دحلان وفرص التأهيل

19 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

قال السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، في حديث لصحيفة "إسرائيل اليوم" إنّ الولايات المتحدة تدرس استبدال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمحمد دحلان. ويصعب الاطمئنان إلى تصحيح الصحيفة المُؤيِّدة لرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بعد مرور تسع ساعات على نشر المقابلة؛ بأنها أخطأت في نقل أقوال فريدمان، وأنّ إجابته، على سؤال بشأن ما إذا كانت لدى الولايات المتحدة رغبة في تعيين محمَّد دحلان رئيساً فلسطينياً قادماً، كانت "نحن لا نفكّر في ذلك"؛ ذلك أنَّ هذا الخطأ ليس من السهل الوقوع فيه، لأهميِّته، ولأن التصويب عكَسَ الإجابة الأولى التي تنسجم مع السياق الراهن، والسياق غير البعيد، أيضًا. ذلك أن تصريحات السفير المذكور هذه الأولى التي توجِّه الأنظار إلى دحلان، المفصول من حركة فتح، والمطلوب للقضاء الفلسطيني، والشرطة الدولية، بحسب تصريحات للجنة المركزية للحركة أخيرًا؛ ليكون بديلًا للرئيس عباس، أو ليبدأ عهده بعد عهد عباس، فبعد إعلان الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، وصف جاريد كوشنير، مستشار الرئيس الأميركي ترامب وصهره، الفلسطينيين بأنَّهم رهائن، الآن، لقيادة سيِّئة، في استعادة للخطاب الأميركي الذي وُجِّه إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وذلك بعد إعلان الاتفاق على التطبيع الكامل بين الإمارات ودولة الاحتلال، وبعد اصطدام خطَّة الرئيس الأميركي للسلام المعروفة بصفقة القرن، وغرضها تصفية القضية الفلسطينية، بعقبات لم تستطع تجاوزها. وكان موقف عباس الرافض لها سببًا لإحراج إدارة ترامب، وهو شخصيًّا، فضلًا عن إحراج الدول التي هرولت، ولم تصبر، على إشهار علاقات التحالف والمحبَّة، بينها وبين قيادة اليمين الصهيونيّ العنصريّ التي تتحكَّم، الآن، في سياسات دولة الاحتلال، وقراراتها، وترعى الثقافة العنصريَّة الصادرة عن قيادات المستوطنين. 

تعتمد استراتيجية ترامب على إحاطة الفلسطينيين بالدول التي تتابع خذلان فلسطين وقضيّتها

تعتمد استراتيجية ترامب، كما صرّح، على إحاطة الفلسطينيين بالدول التي تتابع خذلان فلسطين وقضيّتها؛ لكي لا يجد الفلسطينيون، في نهاية المطاف، بُدًّا من (الانسجام) مع هذا المحيط، أو بالأحرى الرضوخ له، فالمدخل لتمرير الصفقة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية هو الشعور بالانهزام؛ لأن مكوّنات "الحلّ" الذي يريده ترامب ليست توافقيّة، أو وسطية، وإنما هي تقريبًا صِفرية،؛ تُقصي كل الحقوق الفلسطينية، وتقفز على كلِّ المرجعيات القانونية والدولية؛ بذريعة أنَّ الواقع لم يعد يتقبَّلها، وأيّ واقع؟ واقع الاحتلال المفروض على الأرض. وفي هذا السياق، لا يُستبعَد اعتماد واشنطن محمد دحلان، على الرغم من هشاشته الظاهرة من حيث الشرعية والمشروعية؛ نظرًا إلى اصطفافه الواضح والمحسوم مع طرفٍ عربي رسمي، حتى لو لم يكن ذلك الطرف هو الإمارات؛ فكيف وقد أكَّدت الأخيرة أولوياتها، وهي مصلحتها، أو مصلحة قيادتها الراهنة، في إلقاء كلِّ بيضها في سلّة دولة الاحتلال، والرِّهان على أنّ المستقبل لها، ولأجنحتها الأكثر عنصرية، وعدوانيّة، وفي تجسيدها اليوميِّ على الأرض الفلسطينية، بوقائع احتلالية، لم تهدأ، بعد "الاتفاق الإبراهيمي"! من استيطان، وهدمٍ لبيوت الفلسطينيين، واعتداءات على أرواحهم، وممتلكاتهم، فضلًا عن الاستهداف المنهجيِّ، والسافر، للمسجد الأقصى، بعد، وعلى غرار المسجد الإبراهيميِّ في الخليل. 

فدحلان، تتطلَّبه أميركا/ ترامب، مضمونًا وشكلًا؛ فمن حيث المضمون لا بدَّ من مسؤول يمكنه التنازل أكثر، من السقف الذي استطاعه أبو مازن، ومن حيث الشكل، لا يبدو ترامب منزعجًا، من الحكَّام الذين تتآكل قواعدُهم، على نحو متواتر، كما في مصر/ عبد الفتاح السيسي، الذي يتزايد انفعالُه وتوتُّره، كلَّما خاطب الشعب المصري. ويمكن أن نلمح ما ينطلق منه السيسي، تجاه المصريين من مشاعر الانفصال، حتى لا نقول الكراهية والتعالي. (دحلان ليس بعيدًا عن السيسي، والأرجح أنه أحبُّ إليه من عباس، والقيادة الحالية). ولذلك ليس مستبعدًا ألا تقيم إدارة ترامب كبير أثرٍ لمعيار القبول الشعبي لمن تدعم من الطامحين إلى السلطة، وهي تأمل أنهم سيحوزون الهيمنة والنفوذ، بدعمها السياسي الأميركي، ودعمها المالي، وبدعم من المنخرطين في تأهيل دولة الاحتلال، والعاملين على دمجها في المنطقة. بل هي قد تكون واشنطن، اليوم، معنيّةً بمثل هذا النوع من المسؤولين الذين ليس لهم سندٌ، إلا السَّند الأميركي، والرضا الاحتلالي.

يريد ترامب إسدال الستار على القضية الفلسطينية، هكذا من دون أيّ تراجعات احتلاليَّة جوهرية

وبالطبع، لا يمكن التقليل من العامل الاحتلالي، والسفير فريدمان المتحالف مع المستوطنين، حتى الانتماء لهم، في حمل إدارة ترامب على تبنّي هذا الخيار، المنسجم أيضًا مع التوجُّه الإماراتي، لتبيّض صورتها، فلسطينيًّا وعربيًّا، بعد أن نال الغضب الفلسطيني الشعبي، في مناطق السلطة الفلسطينية، من قادتها. وهو الأمر الذي حاولته سهى عرفات، وآثرت أن يكون، أولًا، من قناة تلفزيونية إسرائيلية.

فلسطينيًّا، المرحلة أخطر من منافسات ومكايدات سياسية، فالفلسطينيون، بعد هذا التخلّي العربي الرسمي، الذي عبّرت عنه جامعة الدول العربية، في رفضها إدانة الخطوة الإماراتية التي ضربت بمبادرة الجامعة للسلام، عمليًّا، عرض الحائط، لا يمكنهم المبالغة في التعويل على دعمٍ عربيٍّ رسميّ، واسع، إن لم يكن العمل باتجاه إضعاف الموقف الفلسطيني الذي يُحرج الجامعة، والدول العربية المؤثِّرة في قرارتها، فلا بدّ من تثبيت المعاني الجوهرية للقضية الفلسطينية، ورعايتها، بما لا يخضع، ولا يزول، بالدعايات المضلِّلة، أو بالإغراءات المعيشية الموعودة، فليست المسألة في شخص دحلان، أو غيره، بقدر ما هي في المشروعات السياسية التي يتبنّاها هذا المسؤول، أو ذاك. 

قد لا تهدف التصريحات الأميركية عن سوء القيادة الفلسطينية إلى تظهير دحلان، وتأهيله، بقدر ما هي رسالة ابتزاز

ويمكن أن نلمح من التقارب أخيرًا بين فصائل العمل الوطني، على اختلافاتها، الشعورَ بالخطورة على فلسطين، والكلِّ الفلسطيني؛ ما يعني عمليًّا، أن رفض "صفقة القرن" ومواجهتها كانا الموحِّد لهذا الأطياف الفلسطينية الواسعة. وعلى الرغم من بقاء أسباب الاختلاف، والتي قد تُضعف التضافر، والفعل، إلا أن التقاطع الثابت كان في نقطة محدَّدة مُجْمَعٍ عليها، هي رفض التجاوب مع المحاولات الأميركية الهادفة إلى إخضاع الفلسطينيين، وحملهم على الاستسلام، فالحاصل أنَّ ترامب يريد إسدال الستار على القضية الفلسطينية، هكذا من دون أيّ تراجعات احتلاليَّة جوهرية، ولذلك قال السفير الأميركي الصهيوني، فريدمان، أخيرًا: "الصراع العربي الإسرائيلي وصل إلى بداية النهاية، في ظلِّ اتفاقيات التطبيع التي وقَّعتها إسرائيل مع الإمارات والبحرين، برعاية أميركية". وإدارته تبحث عن أيّ فلسطينيٍّ يمكنه مساعدتها في إخراج هذه الرؤية، فقد لا تهدف هذه التصريحات الأميركية المتتابعة عن سوء القيادة الفلسطينية الراهنة إلى تظهير دحلان، وتأهيله، بقدر ما هي رسالة ضغط، وابتزاز للممسكين بالقرار الفلسطيني، أو للطامحين إليه، من بعد أبو مازن؛ أن يُكيِّفوا مواقفهم وخطابهم، بما يتماشى وهذه المواقف الأميركية، ومع هذه النقلة الخطيرة، عن الخطوط العريضة في الإدارات المتعاقبة.