دعم أميركي مستمر لـ"قسد" لمواجهة التحديات المقبلة

06 ابريل 2019
الصورة
تسيطر "قسد" على 30% من سورية (دليل سليمان/فرانس برس)

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية العام الماضي عزمه سحب قوات بلاده من سورية، بدأ طرح تساؤلات عن مصير "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، التي تنامت قوتها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وباتت أقرب إلى جيش نظامي من ناحية الحجم والهيكلية العسكرية والتسليح ونظام التجنيد الإجباري. وازدادت هذه التساؤلات بعد إعلان الانتصار على تنظيم "داعش" في شرق الفرات، ونهاية التنظيم كجسم عسكري مسيطر على مناطق محددة، خصوصاً أن الدعم الكبير الذي تلقته "قسد" خلال السنوات الماضية من قِبل الولايات المتحدة والغرب بشكل عام كان تحت يافطة محاربة هذا التنظيم.

وخلافاً للتوقعات بأن يتقلص الدعم الأميركي لـ"قسد" خلال الفترة المقبلة، مع انتهاء العمليات العسكرية ضد "داعش"، فإن ما يحصل على الأرض يشير إلى زيادة في الدعم، أو تواصله على الأقل وفق الوتيرة نفسها للفترة الماضية. فقبل بضعة أيام، أرسلت الولايات المتحدة إلى مناطق سيطرة "قسد" نحو 100 شاحنة محمّلة بعربات مصفحة وسيارات رباعية الدفع إلى جانب شاحنات مغلقة وصهاريج وقود.

وذكرت تقارير إعلامية محلية أن "الشاحنات دخلت سورية عبر معبر سيمالكا الحدودي مع العراق، وتوجهت إلى قاعدة خراب عشك العسكرية، التي تتجمّع فيها المساعدات لتوزيعها على عناصر هذه القوات. وكانت آخر شحنة أسلحة وصلت للمنطقة في 25 مارس/آذار الماضي بعد يومين على إعلان "قسد" هزيمة تنظيم "داعش" في آخر جيب للتنظيم شرقي دير الزور. وضمّت الشحنة الماضية مئات الشاحنات المحمّلة بالمساعدات العسكرية واللوجستية، وتوزّعت على قواعد تابعة للتحالف في المنطقة ضمن محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. كما أعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق أنها "خصصت في ميزانية عام 2020 مبلغ 300 مليون دولار لدعم قسد، تحت بند التدريب ودعم الأسلحة". وقال مسؤولون أميركيون إنه "ما زالت هناك حاجة لمثل هذا الدعم وذلك لضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش، بالتزامن مع بقاء أعداد محدودة من القوات الأميركية للغرض نفسه، وأغراض أخرى".

وصرفت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" المبلغ نفسه العام الماضي، على أمل هذا العام زيادة عدد مقاتلي "قسد" الذين يتلقون رواتب شهرية، ليبلغ 61 ألف مقاتل. ووفق صحف أميركية، فإن الموازنة الحالية تتضمن تخفيضات كبيرة في دعم الأسلحة المقدمة من البنتاغون، إلا أنها تزيد في تمويل الآليات بنسبة تصل إلى 45 في المائة. وتشمل الزيادة التركيز على الجرافات اللازمة لإزالة حقول الألغام والأجهزة المتفجرة التي خلفها "داعش".



وباتت "قسد" قوة عسكرية كبيرة وتأتي في المرتبة الثانية بعد القوات التابعة للنظام السوري، ويبلغ عدد مقاتليها نحو 60 ألفاً، بحسب إحصاءات متقاطعة، وهي مزودة بأسلحة ثقيلة تلقتها من الولايات المتحدة، من بينها ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات. وحسب القائد العام لـ"قسد" مظلوم كوباني، فإن قواته تسيطر اليوم على أكثر من 30 في المائة من مساحة سورية.

وعلى الرغم من استمرار الدعم العسكري الأميركي، إلا أنه غير كافٍ وحده للتغلب على التحديات التي تواجه "قسد" في بيئتها المحلية خلال المرحلة المقبلة، ذلك أن الانسحاب الأميركي من دون توافق على "منطقة آمنة"، سيترك المقاتلين الأكراد في مواجهة خصوم كثر، وتقريباً بلا حلفاء محليين أو إقليميين.

وقال عضو الهيئة الرئاسية، الرئيس المشترك لممثلية "مجلس سورية الديمقراطية" (مسد) في واشنطن، بسام اسحق، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "قسد باتت بعد انتصاراتها العسكرية بدعم من التحالف الدولي، لاعباً أساسياً في الصراع القائم في سورية والمنطقة"، معتبراً أنها "الطرف الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه، سواء على المستوى الداخلي أم الدولي في محاربة ما تبقى من خلايا لداعش لضمان القضاء الكامل على التنظيم". ومضى إلى القول: "ستستمر قسد بأداء دور مهم في حماية مناطق شرق الفرات ونموذج الإدارة الذاتية لتمكين حل سياسي للصراع السوري وصولاً إلى سورية جديدة، لا مركزية تكون عصية على الديكتاتورية، ودولة مواطنة تعددية تلبي تطلعات الثورة".

ويأتي النظام السوري في مقدمة هؤلاء الخصوم. ولا يتوقف مسؤولو النظام عن توجيه الانتقادات والتحذيرات لمسؤولي "قسد" بسبب تحالفهم مع واشنطن، حتى أن رئيس النظام بشار الأسد اتهم المقاتلين الأكراد بـ"الخيانة"، قبل أن يضعهم أمام خيارين: المفاوضات أو الحسم العسكري.

ورجح محللون أن يسعى المسؤولون الأكراد خلال الفترة المقبلة إلى بذل جهد أكبر للتفاوض مع نظام الأسد كحل بديل يحميهم من أي هجوم تركي محتمل. إلا أن المفاوضات مع النظام تبقى صعبة مع رفض الأخير لمبدأ "الإدارة الذاتية"، مقابل إصرار الأكراد على الاحتفاظ بمؤسساتهم وقواتهم العسكرية.

ورأى المحلل السياسي شادي العبدلله، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الأكراد سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف عالقين بين قوات النظام والجيش التركي"، مرجحاً أن "يتم خلال الفترة المقبلة تقاسم شمال شرقي البلاد بين النظام وتركيا، برعاية روسية ورضا ضمني من الولايات المتحدة، على الرغم من أن الأخيرة ما زالت تعبّر عن رفضها وصول قوات النظام إلى هذه المناطق".



وتشير تقديرات إلى أن "النظام سوف يسعى إلى إعادة هيكلة قسد، على غرار ما فعل إزاء التشكيلات غير الرسمية والتي يعمل على ضمها لقواته النظامية". وبالنسبة لـ"قسد" فقد سمح بتحويل جزء منها لشرطة محلية، كما فعل في بعض المناطق مثل "لواء التوحيد" المعارض في ريف حمص الذي أوكل إليه مهمة حفظ النظام في مناطقه، وكذلك لواء "شباب السنّة" في الجنوب السوري.

بالإضافة إلى النظام، فإن الخطر الأكبر أمام "قسد" والمشروع الكردي في سورية، هو تركيا، التي تهدد باستمرار باجتياح مناطقهم وتجريدهم من السلاح باعتبار المسلحين الأكراد، كما تقول، هم امتداد لحزب "العمال الكردستاني" المصنف إرهابياً.

وفي آخر تصريحاته قبل الانتخابات التركية الأخيرة، قال الرئيس رجب طيب أردوغان، إنه "سيكون هناك حل للوضع في سورية إما سلماً أو حرباً، ما لم يتم ضبط الوضع من قبل الولايات المتحدة. وقد استكملنا جميع استعداداتنا لتلقين المسلحين الأكراد الدرس اللازم". غير أن الولايات المتحدة وجّهت تحذيرات لتركيا من القيام بهكذا خطوة. ورجّح مراقبون أن تسيطر تركيا في نهاية المطاف على كامل الشريط الحدودي إلى جانب عمق قد يتجاوز 20 كيلومتراً، أي بما يشمل معظم التجمعات السكانية الكردية التي يقع معظمها على الحدود.

وبشأن "المنطقة الآمنة" التي اقترحتها واشنطن كحل للهواجس التركية بشأن المسلحين الاكراد، فلا تزال الخلافات قائمة بين واشنطن وأنقرة حول تفسيرها وحدودها ومن يشرف عليها. ومن المخاطر على مستقبل قوات "قسد" أيضاً هو تعدد الصراعات الداخلية فيها. وتشير معطيات عدة إلى أن هذه الصراعات قد تتصاعد خلال الفترة المقبلة بعد انتهاء الحرب على "داعش".

ورجح العقيد طلال سلو، المتحدث الرسمي السابق المنشق عن "قسد"، أن "تدخل قوات قسد في مرحلة صراع داخلي بين المكونين العربي والكردي". ورأى في تصريحات صحافية، أنه "على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمها المكون العربي في قسد خلال المعارك ضد التنظيم، إلا أنه لا يملك أي صفة أو رأي لإدارة مناطقه، بسبب مصادرة ذلك من قيادات جبال قنديل (مركز العمال الكردستاني)". ورأى أنه "مع توقف المعارك فستتجه قسد بقيادتها الكردية إلى التخلي عن المكوّن العربي"، محذراً من "وقوع موجة اغتيالات بحق أبرز القادة العسكريين من المكون العربي في قسد".

والفصائل العربية المؤسسة لـ"قسد" هي "ثوار الرقة"، و"ألوية الجزيرة"، و"لواء التحرير"، و"قوات الصناديد". ولم يتبقّ منها شيء على أرض الواقع، بينما القوى العربية الممثلة في "قسد" هي "جيش الثوار" من أبناء إدلب وحلب وحمص وحماة، إضافة إلى أبناء دير الزور بقيادة "أبو خولة" وكتائب من عشيرة الشعيطات.