درس الترجمة

03 أكتوبر 2019
الصورة
غونتر فورغ/ ألمانيا
+ الخط -


تُتيح لنا الترجمةُ أن نقرأ الأدبَ العالَميّ، مُنتَجَ الآخَر المنتمي إلى الثقافات الأخرى التي تختلف عنا بتراثها وعاداتها وتاريخها ورؤيتها للعالَم ولغاتها، وأنْ نعرف عنها، فنمحو الأفكار المسبقة التي تجعلنا نعاديها أو نتهيَّبها على الأقلّ، بحكم أن الإنسان يُناصب المجهولَ العداء بالفطرة.

والطريف أن حضور الأدب العالمي مُترجَماً في وسطنا الثقافي، وفق الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، صيَّر "الأديب العربي، بصفة شعورية أو لا شعورية، يُدخِلُ الترجمة في حسابه، الترجمة بمعنى المقارَنة، الموازنة، أو التحويل من أدب إلى أدب. كل دراسة عن أديب عربي معاصر هي في الواقع دراسة في الأدب المقارن. من يستطيع اليوم أنْ يقرأ شاعراً أو روائياً عربياً من دون أنْ يُقيمَ علاقةً بينه وبين أنداده الأوروبيين؟".

ومعلوم أنّ السبيل إلى قراءة الآخر، في حال عدم إتقاننا للغته، هو الترجمة باعتبارها حركة يَدٍ تمتدّ نحوه في إعلان صريح عن الاعتراف به كائناً مختلِفاً عن ذاتنا، وفي برهنة على استعداد للحوار معه انطلاقاً من نصوصه، التي تُقدِّمه بصفتها صوتاً له، وفي الوقت ذاته نُقرّ من جِهتنا ضِمناً بنسبيّة لغتنا، أي أنها لغةٌ من بين لغات العالَم العديدة، وهذا يُفضي بنا إلى التأكيد على أنّ الترجمة لغةٌ كونية يتكلَّمها العالَم، وتُحقِّق له التواصل بين أفراده.

ويجد هذا الموقف سندَه في ما ذهبتْ إليه المفكّرة الفرنسية بارْبارَا كَسَانْ التي ترى أنَّ "الحضارة شُيِّدت حوْل الترجمة" وأنّنا "في حاجة إلى أن نحسن التعامل مع الاختلاف"، الذي تُعَدُّ الترجمة مرآتَه والمُعَرِّفةَ به دَرْءاً للخلاف والصدام، تطلُّعاً إلى مجتمع المحبة والتفاهم، وهذا لعمري هو درس الترجمة.

ولا يخفى أنّ الترجمة الأدبية، باعتبارها مضماراً للقاء بالآخر، عادةً ما تكون ممارسة شخصية. ومهما يجتهدِ المترجِمُ في أنْ يكون حيادياً بجعله صوتَ المؤلِّف طبيعياً في اللغة المُضيفة، يجِدِ القارئُ الحصيف تسرُّباتٍ لصوتِ المترجمِ بين ثنايا السطور مجسَّداً في معجم بعينه، أو عبارات مسكوكة، أو أساليب مخصوصة، أو غيرها، مما يَكُون الأثرَ الدَّال عليه، لأنَّ العمل المترجَم، هو قبل كل شيء، سعي من المترجم إلى أنْ يفهم ما يقرأ، وأن يُبرهن لذاته قبل غيرِه إنْ كان قدْ فهِمَ حقاً ما قرأ، وإنْ كان بوسعه أنْ يُفهِم فهْمَه للآخرين.

يعي المترجِمُ أنَّ المؤلِّف يعرفُ أشياءَ ويقولها في لغته، وأنَّ مهمَّتَه أنْ يعي هو أيضاً أنه ينقل ما يزعم أنه يَعْرِف من كلام المؤلِّف، وأنه يقوله في اللغة التي يُترجِم إليها. إذن، لا غرابة، في أنْ يكتب المترجِمُ من موقع الارتياب في منجَزِه، لإيمانه بهامش الخطأ أو النقص على الأقل الملازمَيْن له دوماً، طالما أنْ لا ترجمةَ بِوُسعها أن تدَّعِي أنها نهائيَّة البتة، الشيءُ الذي يبرِّرُ بالضرورة ظهورَ أكثر من ترجمة للنص الواحد، تكون تعبيراً عن انتباهِ الترجماتِ اللاحقة إلى ما فات السابقة عليها من فهم لوقائع وإدراك لمعان، غالباً ما تكون قد استُغلقتْ على المترجِمين السابقين.

لكنَّ هذا لا ينفي كون الترجمة فعلاً إبداعيّاً يُعيد خلق العمل في غير لغته الأصلية، خصوصاً إذا علِمنا أنَّ كثيراً من الكُتّاب والشعراء يُزاولونها بوصفِها نشاطاً ذاتياً تَكميلياً وتكوينيّاً، وبصِفَتهمُ الإبداعية التي تَشِي بتطلُّعهم إلى تملُّك تلك النصوص؛ وتكثر الأمثلة في هذا الباب على ترجمات بلغ بها الأمر أن طمستْ لا إراديّاً اسْمَ المؤلِّف وأظهرت المترجِم، ولنا في عبد الله بن المقفّع ومصطفى لطفي المنفلوطي المثال الصارخ، إذ تُنسب إليهما نصوص ليستْ لهما.

تُقرِّبنا الترجمة من الأدب العالمي، خصوصاً الأوروبي، الذي حَسب كيليطو "كلما اقتربَ كِتابٌ عربي من هذا الأدب، تضاعفتْ حظوظ تثمينه والإعجاب به، وازدادتْ فرص ترجمته"، إضافة إلى أنّ ترجمةَ أدبِنا إلى لغات العالم تَضْمن له موطئ قدم في قارة الكتابة العالَمية، وتُقْنعنا وغيْرَنا بأننا جزء من بُناة هذه الحضارة الإنسانية.

المساهمون