دعوة النظام السوري لانعقاد اللجنة الدستورية: مناورة مكشوفة

23 مارس 2020
الصورة
يُخفي النظام الوضع الصحي في سورية (لؤي بشارة/فرانس برس)


تثير دعوة النظام السوري لاستئناف عمل اللجنة الدستورية السورية، والتي وجهها إلى الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، في ظلّ انشغال العالم، بما فيه الدولة المضيفة لأعمال واجتماعات اللجنة، سويسرا، بجائحة فيروس كورونا المستجد، علامات استفهام عدة وتشكيكا في أهدافه. ويزيد حدّة الاستغراب، أن وفد النظام حاول متذرعاً بحججٍ مختلفة، تعطيل أعمال اللجنة في جولتيها السابقتين، اللتين عقدتا في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين. وقبل ذلك، كان النظام قد أغرق مسؤولي البعثة الأممية والفاعلين الدوليين بالتفاصيل، في محاولةٍ لعدم تأليف اللجنة، التي عادت وشُكّلت في النهاية.

وكان وفد النظام قد أرسل في 17 مارس/آذار الحالي مقترحاً جديداً لجدول أعمال اللجنة في الجولة المقبلة إلى نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية، خولة مطر، وأصدر بياناً يبدي فيه استعداده لعقد الجولة الثالثة من أعمال هذه اللجنة.

وجاء في البيان، الذي نشرته وكالة الأنباء السورية التابعة للنظام "سانا"، أنه "منذ انتهاء الجولة الثانية من عمل اللجنة الدستورية المصغرة في 29 نوفمبر الماضي، وبغية تحقيق تقدمٍ ملموس، وفي محاولات لتذليل العقبات لانعقاد جولة جديدة، قدّم الوفد الوطني للمبعوث الأممي الخاص غير بيدرسون مقترحين لتحديد جدول لأعمال اللجنة وفق لائحة الإجراءات، وقد قوبلت بالرفض من قبل وفد النظام التركي (التسمية التي يُطلقها النظام على وفد المعارضة)، بدون ذكر أي سبب لرفضها". وقال البيان أيضاً إنه "إضافة إلى ما سبق، فقد كان هناك تأخير في الرد على مقترحاتنا تجاوز الأسبوعين في المرة الأخيرة، وهذا كلّه أدى إلى تأخر انعقاد الدورة الثالثة من اجتماعات اللجنة الدستورية حتى الآن".

كما جاء في البيان أن "الوفد الوطني" (التسمية التي يُطلقها النظام على الوفد) في اللجنة الدستورية المصغرة، "يُعرب عن استغرابه الشديد من المواقف غير البناءة التي يتخذها (وفد النظام التركي) في رفض مقترحاتنا دون أي سبب، والتي أدت إلى تعطيل انعقاد الدورة الثالثة من اجتماعات اللجنة، فإنه يؤكد عزمه على الاستمرار في العمل بإيجابية لعقد اجتماعات الجولة الثالثة، وهذا ما حدا به لتقديم مقترح جدول أعمال جديد لنائب المبعوث الخاص في دمشق خولة مطر بتاريخ 17-3-2020، مع تأكيدنا على جهوزية الوفد الوطني لعقد الجولة الثالثة من الاجتماعات في الموعد الذي سيتم تحديده".

هذا الإعلان استدعى رداً من قبل "هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية" التي تقود لائحة المعارضة في اللجنة الدستورية، عبر بيانٍ مُضاد انتقدت فيه دعوة النظام لانعقاد الجولة الثالثة من أعمال اللجنة الدستورية في هذه الوقت الذي يواجه فيه العالم جائحة كورونا، واصفةً ذلك بالخداع والمراوغة.

وجاء في بيان الهيئة، الذي أصدرته مساء أول من أمس الأحد، أنه "في الوقت الذي تنوء فيه سورية تحت أحمال الدمار والتشرد والاعتقال، يستمر نظام الأسد بريائه ومكابرته وإخفائه للوضع الصحي في سورية، ويتركها فريسة لجائحة فيروس كورونا، ليخرج بعد ذلك وزير صحته (نزار يازجي) ليقول إن رئيسه وجيشه قد تخلصوا من كل الفيروسات والجراثيم في سورية".


وتابع بيان الهيئة: "وفي هذا الوقت العصيب بالذات، يتظاهر النظام بالحماسة للعملية السياسية، التي طالما تهرب منها وعطّلها باستمرار، ويرسل للمبعوث الأممي غير بيدرسون خطاباً يقول فيه إن وفده تقدم بجدول أعمال لجولة مفاوضات للجنة الدستورية المصغرة، ويبدي استعداده للذهاب إلى جولة جديدة في جنيف الأسبوع المقبل، في وقت تغلق فيه معظم دول العالم حدودها لمنع دخول فيروس (كورونا) إليها". ولفت البيان إلى أن "النظام يدرك استحالة ذلك في هذا الظرف الزمني، ولهذا يتقدم بهذه المزاودة المخادعة، ليقول للعالم إنه مستعد لحوار سياسي. زد على ذلك أن النظام رفض كل المقترحات الستة المنسجمة مع تفويض وصلاحيات اللجنة، والتي وضعها فريق هيئة التفاوض في اللجنة الدستورية، وما زال يصر على جدول الأعمال نفسه الذي وضعه سابقاً كشرط مسبق قبل الدخول في أي نقاش دستوري، والذي، بطبيعة الحال، لا ينسجم مع التفويض الممنوح والقواعد الإجرائية والمبادئ الأساسية الناظمة لعمل اللجنة الدستورية".

وأهاب البيان بالمجتمع الدولي والأمم المتحدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الوضع الصحي في سورية، والمساعدة بوقف جائحة فيروس "كورونا" التي يتستر عليها النظام. كما دعت الهيئة في بيانها إلى إطلاق سراح المعتقلين السوريين، وإرسال فرق التفتيش للكشف عن الوضع الطبي في معتقلات النظام. وطلبت من الأمم المتحدة ومبعوثها إلى سورية في البيان، أن يضعوا حدّاً لهذا التلاعب بمصير سورية والسوريين، وكذلك إخطار روسيا بأن تلتزم بما تعهدت به، وتحميلها مسؤولية التغطية على العبث بحياة السوريين ومصيرهم، وتعطيل النظام للعملية السياسية.

وحول ما إذا كانت دعوة النظام لانعقاد جولة ثالثة من أعمال اللجنة الدستورية، وعدم قدرة وفد المعارضة على تلبيتها، ستسبب حرجاً لهذه المعارضة، قال يحيى العريضي، عضو الهيئة الموسعة في اللجنة الدستورية، والمتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، في تصريحٍ لـ"العربي الجديد"، إن ذلك "لن يؤثر في شيء إطلاقاً، فالنظام يلعب، ويكذب، ويتواقح، ويزايد، والأمم المتحدة تدرك ذلك تماماً".

وحول تصور الهيئة ووفد المعارضة لمستقبل عمل اللجنة، في ظلّ استمرارية النظام في وضع شروطه "التعجيزية" أمام سير الجولات، أكد العريضي أن "النظام ووفده سيستمران في ذلك، ومن غير الواضح كيف ستتجه الأمور مستقبلاً في هذا المسار". وأضاف "مصير اللجنة كمصير غيرها من المسارات السياسية للقضية السورية، والنظام لم يأت ولن يأتي إلى اجتماعات اللجنة الدستورية إلا مجبراً، وإن أتى فسنراه كيف يعرقل باستمرار".

وكانت الجولة الثانية من أعمال اللجنة الدستورية قد فشلت في الانعقاد، على الرغم من وصول وفدي النظام والمعارضة إلى مقر الأمم المتحدة في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ولا سيما بعد مغادرة وفد النظام قاعة الاجتماعات في مبنى الأمم المتحدة، بذريعة رفض ورقة قدمها لنقاش ما سماها "الثوابت والركائز الوطنية" قبل مناقشة البنود الدستورية التي سيتم تضمينها في الدستور.

وتضمنت الورقة التي تقدم بها رئيس وفد النظام للجنة الدستورية، أحمد الكزبري، نقاطاً عدة، منها "إدانة الإرهاب والتطرف والعنف والعمل على مكافحته، واعتبار كل من حمل سلاحاً خارج سلطة الدولة السورية إرهابياً، والتأكيد على وحدة واستقلال وسيادة سورية من خلال إدانة الاحتلال التركي والأميركي وغيره من الوجود الأجنبي خارج موافقة الدولة السورية والمطالبة بخروجه، والمطالبة برفع الإجراءات القسرية أحادية الجانب المفروضة على الشعب السوري من قبل دول غربية".

وطلب الكزبري حينها من المبعوث الأممي قبيل بدء الجلسة، التوافق على هذه الورقة من جميع الوفود الثلاثة كشرط لبدء المناقشات، لكن المعارضة، إلى جانب بيدرسون، أبديا تحفظاً على هذا الشرط، معتبرين أن مضامين الورقة لا تدخل ضمن تفاصيل أعمال اللجنة، ما أدى إلى فشل الجولة.

وفي 23 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن تشكيل اللجنة الدستورية بعد حوالي 18 شهراً من ولادة فكرتها خلال مؤتمر سوتشي أو ما عرف بـ "مؤتمر الحوار الوطني السوري" بداية عام 2018. وعقدت الهيئة الموسعة من اللجنة اجتماعها الأول في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وتضم هذه الهيئة الموسعة 150 عضواً، 50 عن كل قائمة من القوائم الثلاث، النظام والمعارضة والمجتمع المدني، قبل إحالة نقاش الملفات والبنود الدستورية إلى هيئة مصغرة من 45 عضواً، 15 عضوا عن كل قائمة.