دمشق سعاد العامري

09 اغسطس 2019
الصورة
صار للمعمارية الفلسطينية، سعاد العامري، أربعة كتب سردية، تلتمّ فيها قصصٌ وحكاياتٌ ومروياتٌ ومشاهدات، غير أن الرابع "دمشقي" (منشورات المتوسط، ميلانو، 2019) وحده عدّ روايةً. وإلى هذا الأمر، ثمّة ما هو شديد الغرابة، قالته الكاتبة، قبل أيام، في احتفاليةٍ بعملها الثمين هذا، في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، إن لغتها العربية أفضل من إنكليزيتها، لكنها كتبت أعمالها (شارون وحماتي، مراد مراد، غولدا نامت هنا، دمشقي) بالإنكليزية، لأن ذلك أيسر لها، وهي المعنيّة، أولا وتاليا، بالحكاية نفسها، بالقصّ المتتابع، لا باللغة ذاتها، والعربية تحتاج التفاتا إلى كثيرٍ من متطلباتها. هذا ما قالته سعاد العامري (بما معناه). ولمّا كانت رواية "دمشقي" عملا احتفاليا بالمكان، نصّا شغوفا بتفاصيل التفاصيل، تتوالى محكيّاتُه بأنفاسٍ شاميةٍ وفلسطينيةٍ، فإن القارئ سيعجب، إذن، من قدرة الكاتبة اللافتة على شحن اللغة الإنكليزية التي كتبت بها هذا العمل، العالي القيمة، بروحٍ مفعمةٍ بحبٍّ غزير لدمشق، أمكنةً وناسا وفضاءً، أو أنه سيتعاطف مع المترجم (عماد الأحمد) والذي ترجم النص مع الكاتبة، عدا عن أن جهدا كبيرا في عملية "مراجعة وتنقيح وبحث وتحرير" للنص، أجراها عارف حجاوي وزياد عبد الله. وللحق، وصل المنتَج إلى القارئ باذخا، ممتلئا بأسباب الغبطة به، وشائقا فائق المتعة، ومبهجا. وهو يطلّ على نحو 150 عاما، في دمشق عائلة والدة الكاتبة، الراوية، وبدرجة أقل في عرّابة ونابلس والقدس وعمّان والسلط وبيروت والدوحة. ويتوالى القص في هذا النص الطلق بشأن أخواتٍ وأحفاد وأبناء وخدم، صغار وكبار، يربكك عدّهم. 
قالت سعاد العامري، في احتفاليةٍ أخرى بكتابها في حيفا، أخيرا، إنها تكتب كما تحكي. ولكن هذا الحكي حرٌّ غالبا، مسترسل، ليس معنيّا بالإيحاء ولا بالتخييل ولا بمساحاتٍ مضافةٍ يمكن أن يصنعها القارئ من أجواء النص. ليس ثمّة شيءٌ من هذا، وإنما التعبير عمّا في الحشايا والخفايا، وكذا تصوير الموجودات والأشياء وتفاصيل المكان، مع إحالاتٍ إلى التاريخي والجغرافي. قصر آل البارودي في دمشق العتيقة، حيث عائلة الجد نعمان، زوجته الفلسطينية التي رافقها من عرّابة، أخواتُه وبناتُه وأولادُه ثم أحفاده، فضاء مكاني واجتماعي وثقافي وإنساني، الرجولة والأنوثة، الجروح والندوب النفسية، والأحلام والخيبات، وقصصٌ تتناسل من بعضها بعضا. صار هذا القصر المبني في القرن السادس عشر مطعما في دمشق، كأن اغتيالا جرى لذاكرته، لأسبابٍ تخصّ حال سورية، تتعلق ربما بفقدان الحنين فيها. الفناء والليوان وغرف استقبال الرجال وغرف استقبال النساء والصالون المختلط والأجنحة الخاصة العديدة فيه وغرف النوم ومساكن السادة والخدم في نواحي القصر الدمشقي الذي فيه واحدٌ من أجمل السقوف الخشبية العثمانية.
بعد ثلاثين عاما من وصولها إليه من عرّابة زوجةً للتاجر المُهاب، نعمان البارودي، تغادره في أول رحلةٍ من دمشق إلى فلسطين للاطمئنان على والدتها التي تتوفّى. هذا المسير إلى هناك، ذهابا وإيابا، تُتقنه سعاد العامري، وتجعله مصدر انبعاث حكاية زيجةٍ كانت حلما لعائلات الريف الفلسطيني، وحكاية الرحلة التي أضاء منها النص على جغرافيا منبسطةٍ تصل الشام بفلسطين في العام 1896. تروي الحفيدة الساردة، وهي قناع سعاد العامري، عن جدّتها وجدّها، ثم عن أمها وخالاتها، ثم عن جمع العائلة في وليمة يوم الجمعة الفاخرة، في فصلٍ دلّ على احتراف واقتدار بالغيْن، تحوزهما العامري التي طالما قالت إنها جاءت إلى كتابة الأدب مصادفةً. ثمّة هنا أصنافٌ من الأكل الشامي، ومنه سبعة أنواع من الكبّة التي يتم إعدادها في عملٍ شاقٍّ يستغرق نحو خمس ساعات. هذا مقطعٌ ثقيلٌ في متن الحكاية المديدة التي استقدمتها سعاد العامري من ذاكرتها. حاكت نسيجا سرديا مضفّرا بالحنان، وباعتبارٍ عالٍ للأنوثة، في 288 صفحة تضجّ بقصصٍ تنطق عن أكثر من حياة، لمّا كانت الهدايا الدمشقية تعبرُ إلى بيوت القدس، وكان النظر في الصواني النحاسية الصفراء المنقوشة بالخطوط الفضية ومشاهد الحيوانات البرية متعةً للعيون. .. أي فقدٍ وأي خسرانٍ باهظيْن صارا تاليا؟ هذا واحدٌ من زوبعة أسئلةٍ ستغشى وجدانَك لمّا يكتمل طوافُك مع سعاد العامري في حكيها عن قلوبٍ محطّمة، وعن فواكه مجفّفة، وعن أرضياتٍ رخامية، وجدرانٍ جفصية.. وعن عالمٍ أضاءت هذه الرواية الحارّة أزمنتَه وارتحالاتِه قبل أن يتداعى.
تعليق: