دلالة لا تحتاج إلى توضيح

26 اغسطس 2019
الصورة
(منذر جوابرة، من سلسلة "زمن مكسور"، 2016)
+ الخط -

مياهٌ كثيرةٌ مرّت تحت الجسر، أو على الأصحّ: مرّ مئات آلاف الرجال والنساء والأطفال عبر زنازين وسجون المحتلّين الإسرائيليّين منذ ظهر كتاب "أوراق سجين" لـ أسعد عبد الرحمن، الذي يروي فيه تجربته في السجن الإسرائيلي، إثر اعتقاله هو وعدد من رفاقه بعد هزيمة حزيران 1967.

كذلك، ظهرت خلال السنوات الخمسين الماضية كتبٌ عديدة عن تجربة السجن، الممهورة بالعسف والتعذيب والألم والمعاناة، كتبها معتقَلون وأسرى فلسطينيّون أثناء وجودهم في السجن أو بعد خروجهم منه، وتراوحت هذه الكتب بين الشهادات والسير الذاتية والمجموعات القصصية والروايات، والكتب الفكرية واليوميات والكتب الموجَّهة للفتيان وللفتيات.

يجدر التنويه هنا، بكتاب من تأليف القيادي الأسير مروان البرغوثي: "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي"، وبكتاب من تأليف القيادي الأسير أحمد سعدات "صدى القيد"، وبما كتبه ويكتبه الباحث أحمد قطامش من مقالات ودراسات، وبما ألّفه من كتب في الفكر السياسي، وكذلك برواية "سر الزيت" الموجَّهة للفتيات والفتيان، وكتبها الأسير وليد دقّة الذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال منذ أربع وثلاثين سنة.

وبالطبع، ثمّة نتاجات شعرية وقصصية وروائية كتبها أدباء فلسطينيّون أثناء وجودهم في السجون الإسرائيلية أو بعد خروجهم منها، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عبد الناصر صالح، وعمر حمش، ومحمد عليان، وجميل السلحوت، وعزت الغزاوي، وسمير التميمي، والمتوكّل طه، ووليد الهودلي، وحسام كناعنه، وسائد سلامة، ومحمود شقير.

ولا بد من وقفة عند بعض روايات كتبها أسرى فلسطينيّون وهم في الأسر، والتنويه بروايات أخرى كتبها أسرى محرَّرون.

كتب الأسير باسم خندقجي روايته "نرجس العزلة"، محاولاً ما أمكن الابتعاد عن ذلك النمط من الكتابة الفلسطينية التي تتوخّى الحذر في نقد الحالة الفلسطينية، وتسعى إلى الحفاظ على الهالة المعقودة على هامة الفلسطيني باعتباره مقاوماً لا يطاوله العيب، وذلك بزعم المحافظة على زخم المقاومة، وكي لا يتسرّب الإحباط إلى نفوس الفلسطينيّين حينما تتمّ تعرية نواقصهم أمام الملأ وأمام أنفسهم، مع أن هذه التعرية حينما تتوخّى فضح الأخطاء للتقدُّم نحو ذرى جديدة، تصبح أهمّ من دغدغة المشاعر بكتابة لا تقول الحقيقة، فالفلسطيني كائن إنساني مثل سائر البشر، له ضعفه الذي لا يخجل منه، وله قوته التي تتساوى مع قدراته الفعلية وليست المتخيَّلة.

الجدير ذكره أن خندقجي المحكوم بثلاثة مؤبدات، نشر وهو قابع في السجن خمسة كتب: ديواني شعر، وثلاث روايات. وقد صدرت له قبل أشهر عن "دار الآداب" رواية "خسوف بدر الدين" المكتوبة بلغة جميلة وبسرد متقن، اعتماداً على بعض وقائع التاريخ.

وكتب الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين، الذي أمضى حتى الآن ست عشرة سنة من حكم بالسجن مقداره سبع وعشرون سنة، روايته "زغرودة الفنجان" بوصفها نتاجاً أكيداً لمعاينة النضال الوطني ضد الاحتلال وللانخراط الفعلي في هذا النضال، محدّداً الأمكنة التي كان يتحرّك فيها بطل الرواية عمر، وهي المخيّم ومدينتا بيت لحم ويبوس. ويطرح الكاتب موضوع الإسقاط الجنسي الذي يعتمد عليه المحتلّون لتجنيد بعض الشباب والشابات المغرّر بهم وبهن من أجل التحوُّل إلى جواسيس وعملاء.

وما يلفت الانتباه أنَّ الكاتب يتحدّث بلغة مباشرة في الرواية عن اغتيال حسين عبيات، وهو أحد قادة الانتفاضة الثانية في منطقة بيت لحم. كما كتب الأسير المحرَّر عصمت منصور روايته "السلك" وهو في السجن، انطلاقاً من المعلومات التي جمعها من زملائه في السجن من أبناء قطاع غزّة. كتب عن المخيَّم، وعن الأنفاق التي تحوّلت إلى استثمار تجاري تمرّ عبرها سلع مختلفة وموادّ مهرّبة، وعن الانقسام الذي ولّد حالةً غير سوية في القطاع.

وكتب الأسير المحرّر صالح أبو لبن روايته "البيت الثالث"، معبّراً فيها عن مخيّم الدهيشة ومدينة بيت لحم، وكنيسة المهد أثناء الانتفاضة الثانية، كما تحدّث عن محطّات سابقة تمثّل سيرته ومعاناته من الاحتلال الإسرائيلي وتعسّفه ضده وضد أبناء شعبه. وكتب الأسير المحرّر خضر محجز "اقتلوني ومالكاً"، مستدخلاً التراث العربي الإسلامي في عنوان روايته وفي مضمونها، بحيث يتمنّى بطل الرواية الذي عانى من عسف المحتلين لو أن الصواريخ العربية تقصف مفاعل ديمونا النووي لكي تبيد الإسرائيليين والفلسطينيين معاً، ولكي تبقى فلسطين بعد ذلك. ولعل بطل الرواية يؤكّد تعلُّقه بفلسطين حين تولد له طفلة فيسمّيها "يافا" ودلالة هذا الاسم لا تحتاج إلى توضيح.

المساهمون