درعا تحت رحمة النظام السوري: توتر ينذر بانفجار

27 يونيو 2019
الصورة
النظام يعتمد أساليب ما قبل الثورة بدرعا(لؤي بشارة/فرانس برس)

على الرغم من مرور عام على سيطرته على محافظة درعا، جنوبي البلاد، إلا أن النظام السوري لم يتمكن حتى الآن من إحكام قبضته على المحافظة، التي ما زالت تشهد بشكل يومي تقريباً نوعاً من مظاهر الاحتجاج والتذمر والرفض لوجود قوات النظام، التي تتّبع الأساليب الأمنية القديمة في التعامل مع المحافظة التي انطلقت منها الثورة السورية عام 2011. وتشير معطيات كثيرة إلى أن الوضع في المحافظة مهدّد بالانفجار في أي وقت بسبب تنصّل النظام من وعده لأبناء المحافظة بشأن إطلاق سراح المعتقلين والكف عن الملاحقات الأمنية وتحسين مستوى الخدمات، وسط احتدام التنافس بين الأجهزة الأمنية لتطويع المحافظة. وهي أجهزة باتت تتوزع الولاء بين إيران وروسيا المتنافستين في المحافظة، وعموم البلاد.

وحسب تقرير لوكالة آكي الإيطالية قبل أيام، فإن "سيطرة النظام السوري على محافظة درعا ضعيفة، في ظلّ قدرة الجيش الحر على استرجاع قوته بموازاة تخفيض روسيا من وجودها العسكري في المدينة. وبات هذا الوجود يقتصر على حواجز لا تكاد تُرى"، مشيرة إلى أن "الأجواء العامة توحي باحتمال انفجار الوضع أمنياً وعسكرياً من جديد، خصوصاً أن التوترات الأمنية في المحافظة تترافق مع تردي الأوضاع الاقتصادية".
وكانت فصائل المعارضة قد سلّمت بموجب اتفاقيات التسوية مع النظام التي رعتها روسيا السلاح الثقيل، وبعض السلاح المتوسط، لكنها احتفظت بمعظم السلاح الخفيف وبعض السلاح المتوسط وسط إعلانات متواترة من جانب قوات النظام بشأن الكشف عن مخازن أسلحة في هذه المنطقة أو تلك من المحافظة بين الفينة والأخرى.

وتنقسم مناطق المحافظة أمنياً إلى قسمين، الأولى تلك التي سيطرت عليها قوات النظام بالقتال في ريف درعا الشرقي في بداية الحملة العسكرية في يونيو/ حزيران 2018. وهذه المناطق جردتها قوات النظام من جميع أنواع الأسلحة. أما القسم الثاني فهي المناطق التي عقدت اتفاقيات تسوية مع النظام برعاية روسية. وهذه احتفظ مقاتلوها بسلاحهم الخفيف وبعض السلاح المتوسط، ولم تدخل قوات النظام إلى معظمها، مكتفية بنصب حواجز خارج القرى والبلدات، حيث تقوم باعتقال الأشخاص المطلوبين لديها على الحواجز خلال تنقّلهم بين بلدات المحافظة، أو باتجاه العاصمة دمشق.

وخلال الأشهر الأخيرة شهدت الكثير من مناطق المحافظة عمليات استهداف متكررة لمراكز وعناصر النظام، شنّها مسلحون مجهولون وأوقعت قتلى وجرحى في صفوف النظام. كما تشهد المحافظة بين الفينة والأخرى تظاهرات مناوئة للنظام، أبرزها تلك التي خرجت رفضاً لإعادة نصب تمثال حافظ الأسد في مركز المدينة، وتنديداً بتشديد القبضة الأمنية على حواجز النظام، حيث طالب المتظاهرون بإزالتها. وتشهد المدينة استنفاراً أمنياً لقوات النظام بعدما فرضت حظراً للتجوال دام طول يوم الثلاثاء على خلفية الهجمات المتكررة التي تستهدف قوات النظام في المدينة.



وأحدث الهجمات كانت فجر الثلاثاء، مع مهاجمة مسلحين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة مواقع قوات النظام في مدينة داعل بريف درعا الأوسط، مستهدفين تحديداً فرع المخابرات الجوية ومخفر البلدة. وكان قد سقط قتيلان لقوات النظام، السبت الماضي، نتيجة هجوم استهدف الحاجز الغربي ومقر الفرقة الحزبية في المدينة. كما هاجم مجهولون حاجزاً لـ"المخابرات الجوية" في الكرك الشرقي بريف درعا الشرقي، حيث تركزت الهجمات في الأيام الماضية على الحواجز التابعة للمخابرات الجوية التي تعرف بسوء معاملتها للأهالي في المحافظة.

وتزايدت هذه الهجمات منذ الإعلان عن تشكيل مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم "المقاومة الشعبية" في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وأعلنت، منذ ذلك الحين، مسؤوليتها عن مجموعة من التفجيرات والهجمات على مواقع قوات النظام في درعا وريفها. وقد أسفرت الهجمات على قوات النظام والمليشيات الموالية لها عن مقتل أكثر من 25 عنصراً وإصابة العشرات منهم، من بينهم ضباط برتب مختلفة. كما شهدت المحافظة عودة ظاهرة الكتابات المناهضة للنظام على الجدران. وتزامن ذلك مع دعوات للعصيان المدني في درعا، بهدف منع إرسال شبان المحافظة إلى جبهات القتال مع قوات النظام في الشمال السوري، مع انتهاء مهلة التسوية المفروضة على المطلوبين.

وبدأ الدعوة القيادي السابق في صفوف المعارضة، أدهم الكراد، عبر صفحته في "فيسبوك"، وتلا ذلك توزيع منشورات في بعض بلدات ريف درعا، تحث على رفض إرسال الشبان إلى جبهات القتال ضمن قوات النظام. وقد عمدت قوات النظام بعد سيطرتها على المحافظة إلى سوق المئات من الشبان للخدمتين الإلزامية والاحتياطية، ودفعت بأعداد منهم نحو الجبهات المشتعلة في الشمال السوري، حيث قتل 25 شخصاً من أبناء المحافظة حتى الآن في تلك المعارك.

وتصاعدت عمليات التخلّف عن الالتحاق والانشقاق من أبناء محافظة درعا الملتحقين بقوات النظام أخيراً، ليتم توثيق 124 حالة انشقاق أو تخلف عن الالتحاق بالقطعة العسكرية. وقد أسفرت سيطرة قوات النظام على درعا عن تهجير نحو 12 ألفاً من أبناء المحافظة الذين رفضوا التسوية وقرروا التوجه إلى الشمال السوري، بينما ظل باقي السكان ضمن قراهم ومدنهم يعانون من الملاحقات الأمنية والاغتيالات والتجنيد الإجباري وسوء الخدمات المعيشية، بعدما نكث النظام بوعوده بعدم التعرض لهم. وتقوم قوات النظام من خلال حواجزها المنتشرة بين قرى ومدن محافظة درعا بتنفيذ عمليات الاعتقال، إضافة لمداهمة المنازل في بعض المناطق.

وحسب "تجمع أحرار حوران"، فقد تم اعتقال نحو 700 شخص منذ سيطرة قوات النظام على المحافظة قبل عام، غالبيتهم ممن يحملون "بطاقات التسوية"، ومن بينهم شخصيات عملت سابقاً في المجالس المحلية وفي مجال الإغاثة. وحسب هذا التوثيق، فإن من بين المعتقلين 29 سيدة، أُفرج عن قسم منهن خلال فترات سابقة، و18 قيادياً سابقاً في الجيش الحر. وفي محاولة من نظام الأسد لتهدئة الأوضاع في المحافظة، بوشر بالإفراج على دفعات عن بعض المعتقلين اعتباراً من 23 مايو/ أيار الماضي، شملت جميعها نحو 60 معتقلاً، معظمهم ممن اعتقلوا حديثاً. وفضلاً عمن اعتقلوا بعد سيطرة قوات النظام على المحافظة، هناك نحو 4386 معتقلاً من محافظة درعا، ما زالوا في سجون النظام منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، ويعتقد أن المئات منهم قضوا تحت التعذيب، بحسب "تجمع أحرار حوران".

كما شهدت المحافظة منذ سيطرة قوات النظام عليها عشرات عمليات الاغتيال بلغت 112 عملية ومحاولة اغتيال، أدّت إلى مقتل 51 شخصاً وإصابة 38 آخرين بجروح متفاوتة، فيما نجا 23 شخصاً منها. كما أن الأجواء المتوترة التي تعيشها محافظة درعا بعد سيطرة قوات النظام عليها تترافق مع التنافس والصراع بين الأجهزة والمليشيات الموالية للنظام، مع موالاة بعضها لإيران وبعضها الآخر لروسيا. وهو ما تجلى بشكل خاص في عمليات الاغتيال المتكررة التي استهدفت شخصياتٍ عسكرية من النظام والمعارضة في آن واحد. وأهم أطراف هذا الصراع هم المخابرات العسكرية والفيلق الخامس المدعومان من روسيا من جهة، والمخابرات الجوية والفرقة الرابعة المدعومتان من إيران من جهة أخرى.