دفاتر فارس يواكيم

دفاتر فارس يواكيم

31 يناير 2020
+ الخط -
أسبوعياً طوال نحو عامٍ انتهى الشهر الماضي، كان "العربي الجديد" ينشر حلقات "دفاتر فارس يواكيم"، يحكي فيها السيناريست والكاتب والصحافي والمؤرخ الفني اللبناني عن نجومٍ عرب (وأجانب أحياناً قليلة)، مروياتٍ وقصصاً ومعلوماتٍ غزيرةً شائقةً، فيها الوفير من المؤانسة والإمتاع، ومن الإضاءة المهمّة على طباع مغنين وممثلين وشعراء وملحنين وكتّاب، من مصر ولبنان وسورية، وعلى أحوالهم في غضون البهجة والفرح، وأيضاً في لحظات الأسى والهمّ والحاجة، في الأحزان والمسرّات. وفي الذي رواه فارس يواكيم تصحيحاتٌ كثيرةٌ لمعلوماتٍ ذائعةٍ غير مدقّقة، وكشفٌ عن وقائع تُنشر أول مرة. وفي هذا كله، تقرأ نصّاً مسترسلاً متباسطاً مع قارئه، حميمياً، يتناوب فيه الشخصي مع العام. وهذا وذاك مسنودان بمعرفةٍ مكينةٍ بما أبدع هؤلاء، وكيف كانوا يعيشون، وأيضاً بدرايةٍ عن أسفارهم وزيجاتهم وطلاقاتهم ومصاريفهم ودخولِهم، وكذلك بخواتيمهم في الدنيا. وفارس يواكيم على صداقاتٍ قويةٍ معهم، أو أقلّه على صلاتٍ بهم مديدةٍ لم تنقطع. كتب لبعضهم مسلسلاتٍ تلفزيونية وسيناريوهات أفلام. وإذا كان قد استعان بأرشيفٍ جيدٍ في إعدادِه موادّه هذه التي يلزم جمعُها في كتابٍ يحفظها من متاهات الشبكة العنكبوتية، فإنه استعان أكثر بما سمعَه بنفسِه ممن بسَط سيرَهم، وقالوه له في حواراتٍ صحافية، وفي دردشاتٍ في سهراتٍ وجلساتٍ وأسفار بلا عدد. 
يسأل فارس يواكيم الشاعر المولود في السودان لأبوين ليبيين، محمد الفيتوري، عن السبب الذي يجعله يكتب قصائد في مديح دكتاتوريين، صدّام حسين ومعمر القذافي مثلاً، فيقول هذا إنّ "من شابَه المتنبي ما ظلم، وأحسبُهم سيف الدولة الحمداني أو كافور الإخشيدي". ويجول كاتِبنُا مع يوسف شاهين في زحلة اللبنانية، حيث منشأ المخرج الشهير، ومولد والده، ليناديه فيها بعضُ ناسِها باسمه، جبرائيل أديب شاهين. ويسأل عمر الشريف عمّا إذا كان دمشقياً أو لبنانياً في أصله، فيجيبُه بأنه من عائلةٍ دمشقيةٍ، وإن جدّ جدّه اشترى خان الجمرك، وهو صاحبُ قصرٍ ما زال قائماً في حارة بولاد في دمشق. وفارس يواكيم نسّابة مُجيدٌ في كل من كتب عنهم، ومن ذلك أن الممثل لورنس هارفي، يُخبره، في محاورتهما الصحافية التي اتفقا عليها لمّا تصادفا يتبوّلان في تواليت مطعم بيروتي (!)، إنه ليس إنكليزياً ولا أميركياً، وإنما هو مولودٌ في ليتوانيا ونشـأ في جنوب إفريقيا، وإن اسمه الحقيقي لاروش سكسيكني. ويقول له النجم (توفي عن 45 عاماً) إن كازينو لبنان من أفخم الكازينوهات التي رآها. أما عن الأرمن ومساهماتهم الفنيّة عربياً، فربما كان ما أرّخه (لعلّها المفردة الأنسب) فارس يواكيم في شأنهم هذا من أميز ما انكتبَ عن هذا المقطع البديع في التاريخ الاجتماعي للقاهرة وبيروت، فيما يتعلق بهذه المسألة. ولا أدري إن كان مشهوراً (عند غير أولي الدراية طبعاً) أن ثاني أستوديو تصوير سينمائي (وللخدمات الإنتاجية) في مصر أسّسه الفوتوغرافي، الأرمني هرانت ناصيبيان، في سنة 1937، وتمّ فيه إنتاج 150 فيلماً.
لطالما كتبتُ في هذا المطرح (إلى حد الإملال ربما؟) إن كل إيجازٍ مخلّ. وأجدُني مضطرّاً للتسلح مجدّداً بهذه الحقيقة، وأنا أحاول هنا، عبثاً، إحاطةً موجزةً بمواطن الجاذبية الرائقة (البديعة بلا مبالغة) في المادّة التسجيلية التوثيقية الموثّقة، البالغة الأهمية، والحارّة، كما يسّرها فارس يواكيم في دفاتره عن يوسف وهبي ومحمد الماغوط وفيلمون وهبي ونهاد قلعي ووديع الصافي ونجيب محفوظ وفطين عبد الوهاب وشوشو وفريد الأطرش ونور الهدى ومحمد عبد الوهاب (قدّر يواكيم ظروفه لما اضطرّ لرد تحيته بإيماءة فقط في أثناء مرافقة اثنين له إلى الطائرة التي اضطرّ إلى ركوبها في باريس لظروفٍ قاهرة، وهو الذي يرتعب من ركوب الطائرات) وتحسين قوادري وفايزة أحمد ويوسف السباعي وميشال طراد ونزار قباني ومحمد كريم وإسماعيل ياسين وأديب حدّاد (أبو ملحم) وعبد السلام النابلسي والأخوين رحباني وحلمي رفلة ونجيب حنكش ومحمود المليجي وغيرهم.
أسىً كثيرٌ في سيرة نور الهدى. وزعرانٌ في ملهى تسبّبوا بشلل نهاد قلعي. ومشياً على الأقدام إبّان إقامته في فلسطين، كان فيلمون وهبي يذهب إلى يافا، لتسجيل أغنياته الأولى في إذاعة الشرق الأدنى. ونجيب محفوظ يكتب سيناريوهات 25 فيلماً ليس منها واحدٌ من روايةٍ له. وعاصي ومنصور الرحباني يرفضان مكافأةً مغريةً أبلغهما بها مستشارٌ للملك حسين إذا ما ضمّنا أغنية فيروز عن عمّان ذِكراً، ولو عابراً، للملك فيها. ومن فرط هوسه بالنظافة، يجعل محمد كريم معهد السينما في القاهرة، لمّا كان عميدَه، "في مثل نظافة مستشفىً من القطاع الخاص"...
شكراً فارس يواكيم.