دروس سودانية

13 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يسجل للانتفاضة الشعبية السودانية (انطلقت في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018)، أي قبل نحو عام، أنها تسير في مسارٍ تصاعدي من الإنجازات. مثّلت إطاحة العسكر الرئيس عمر البشير بعد 30 عاماً من الحكم، عقب أشهر من الاحتجاجات، الانتصار الأبرز، لكنه ليس الوحيد، سيما بعدما كسر المنتفضون، بثباتهم، محاولات العسكر التفرّد بالحكم، أو فرض واجهات سياسية يديرونها، حتى تم التوصل إلى تسوية تقتضي إدارة مشتركة للبلاد لفترة انتقالية من 39 شهراً مضى منها قرابة أربعة أشهر. 
تتبع ما حدث في السودان على مدى عام يسمح باستخلاص عدد من الدروس. أولها ضرورة تبنّي سياسة النفس الطويل في النضال، لأن نظاماً مترسّخاً كنظام البشير، ومسنوداً بجيش نظامي ومليشيات، ودعم إقليمي، وخبرة طويلة في قمع أي حراك والدفع به ليتحول إلى تمرّد ونزاع مسلح، لم يكن من الممكن تفكيكه أو إسقاطه خلال أيام. بل كان تحقيق ذلك يتطلب العمل و/أو المراهنة على حدوث تصدعات داخله، ستضعفه وتمهد لانهياره، وتنقل المعركة من كونها بين المنتفضين والقوى السياسية المعارضة من جهة ومعسكر قوي ومتماسك من جهة أخرى إلى معركة بين الشعب وما تبقى من هذا المعسكر الذي يبحث عن النجاة، ويصبح أكثر قابلية لتقديم تنازلاتٍ على قاعدة أنّ خسارة جزئية أفضل من هزيمة كاملة.
الدرس الثاني، ضرورة وجود رؤية واضحة ومتماسكة وواقعية في أثناء خوض المواجهة، فعندما سقط البشير، وحاول العسكر الهيمنة على الحكم، لم يخرج أي طرف ليعلن قبول ذلك، أو يطالب بإقصاء كامل للمؤسسة العسكرية. بل على العكس، كان المحتجون، ومن خلفهم قوى المعارضة، يدركون أنه في بلد تتكرّر فيه الانقلابات مثل السودان لا يمكن تجاوز العسكر، بل يجب التفاوض معهم. ولذلك زاد الزخم والضغط من خلال الفعاليات الثورية، وعلى طاولة المفاوضات التي كانت تديرها قوى إعلان الحرية والتغيير لتشكيل مجلس مدني، حتى وقع العسكر في فخ فائض القوة، وارتكبوا مجزرة فض الاعتصام امام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، ظناً منهم أن في وسعهم ترهيب المنتفضين والحصول على تنازلات، ولكن رهاناتهم سقطت، واضطروا، في نهاية الأمر، إلى تشكيل المجلس بالشراكة مع القوى السياسية للإشراف على المرحلة الانتقالية.
وبالنسبة للمحتجين الذين دفعوا من دمائهم ثمن تحقيق مطالبهم، فإن ما تحقق على أهميته، كان يتطلب الانتقال إلى مرحلة أخرى، عنوانها محاسبة البشير ورجالاته وتفكيك نظامه، ولو على نحو تدريجي. بدأت قائمة الاتهامات تكبر ضد الرئيس المخلوع، والتي لم تعد تقتصر على الفساد، بل أصبحت تشمل الضلوع في قتل المتظاهرين. كما أن تفكيك "نظام الإنقاذ" بدأ مع إقرار قانونٍ يجيز حل حزب المؤتمر الوطني. ويترافق ذلك مع عملٍ منظم لاستعادة النقابات والاتحادات المهنية، والدفع نحو تحقيق العدالة لضحايا الثورة، والتوصل إلى سلام عادل يكون كفيلاً بإنهاء دائرة النزاعات الدموية التي تغرق فيها البلاد منذ عقود.
الدرس الثالث والأهم، الوعي بأهمية تحصين كل مكسب يتحقق، وضرورة البقاء على أهبة الاستعداد لمواكبة أي محاولة التفافية تهدف إلى تعطيل استكمال تحقيق مطالب الثورة، ما يفسّر رفض قوى الثورة أي محاولةٍ لحل لجان المقاومة، إدراكاً منهم لتحديات المرحلة الانتقالية التي تمتد على 39 شهراً، خصوصاً أن جزءاً من شبكة المنتفعين من نظام البشير لا يزال في الحكم، ولن يتوانى إذ ما استشعر أن الظرف السياسي مؤاتٍ في الانقلاب على كل إنجازات الثورة.
يدرك السودانيون أن ما أنجز ليس كافياً أو أقصى ما يطمحون إليه، لكنهم يعون أيضاً أن التخلص من إرث نظام البشير والأزمات التي كان سبباً فيها لا يمكن أن يحدُث دفعة واحدة، أو بدون ظهور عقبات. والأهم أنهم يعرفون أن سياسة التدرّج في مراكمة المكاسب وحمايتها يتيح لهم بدء الحديث عن الدخول في مرحلة التحول الديمقراطي، وعدم الاكتفاء بمجرّد تغييرات سياسة مرحلية، يمكن أن تتبدد في أي لحظة.