دعم ومؤازرة... السرطان يؤلم الجسد والنفس

دعم ومؤازرة... السرطان يؤلم الجسد والنفس

03 فبراير 2017
الصورة
لا بدّ من التركيز على جودة الحياة(فابريس كوفريني/فرانس برس)
+ الخط -

في الأنظمة الطبيّة المتطوّرة، غالباً ما تكون متابعة المرضى، لا سيّما مريض السرطان، من قبل فريق متعدّد الاختصاصات. وقد يتألّف الفريق على سبيل المثال من الطبيب المعالج المتخصّص في المجال ومن الجرّاح ومن المتخصّص في العلاج النفسي ومن المتخصّص في العلاج الفيزيائي (إذا لزم الأمر) وغيرهم. لكنّ ذلك يُفتقَد في عدد كبير من البلدان، وفي بعضها يُستعان باختصاصات معيّنة فقط في حالات معيّنة أو إذا كان المريض قادراً على تحمّل التكاليف الإضافيّة.

إلى أيّ مدى تُعدّ المتابعة أو المرافقة النفسيّة مهمّة، لا بل أساسيّة، بالنسبة إلى مريض السرطان؟ سؤال تجيب عنه المعالجة النفسيّة نادين معلوف، المتخصّصة في علم النفس العياديّ وفي العلاج التلطيفيّ. فتشدّد على أنّه "في غاية الأهميّة. ما يمرّ به المريض صعب للغاية، لا سيّما لدى من تُعدّ حالته متدهورة". تضيف: "عندما يصاب المرء بالسرطان تتغيّر حياته، ويجب التوقّف عند مدى تقبّله ما يحصل له. في بعض الأحيان مثلاً، يعيش المريض حالة إنكار، إذ يرفض ما يمرّ به، وفي أحيان أخرى يعاني من الاكتئاب".

وتؤكّد معلوف لـ "العربي الجديد" أنّ "المتابعة النفسيّة مهمّة جداً، ليس للمريض فحسب إنّما لعائلته كذلك، فنعمل معها". وتخبر أنّ "في بعض الأحيان، لا يجرؤ المريض على قول بعض الأمور لعائلته، فيتركها لنفسه. كثيرون لا يخبرون مريضهم بأنّه مصاب بالسرطان أو بأنّ وضعه ليس جيداً. يتفادون ذلك، إذ يظنّون أنّهم بذلك يساعدونه على مقاومة مرضه. إلى ذلك، عائلات كثيرة تقول لي إنّ مريضها لا يعرف. وأنا من جهتي، لا أتفوّه بكلمة. ليس من مهامي إعلامه بذلك، فهذه مهمّة طبيبه. لكن، عندما أقابل المريض، يتبيّن لي أنّه يعرف كلّ شيء، وهو لا يريدهم أن يعرفوا لأنّه لا يرغب في إزعاجهم".

في السياق، تقول معلوف إنّ "في بعض الأحيان، لا يكون الوضع سيئاً جداً، لكنّ المريض يكون في حاجة إلى الكلام، خصوصاً عندما يشعر بالاكتئاب. وعندما يعاني المريض من القلق يكون الأمر أسوأ. فهو يلازم منزله. لذا أحرص على تحديد موعد له بين جلستَي علاج كيميائي مثلاً، حتى يخرج من البيت. وذلك بالتأكيد، مع مراعاة تبعات الجلسات". تضيف: "عندما يشعر المريض بأنّه يملك نقطة استدلال ومكاناً يستطيع التحدّث فيه عمّا يعانيه، فيما لا يستوعب من حوله ذلك، حينها يهدأ".

ومعلوف تعمل مع مريض السرطان على "جودة الحياة، أي كيفيّة تحسين نوعيّة حياته"، وتشجّعه على القيام بما يشاء من دون أن يسمح للمرض بعرقلته. وهي تعمل مع الأطباء المتخصّصين في الأورام منذ تشخيص المريض، "إذ إنّ الطبيب يطلب منّي زيارة مريضه، عندما يشعر بأنّه مكتئب بعض الشيء أو يعاني من توتّر أو يطرح أسئلة كثيرة ويكرّرها من دون أن يستوعب ما يجري، وهذا أمر طبيعي، بما أنّ الوضع صعب. وذلك، خصوصاً إذا كان في المستشفى، إمّا لاستشفاء طويل أو خلال يوم علاجه". وتشدّد على أنّ "المريض في حاجة إلى هذه المساحة، إلى هذه الدقائق الأربعين أو أكثر، ليتكلّم عن قلقه. لكنّه في بعض الأحيان قد يحتاج إلى أدوية مضادة للاكتئاب بالإضافة إلى العلاج النفسيّ".




هل جننت؟

في المقابل، تلفت معلوف إلى أنّ "ثمّة مرضى كثيرين يرفضون المتابعة النفسيّة. فيقول الواحد منهم: أنا لست في حاجة إلى ذلك. هل جُننت؟ وأحاول مع هؤلاء الإصرار على ضرورة تحسين نوعيّة الحياة. المهمّة ليست سهلة، فالحمل ثقيل على المعالج". وتوضح أنّ "المهمّ في المتابعة النفسيّة هو رغبة المريض في الكلام. لا أستطيع إلزامه الأمر. في بعض الأحيان يصرّ الأهل ويلحّون علينا للتكلّم معه، لكنّني لا ألزم أحداً الكلام. أشجعّه على ذلك، لكنّني أترك له الخيار، وأعلمه بأنّني موجودة في حال احتاج إلى أيّ شيء". وتكمل: "أوّلاً، لا بدّ من تطمين المريض بأنّنا سوف نقوم بكلّ شيء ممكن حتى لا يشعر بالألم والانزعاج. فالألم شقّان: الألم النفسيّ والألم الجسديّ. في بعض الأحيان، ولأنّ المريض يخاف من الألم، يتألّم قبل أن يبدأ ألمه الجسديّ. والألم هو إمّا نتيجة الاكتئاب أو الخوف من الألم. لذا، نعمل مع بعض الأشخاص على كتابة يوميّاتهم. بماذا يشعرون؟ ما هي مخاوفهم؟ قد يتبيّن أنّهم منزعجون من محيطهم". وتقول إنّ "مجتمعنا لا يهوّن الأمر على الناس. فخلال الزيارات قد يخبر أحدهم المريض عن فلان أو علتان الذي أصيب بالسرطان وعانى أو توفى. بعضهم يفعل ذلك وكأنّه يحاول التخفيف عن المريض. لكنّ العكس هو ما يحصل". وتشير معلوف إلى "الأهل الذين يضغطون على مريضهم من دون أن يعوا ذلك. هؤلاء يصرّون عليه ليتناول الطعام. بالنسبة إليهم، الأكل هو أهمّ شيء. بالنسبة إلى البشر، الحبّ يمرّ عبر الطعام".

هل يجوز عدم إخبار المريض عن إصابته بالسرطان؟ تردّ معلوف أنّه "لا يمكن التعميم حول ذلك. كلّ حالة بحالتها. في الولايات المتحدة الأميركيّة اليوم، على سبيل المثال، يعيدون التفكير في الأمر. هم لديهم بند حقّ المريض بالمعرفة. لكنّ المعنيّين بدأوا يدركون أنّه من غير الممكن إطلاع الجميع". تضيف: "إذا قيل لي إنّ المريض لا يعرف، أحاول الاستفسار عمّا إذا كان يسأل: ممّ أعاني؟ لماذا كلّ هذه الفحوصات؟ إذا كان يفعل، فهذا يعني أنّه يرغب في معرفة ذلك. إذا لم يسأل، فهذا يعني أنّه لا يريد أن يعرف. لندعه. وفي حال سأل، لا بدّ من إعلامه بالحقيقة. والطبيب هو الذي يعلن، ولا أحد غير الطبيب".

كيف نخبرهم؟

إلى ذلك، تشدّد معلوف على "أهميّة عدم إخفاء الأمر عن الأطفال. هؤلاء قد يسمعون كلمة واحدة ويحلّلونها كما يشاؤون ويبحثون عنها على الإنترنت. في أحيان كثيرة، أكتشف أنّ الطفل يعرف كلّ شيء، فيعاني من قلق كبير، لكنّه لا يجرؤ على البوح لأمّه أو لأبيه بأنّه يعرف ذلك، حتى لا يجرحهما. من الضروري أن يكون الأهل صريحين مع أولادهم". وتشرح أنّ الأطفال يحمّلون أنفسهم مسؤوليّة كلّ ما يحدث من حولهم، ويشعرون بالذنب. بالنسبة إلى أحدهم، قد يكون والده أصيب بالسرطان لأنه كسر كوب ماء أو لأنّه عذّبه... بالنسبة إلى الأطفال الصغار بالطبع. كذلك، ثمّة أشخاص في العائلة قد يقولون للولد: إذا عذّبت أمّك سوف يزداد مرضها!".



الدواء وحده لا يكفي

في سياق متّصل، يشير الطبيب المتخصّص في الأمراض النفسيّة الدكتور إلياس شديد إلى دور طبيّ نفسيّ في بعض حالات متابعة مرضى السرطان. يقول لـ "العربي الجديد" إنّ "في بعض الأحيان، يطلب منا الأطباء الذين يعالجون هؤلاء المرضى أن نتدخّل، إذ إنّ المريض يعاني من حالة اكتئاب. ومعاناته تلك تأتي إمّا بعد اكتشافه إصابته بالسرطان، أو بعد تساقط شعره، أو بعد خسارته كثيراً من وزنه، أو بعد تغيّرات أخرى تصيب جسمه خلال العلاج". ويتحدّث عن "أنواع من السرطان تتسبّب بحالات اكتئاب، من دون أن يعرف المريض أنّه مصاب".

ويوضح شديد أنّ "الدواء الذي نصفه في مثل تلك الحالات ليس كافياً وحده، إذ إنّ المريض في حاجة إلى دعم نفسيّ. لا بدّ من أن يتابعه متخصّص في علم النفس، فيشجّعه ويساعده على تغيير طريقة تفكيره وعلى رؤية الأمور الإيجابيّة وليس فقط تلك السلبيّة". ويؤكّد أنّ "الأدوية المضادة للاكتئاب تساعده على تحمّل الظروف التي يمرّ بها". من جهة أخرى، "قد يعاني مريض السرطان من القلق فنصف له أدوية مضادة له. هو يشعر بالخوف. هو خوف من المستقبل، ممّا سوف يأتي". يضيف أنّ "كلّ مرض يُصاب به الإنسان (مهما كان بسيطاً) يجعله يشعر بالخوف وبالقلق. فكيف بالسرطان؟ وكيف إذا علم بأنّه لا يملك إلا فترة زمنيّة محدّدة للعيش؟".

ويحذّر شديد من تناول تلك الأدوية عشوائياً، "إذ إنّ ثمّة أنواعاً من مضادات الاكتئاب والقلق لا تناسب مرضى السرطان. على سبيل المثال، ثمّة نوع لا يمكن وصفه لامرأة مصابة بسرطان الثدي لأنّه يزيد الطين بلّة ويفاقم حالتها".

وعند سؤاله عن المرضى الذين يرفضون العلاج الدوائيّ، يجيب أنّ "ثمّة أشخاصاً يبدون مقاومة لهذا النوع من الأدوية، ليس لأنّهم يرفضونها بالمبدأ، بل لأنّهم في ما يشبه حالة انتحار. كأنّهم يريدون إنهاء حياتهم بسرعة. يقولون: حياتي انتهت. لماذا أتناول الأدوية؟ لكن مع تدخّل الأهل والمحيط والمتخصصين النفسيّين فإنّهم قد يقبلون ذلك، بعدما وصلوا إلى قناعة: لماذا لا أتناولها وأحسّن نوعيّة الوقت المتبقي لي مع عائلتي ومع نفسي؟".

إلى ذلك، يقول شديد: "من المعروف طبياً أنّ الاكتئاب الحاد والقلق يخفّضان من مناعة الجسم. وخفض المناعة يشجّع النقيلة. لذا نلاحظ أنّ بعض المرضى تمكّنوا من العيش فترة أطول، لأنّهم تلقّوا علاجاً ودُعموا نفسياً. هذا سمح لأجسامهم بأن تقاوم أكثر وجعل حياتهم أفضل وأطال فترة انتقال المرض إلى أعضاء أخرى".

المساهمون