دروس خصوصية مبكرة في مصر

04 اغسطس 2019
الصورة
لا مفرّ من الدروس الخصوصية للنجاح (العربي الجديد)

تُعَدّ الدروس الخصوصية معضلة كبرى في مصر، لا سيّما أنّها ترهق المواطنين مادياً من جهة ومن الأخرى تهدّد دور المدرسة كمركز أساسيّ لتلقّي التعليم. واللافت اليوم أنّ موسمها انطلق قبل أوانه.

قبل نحو شهرين من انطلاق العام الدراسي 2019 - 2020 في مصر، بدأت مبكراً الدروس الخصوصية الخاصة بالصف الثالث الثانوي لتساهم في إفراغ جيوب المواطنين. وعلى الرغم من أنّ نتائج امتحانات شهادة الثانوية العامة الأخيرة أُعلنت قبل أيام قليلة، فإنّ آلاف التلاميذ راحوا يحجزون أماكنهم مبكراً في عدد من مراكز الدروس الخصوصية التي يطلق عليها المصريون بمعظمهم تسمية "سناتر"، في المدن والمحافظات، استعداداً للعام الدراسي الجديد. وتلك المراكز صارت أشبه ببديل من المدارس، وهو الأمر الذي دفع أولياء الأمور إلى الاقتطاع من ميزانيتهم مبكراً، وذلك خوفاً من أن يفقدوا مقعداً لدى المدرّسين الخصوصيين وأملاً بنجاح أبنائهم والتحاقهم بالجامعات.

وبينما امتلأت الشوارع والميادين العامة بالمحافظات المصرية بلافتات إعلامية خاصة بالدروس الخصوصية، راح المصريون من ذوي تلاميذ شهادة الثانوية العامة يتسابقون لحجز مقاعد في تلك المراكز. يُذكر أنّ طرق الإعلان عن تلك الدروس تنوّعت، وشملت إلى جانب اللافتات ملصقات على الجدران ومنشورات توزَّع على المارة وترويجا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأطلقت في سياق متصل تسميات على المدرّسين في تلك الإعلانات، من قبيل "إمبراطور الكيمياء" و"ملك الفيزياء" و"ضليع الجغرافيا" و"سيبويه العرب في اللغة العربية" و"الملك" و"الوحش" و"المرعب" و"المنقذ" و"الأسطورة" و"الهضبة" و"البروفيسور" و"ابن سينا" و"رئيس جمهورية مادة كذا". ومن شأن تلك الألقاب أن تشجّع أولياء الأمور والتلاميذ على اختيار مدرّس دون آخر، من خلال ما توحي به من تمكّن من المواد.




وقد عمدت مراكز ذات مستوى تعليمي عال في المحافظات، إلى فرض حجز المقاعد منذ منتصف يوليو/تموز المنصرم، بزعم ارتكازها على عدد كبير من المدرّسين المعروفين بكفاءتهم. ويأتي الأمر شبيهاً بحجز موعد في عيادات أطباء ذائعي الصيت، قبل أشهر. وبينما أعلنت مراكز عدّة عن توفير الدروس مجاناً لديها في خلال الأسبوع الأول لجذب التلاميذ، لجأت أخرى إلى دعاية أكثر جذباً مع توفير الدروس مجاناً نصف أيام الشهر في مقابل تحمّل بدلات نصف أيامها الباقية فقط.

أمّا تكاليف تلك الدروس، فتخضع إلى اعتبارات مختلفة، منها مهارة المدرّس وصيته وكذلك عدد التلاميذ فيه وموقعه (في حيّ راق أو غير ذلك). يتراوح على سبيل المثال بدل حصّة واحدة (ساعة واحدة) من حصص مواد الصف الثالث الثانوي في المراكز التي يتخطّى عدد التلاميذ فيها 200 تلميذ، ما بين 50 جنيهاً مصرياً و100 (ثلاثة - ستّة دولارات أميركية). وإلى جانب بدلات الحصص، تأتي تكاليف المذكرات والملازم التي يطبعها مدرّس كل مادة. تذكر الإشارة إلى أنّ ثمّة عائلات تتّجه صوب "المدرّس الملاكي" أي الذي يقصد البيوت لتقديم الدروس الخصوصية للتلاميذ، الأمر الذي يرفع التكاليف. ولعلّ اللافت اليوم هو بدء موسم الدروس الخصوصية في حين كانت وزارة التربية والتعليم المصرية قد أفادت بانتهاء أزمة تلك الدروس وهدّدت بمعاقبة كل مدرّس يتّجه إلى ذلك. بالتالي فإنّ الأمر يؤكد أنّ الوزارة خسرت "المعركة" مبكراً وأنّ تصريحات المسؤولين كاذبة.

تجدر الإشارة إلى أنّ العام الدراسي الذي ينتهي بامتحانات الثانوية العامة يُعَدّ بمثابة كابوس بالنسبة إلى الأسر المصرية التي تعلن ما يشبه "حالة طوارئ" وتخفّض ميزانية المنزل لمصلحة توفير الدروس الخصوصية لأبنائها. تقول منى عبد الباسط لـ"العربي الجديد" إنّها حجزت لابنتها منذ شهر يوليو/تموز المنصرم مقعداً في أحد المراكز، على أن تبدأ الدروس عقب إجازة عيد الأضحى (11 أغسطس/آب الحالي). وتضيف أنّ "بدل حصة الرياضيات الواحدة هو 100 جنيه (نحو ستّة دولارات) من دون ملازم، كذلك الأمر بالنسبة إلى بدل حصة الكيمياء. أمّا حصة الأحياء فبدلها 80 جنيهاً (نحو خمسة دولارات)، وبدل حصة اللغة العربية 70 جنيهاً (نحو أربعة دولارات)، وحصة اللغة الفرنسية 60 جنيهاً (نحو 3.5 دولارات)، واللغة الإنكليزية 100 جنيه (نحو ستّة دولارات)، وحصة الإحصاء 90 جنيهاً (نحو 5.5 دولارات). أمّا بدل حجز المقعد فهو 60 جنيهاً (نحو 3.5 دولارات)". أمّا محمود علي وهو تلميذ أنهى الصف الثانوي الثاني، فيخبر "العربي الجديد" أنّه "بمجرّد إعلان نتيجة الامتحانات، رحت أقصد السناتر لحجز مقعد. لكنّ السنتر الواحد يضمّ 200 تلميذ والأسعار مرتفعة، لذا رحت وزملاء لي نفكر في جمع عدد منّا والاتفاق مع مدرّس من خارج السناتر. فالاكتظاظ في السنتر يصعّب عملية الفهم".




من جهته، يقول طارق سعد لـ"العربي الجديد" إنّه "لا بدّ من اللجوء إلى الدروس الخصوصية، بعد إغلاق المدارس أبوابها أمام التلاميذ، فيما مدرّسو المؤسسات التي تبقي أبوابها مفتوحة، لا يقدّمون المعلومات الكافية للتلاميذ"، مشيراً إلى أنّ "بدلات الدروس الخصوصية نار في هذا العام، بعد ارتفاع الأسعار في البلاد من جديد. ونتيجة لذلك سوف نستغني عن كثير من احتياجات المنزل في أثناء العام الدراسي المقبل". وبالنسبة إلى سعد أبو العلا، وهو والد أربعة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، أكبرهم سوف يخضع إلى امتحانات الثانوية العامة في العام المقبل، فإنّ "الدروس الخصوصية عبء آخر على أولياء الأمور، خصوصاً مع انخفاض مستوى التعليم في المدارس. لذا لا حلّ أمامنا سوى الدروس الخصوصية". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "الدروس الخصوصية للثانوية العامة كارثة"، مطالباً "الحكومة بالتدخل لمنع تلك التجارة لحماية الأسر الفقيرة والمتوسطة منها، ولاستعادة دور المدرسة من جديد".