درعا والسويداء تتخطّيان خطر فتنة يدفع إليها النظام

30 مارس 2020
الصورة
تدرك المحافظتان مخاطر التجييش الطائفي (محمد أبازيد/ فرانس برس)
تخطت محافظتا درعا والسويداء في جنوب سورية توتراً اندلع خلال الأيام القليلة الماضية، على خلفية عمليات خطف متبادلة ارتفعت وتيرتها أخيراً، ما أدّى إلى اندلاع اشتباكات بين مجموعات محلية من المحافظتين، أوقعت قتلى وجرحى، وأثارت مخاوف من وقوع فتنةٍ طائفية (علماً أن السويداء ذات غالبية من الموحدين الدروز، بينما درعا من المسلمين السنة)، تؤكد المعطيات أن النظام السوري ليس بعيداً عنها في إطار مساعيه إلى ادعاء حمايته الأقليات الطائفية. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأنه جرى تسليم جثامين ستة من أبناء السويداء، أول من أمس السبت، إلى وجهاء من المحافظة في قرية عرى بوساطة الهلال الأحمر السوري، مشيراً إلى أن هؤلاء قتلوا في اشتباكات مع مسلحين من منطقة بصرى الشام في محافظة درعا خلال اشتباكات حصلت في اليوم ذاته. من جهته، أوضح "تجمع أحرار حوران" أن مفاوضات جرت بين الطرفين بإشرافٍ من الجانب الروسي، أدّت أيضاً إلى إطلاق الفصائل المحلية في السويداء سراح شخصين من منطقة بصرى الشام، كانت هذه الفصائل اختطفتهما في وقت سابق. وتحدث التجمع عن وجود بوادر حلٍّ للفتنة بين المحافظتين، بسبب عصابات الخطف والسرقة، على حدّ قوله.

وبحسب شبكة "السويداء 24" المحلية، بدأ التوتر يوم الخميس الماضي، حين اختطف مسلحون مجهولون مدنيين اثنين يتحدران من ريف درعا، كانا يستقلان مركبة محملة بالأبقار، وفُقدا قرب بلدة القريّا جنوب السويداء، حيث تبين أنهما تعرضا لعملية خطف على يد عصابة طمعاً بالفدية المالية. وأضافت الشبكة أنه صباح يوم الجمعة الماضي "تسلل ثلاثة مسلحين يستقلون دراجة نارية، من جهة مدينة بصرى الشام باتجاه أراضي بلدة القريّا، وأطلقوا النار على سيارة تقل ثلاثة مدنيين من أبناء البلدة، بعدما حاولوا خطفهم، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة الآخرين". من جهتها، أوضحت مصادر محلية لـ"العربي الجديد"، أن المجموعة التي هاجمت قرية القريّا تتبع للقيادي السابق في فصائل المعارضة السورية أحمد العودة، الذي كان أحد القادة الذين سلّموا محافظة درعا للنظام والروس في عام 2018، وانضوى بعد ذلك في "الفيلق الخامس" التابع للجانب الروسي، والذي يضّم العناصر التي دخلت في اتفاقات المصالحة مع النظام.


ووفق المرصد السوري، فإن مسلحي مدينة بصرى الشام الذين هاجموا منطقة القريّا بريف السويداء الجنوبي عمدوا إلى تصفية ستة من المسلحين المحليين من أبناء السويداء ممن كانوا قد أُسروا خلال اشتباكات سابقاً، وجرى إعدامهم ميدانياً. وأشار المرصد إلى أن الاشتباكات تسببت بمقتل 10 أشخاص من الفصائل المحلية في السويداء وإصابة ستة آخرين منهم بجراح، بالإضافة إلى مقتل أربعة من مسلحي بصرى الشام. إثر ذلك، توجّهت مجموعةٌ من الفصائل في السويداء إلى زعيم عصابة يدعى يحيى النجم في منطقة القريّا، لاعتقاله، عقب اتهامه بالتورط بخطف المدنيين من درعا، إلا أنه فجّر نفسه بحزامٍ ناسف، ما أدّى إلى مقتله على الفور ومقتل مسلحٍ من الفصائل وإصابة ثلاثة آخرين. لكن مصادر محلية تؤكد أنه لم تجر عمليات تصفية ميدانية، مشيرة إلى أن النظام هو من روّج ذلك من أجل إثارة الأهالي في محافظة السويداء، والمعروفة أيضاً بـ"جبل العرب".

وأوضح العميد إبراهيم الجباوي، القيادي السابق في فصائل المعارضة السورية في محافظة درعا، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن ما حدث بين المناطق الفاصلة بين محافظتي درعا والسويداء "لا يعدو كونه فعل قطّاع طرق مرتبطين بالنظام السوري"، مشيراً إلى أن الأخير "يحرضهم على افتعال الفتن بين الجارتين". واعتبر الجباوي أن هذا الأمر "مرفوض من العقلاء في المحافظتين، وهو ليس في صالحهما"، لافتاً إلى "حصول محاولات من الجانبين لتطويق هذه الحوادث".

ومنذ بدء الثورة السورية في عام 2011، شهدت درعا والسويداء حوادث خطف متبادل من قبل عصابات مرتبطة بالنظام، ما يعني أن الأخير لم يكن بعيداً عما يجري، بل إن مصادر محلية تؤكد سعيه إلى إشعال فتيل فتنة طائفية لإحكام سيطرته على المنطقة.

واختار معظم أهل السويداء الحياد خلال الثورة، باستثناء عصابات وجدت في الفوضى سبيلاً لها لتحقيق مكاسب مادية من عمليات خطف مدنيين من محافظة درعا. ولطالما حاول النظام التسويق لفكرة وقوف الدروز السوريين معه في حربه ضد السوريين، إلا أن عشرات آلاف الشباب الدروز رفضوا الخدمة في قوات النظام، ما دفعه إلى تحريك خلايا لتنظيم "داعش" في البادية السورية لمهاجمة قرى درزية، وفق مصادر محلية.

وكان تنظيم "داعش" قد هاجم في منتصف عام 2018 قرى في ريف السويداء الشرقي، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين الدروز. كذلك اختطف التنظيم المئات من أبناء القرى الدرزية، ولم يفرج عنهم إلا بعد إبرام صفقة مع النظام والجانب الروسي.

وتؤكد مصادر محلية لـ"العربي الجديد" أن محافظة السويداء، التي لم تخرج عن سيطرة النظام، تشهد حالة من الفلتان الأمني في ظلّ انتشار مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام تنشط بعمليات القتل والاختطاف من أجل الفدية. وأشارت المصادر إلى ظاهرة انتشار السلاح العشوائي، إذ يعمد كثير من الأهالي لاقتناء أسلحة فردية لحماية أنفسهم من هذه المجموعات، مؤكدة أن الأخيرة لا تتحرك إلا بأوامر من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام. وأوضحت المصادر أن "هذه المجموعات سعت كثيراً من أجل إشعال فتنة مع الجارة درعا، إلا أنها فشلت". وهي تضع ما جرى بين القريّا وبصرى الشام في سياق هذه المحاولات المتكررة، مؤكدة أن أهالي درعا والسويداء "يدركون جيداً مخاطر الانجرار وراء التجييش الطائفي، وهو ما يفشل أي محاولة لجرّ الطرفين لاقتتال واسع النطاق"، بحسب رأيها.




تعليق: