض نفسها عليهما بقوة في ظل حالة انهيار إقليمي، مثّل التنافس التركي - السعودي أحد معالمها.

التوتر التركي - السعودي وثورات "الربيع العربي"
مثّلت ثورات الربيع العربي نقطة خلاف رئيسة بين السعودية وتركيا؛ ففي حين رأت أنقرة في الثورات العربية، بخاصة في سورية ومصر، فرصةً لتعزيز حجم حضورها في العالم العربي، والقيام بدور قيادي على المستوى الإقليمي، رأت فيها السعودية تهديدًا كبيرًا، ليس بوصفها دولة محافظة، تعارض الفعل الثوري في المبدأ، وتخشى من ارتداداته عليها فقط، بل لأنّ السعودية اعتقدت، أيضاً، بوجود تفاهم أميركي - تركي يسمح، أو أقلّه، لا يعارض وصول تيارات إسلامية إلى السلطة، في دول "الربيع العربي"، ومنحها فرصة للخروج من ثقافة المعارضة، وتشكّل تركيا نموذجاً لها في الحكم والإدارة.
بلغت الخلافات السعودية - التركية ذروتها في مصر؛ إذ أيّدت السعودية بقوة الانقلاب العسكري الذي أطاح حكم الرئيس محمد مرسي في شهر يوليو/ تموز 2013، وقدّمت له كلّ أشكال الدعم السياسي والاقتصادي الكفيلة بإنجاحه، أمّا تركيا فقد عارضت الانقلاب، ليس من باب أنّه أطاح نظامًا حليفًا لها جاء إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع فقط، وإنّما أيضاً لأنّه حرّك مخاوف النخبة الحاكمة في تركيا، والتي طالما عانت انقلاب الجيش عليها وتدخلاته ضدّها، ولم يكن آخرها بعيدًا (قضية أرغنكون عام 2007).
وفي سورية أيضاً، اختلفت دوافع كلٍ منهما في دعم الثورة؛ فالسعودية المعارضة للثورات عموماً دعمت الثورة في سورية ضد تمدد النفوذ الإيراني، في حين أنّ تركيا بعد أن يئست من حثّ النظام على الإصلاح دعمت قوى تعدّها قريبة منها في دولةٍ جارة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إليها. وأدّى التنافس التركي – السعودي، ودعم كلٍ منهما فصائل معارضة متنافسة تسعى إلى إسقاط نظام حكم بشار الأسد، إلى تفتيت ساحة المعارضة السورية، وتبديد جهودها في معارك جانبية، أطالت أمد المواجهة، وأسهمت في تحويل الثورة عن مسارها الأصلي، بوصفها مشروع تحرّر من الاستبداد والطغيان إلى صراع أهلي مكلف ومرير.

أسباب التقارب
مع سقوط العاصمة اليمنية صنعاء بيد الحوثيين في سبتمبر/ أيلول 2014، بدأ يتضح للرياض
التكاليف المترتبة على الدخول في مواجهة ثنائية متزامنة مع إيران وحلفائها (في سورية، والعراق، ولبنان، واليمن، وغيرها) من جهة، ومع تركيا والتيارات الإسلامية القريبة منها، لمنعها من الاستفادة من أوضاع الربيع العربي، من جهة أخرى. وأدّى وصول قيادة جديدة إلى الحكم في السعودية مطلع عام 2015 إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية واعتبارات الأمن القومي السعودي، وتمثَّل التغيير الرئيس في إعطاء الأولوية لمواجهة التمدّد الإيراني في المنطقة على ما عداها؛ إذ كادت إيران تحكم الخناق على السعودية، من خلال اقترابها من السيطرة على اليمن عبر حلفائها الحوثيين، بعد أن غدت صاحبة النفوذ الأكبر في سورية والعراق ولبنان.
وفي ظل اهتزاز الثقة بالسياسات الأميركية، بدا من الصعب حدّ الاستحالة مواجهة إيران واحتواء نفوذها المتصاعد إقليمياً من دون مساعدة قطبٍ إقليمي في حجم تركيا، يضاف إلى ذلك تصدّع النظام الإقليمي العربي، واتضاح عجز مصر عن أداء دورٍ يبرز ثقلها العربي والإقليمي في ظل أزمة داخلية مركّبة، يمثّل العداء للإسلاميين حجر الزاوية فيها.
ويمكن بذلك إجمال أهمّ الأسباب التي ساعدت على إنهاء حالة التنافس، وانطلاق مسيرة التقارب بين السعودية وتركيا، كما يلي:
1. العامل الأميركي
مثّلت السياسة الأميركية في المنطقة أحد أهم أسباب التقارب السعودي - التركي؛ فالولايات المتحدة التي بدت مستنزفةً مع الأزمة المالية التي ضربتها عام 2008، واتجاهها نحو مقاربة تعتمد حدًا أدنى من التدخّل في المنطقة، انطلاقًا من فشل سياساتها في العراق وأفغانستان، بدأت تعيد تعريف مصالحها في المنطقة، مع ظهور ملامح اكتفائها نفطياً، نتيجة ثورة الغاز والنفط الصخريين. جعلت هذه التحولات واشنطن أقلّ ميلاً لمراعاة حساسيات حليفها السعودي الذي مثّلت معادلة الأمن مقابل النفط حجر الزاوية في العلاقة معه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبينما مثّل تخلّي واشنطن عن الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، إبّان ثورة 25 يناير، مؤشراً سلبياً على مدى التزام واشنطن بحلفائها، مثَّل إصرار إدارة أوباما على التوصّل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، من دون أخذ اعتراضات السعودية على دور إيران الإقليمي في الحسبان، نقطة خلاف جوهرية أخرى بين الطرفين.
ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وسيطرته على مناطق شاسعة من سورية والعراق صيف عام 2014، بدت واشنطن مهتمة بمواجهة هذا التنظيم الذي مثّل صعوده تجسيدًا لفشل السياسات الأميركية في العراق في عهد أوباما، أكثر من اهتمامها بمواجهة دور إيران الإقليمي في المنطقة. بل على العكس، بدأ بعض دوائر واشنطن ينظر إلى الحرب على تنظيم الدولة، بوصفها نقطة التقاء في المصالح مع إيران، وأخذ من ثم ينظر إلى حلفاء إيران بوصفهم حلفاء محتملين في الحرب على داعش، الأمر الذي أثار قلق السعودية.
وعلى نحو مشابه، مثّلت السياسة الأميركية مبعث قلق كبير لتركيا، خصوصاً في سورية؛ إذ ظلت إدارة الرئيس أوباما ترفض دعم الموقف التركي المطالب بإنشاء منطقة "آمنة" في شمال سورية، وتزويد المعارضة السورية بأسلحةٍ نوعيةٍ، تساعد في حسم المعركة ضد نظام الرئيس بشار الأسد، وما زاد الأمر سوءًا بالنسبة إلى تركيا اتجاه واشنطن إلى دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يعدّ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، ذي الميول الانفصالية والمصنف إرهابياً في تركيا والولايات المتحدة، وذلك لمواجهة تنظيم الدولة. وتنامى القلق التركي، بعد أن تمكّن هذا الحزب بدعم أميركي من السيطرة على معظم حدود سورية الشمالية مع تركيا في المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات، قبل أن يذهب باتجاه الإعلان عن قيام اتحاد فيدرالي في مناطق شمال سورية وشمالها الشرقي. وهكذا، أصبح اختلاف الرؤى مع الولايات المتحدة، من أسباب التقارب السعودي التركي.

2. الرد على التحالف الروسي - الإيراني
بقدر ما مثّل القلق من السياسات الأميركية في المنطقة عموماً، وسورية خصوصاً، أحد أهمّ الأسباب وراء التقارب التركي - السعودي، مثّل التحالف الروسي – الإيراني في سورية الدافع الآخر الرئيس وراء علاقات أكثر قرباً بين أنقرة والرياض.
مثّلت طموحات إيران الإقليمية مبعثَ قلق مشترك لكلٍ من السعودية وتركيا على السواء،
خصوصاً بعد أن تركت واشنطن العراق يسقط في دائرة النفوذ الإيراني، إثر قرارها الانسحاب منه عام 2011. ومع اندلاع الثورة السورية، وعلى الرغم من اختلاف رؤية الطرفين لها، بدت الرياض وأنقرة مصممتين على منع تكرار خطئهما في العراق، وترك سورية تسقط كلياً في دائرة النفوذ الإيراني، ما يعني عملياً قطع تركيا والعالم العربي عن بعضهما قطعاً كاملاً.
وخلال السنوات الأربع الأولى من عمر الثورة السورية، تمكّنت السعودية وتركيا وقطر من منع النظام السوري المدعوم إيرانيًا من سحق الثورة، بل تمكّنت، أيضاً، من توجيه ضربات قوية له جعلت حدود سيطرته على الأراضي السورية تتقلص إلى نحو الخمس تقريبًا. لكن التدخّل العسكري الروسي الذي جاء على خلفية فشل إيران في تمكين النظام السوري من الصمود في وجه تقدّم المعارضة في شمال غرب سورية، خصوصًا خلال النصف الأول من عام 2015، مثّل تحديًا كبيرًا لكلٍ من السياسات السعودية والتركية؛ فقد حال التدخّل الروسي دون تنفيذ الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه بين أنقرة وواشنطن في شهر يوليو/ تموز 2015، بغية إقامة منطقة "آمنة" أو منطقة "خالية من داعش" في شمال سورية، لتوطين جزء من اللاجئين السوريين واستخدامها مقرًا للمعارضة السورية. وبالمثل، أدّى التدخّل الروسي إلى إنهاء إمكانية إسقاط النظام السوري عسكرياً، ومن ثم القضاء على النفوذ الإيراني في سورية، وهو الهدف الرئيس للسياسة السعودية في سورية.
لم يؤدِّ التحالف الروسي – الإيراني في سورية إلى منع انهيار نظام الرئيس بشار الأسد فحسب، بل مثّل تحدياً كبيراً للأمن القومي التركي والسعودي أيضاً، إذ أخذت روسيا تدعم بقوة القوى والأحزاب الكردية الساعية وراء الفيدرالية (وأحلام الانفصال). وتبلور هذا التوجه الروسي، خصوصاً بعد التوتر الشديد الذي خيّم على العلاقات الروسية التركية، إثر إسقاط أنقرة طائرة حربية روسية، قالت تركيا إنّها انتهكت مجالها الجوي، في نوفمبر/ تشرين ثاني 2015. ونتيجة القلق التركي - السعودي المشترك من استخدام كلٍ من روسيا وإيران الحرب ضد تنظيم الدولة، لإعادة تأهيل النظام ومساعدته في استعادة السيطرة على الحدود الشمالية مع تركيا، وميل الولايات المتحدة إلى اعتماد القوى الكردية حليفاً في الحرب ضد تنظيم الدولة، للسيطرة على المنطقة الحدودية نفسها، عرضت كلٌ من أنقرة والرياض القيام بالتدخّل عسكرياً لاستعادة الشريط الحدودي الواقع بين جرابلس وأعزاز من تنظيم الدولة، وتفويت الفرصة على كلٍ من الأكراد المدعومين أميركياً وروسياً وإيرانياً والنظام المدعوم روسياً وإيرانياً، للسيطرة على هذه المنطقة. وللغاية نفسها أيضاً، أعلنت السعودية تشكيل "التحالف الإسلامي لمواجهة الإرهاب" الذي جرى استبعاد إيران منه؛ وذلك للردّ على محاولات إلصاق تهمة دعم الإرهاب بها وبتركيا، وتفويت الفرصة على روسيا وإيران في الاستفادة من الحرب الأميركية على تنظيم الدولة، لعزل السعودية وتركيا وتعويم حلفائهما في المنطقة.

3. انهيار النظام الإقليمي العربي
أدّى انهيار العراق بفعل الغزو الأميركي، وسقوط سورية في أتون صراعٍ مدمر، بعد أن
تحوّلت إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، وانكفاء مصر وعجزها عن اجتراح دور قيادي في العالم العربي والمنطقة عموماً، إلى انهيارٍ كامل لبنية النظام الإقليمي العربي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. وبقدر ما مثّل غياب قوة عربية فاعلة حافزاً للتمدد الإيراني في المنطقة، فقد مثّل حافزًا لتقارب سعودي – تركي، لمواجهة التحديات التي سبقت الإشارة إليها؛ إذ لم يعد في وسع السعودية الاعتماد على المثلث العربي (العراق، وسورية، ومصر) الذي أدّى، في مرحلة سابقة، دورًا مانعاً لمحاولات التمدد الإيراني، ولم يعد بإمكان كلٍ من تركيا والسعودية أيضاً الاتكال على تحالفهما مع واشنطن لمواجهة التحالف الروسي – الإيراني، خصوصاً بعد أن أبدت واشنطن وحلف الناتو عدم استعدادهما لمساعدة تركيا، إلّا في حال الدفاع عن النفس، إذا وقعت مواجهة مع روسيا، سواء في سورية أو حتى في الممرات المائية في البحر الأسود.

خاتمة
لأسبابٍ جيوسياسية بحتة، ولوجود جملة من المخاطر الكبرى التي تهدّد أمنهما القومي (التهديد الإيراني بخاصة بالنسبة إلى السعودية، والتهديد الكردي المدعوم روسيًا بالنسبة إلى تركيا)، قرّرت الرياض وتركيا تحييد خلافاتهما، والبحث عن مشتركاتٍ تساعدهما في مواجهة هذه التهديدات. وبقدر ما تحتاج السعودية إلى قوة عسكرية إقليمية كبرى لموازنة إيران (تملك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو)، تحتاج تركيا إلى دعم قوة اقتصادية ومعنوية كبرى بحجم السعودية، لمواجهة محاولات روسيا العبث بأمنها القومي، خصوصاً إذا أخذنا في الحسبان أنّ تركيا تعتمد بأكثر من 80 في المئة من احتياجاتها من الطاقة على كلٍ من روسيا وإيران، ما يمثّل معضلة أمنية حقيقية، يمكن للسعودية أن تساعد في التخفيف منها، إذا اقتضى الأمر ذلك. وفي كلّ الأحوال، يمكن القول إنّه ليس أمام السعودية وتركيا من خيار إلّا التعاون، لضبط الفوضى الإقليمية التي تمثّل جزءًا من إستراتيجية التمدد الإيراني والعودة الروسية إلى المنطقة والانكفاء الأميركي عنها.
قامت السعودية (بالتحالف مع دولة الإمارات العربية المتحدة) بدور أساسي ومعلن في إفشال عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية بعد الثورات. وهي لم تتخلَّ عن هذا الدور، وعن تحالفها مع نظام السيسي، لكنّها لم تعد تُخضع تحالفاتها الخارجية للعلاقة مع النظام المصري، فقد أصبحت أكثر ديناميكيةً في تحركاتها الخارجية في محاولةٍ للحفاظ على علاقات مع قوى متخاصمة، فهي تدعم النظام في مصر، وتوثّق العلاقة مع تركيا في الوقت نفسه، أخذاً بالاعتبار احتياجات أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية.