دجلة "مرسال" بين ضفتي الموصل... واختراق أول حواجز "داعش"

دجلة "مرسال" بين ضفتي الموصل... واختراق أول حواجز "داعش"

23 فبراير 2017
الصورة
قناص خلال اشتباكات بأطراف قرية البو سيف بالموصل(مارتين إيم/Getty)
+ الخط -
على حافة نهر دجلة من الجانب الشرقي لمدينة الموصل تجمع رجال ونساء وبعض الصبية، أمس الأربعاء، وهم يحملون أواني بلاستيكية وعلب فلين محكمة الإغلاق وضعوا فيها البيض وأرغفة خبز ومواد أخرى خفيفة الوزن، وبدأوا بإلقائها في عرض النهر ليجرف التيار تلك الأواني إلى الضفة الثانية، في الساحل الغربي من المدينة الذي يشهد أزمة غذائية حذرت منها أخيراً الأمم المتحدة. وكان أُعلن عن وفاة 25 طفلاً بسبب الجوع في الساحل الغربي للموصل، وذلك بالتزامن مع الهجوم البري الواسع الذي تنفذه القوات العراقية لاستعادة هذه المنطقة من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بعدما حررت الساحل الشرقي.

غير أن وصول المواد الغذائية بشكل كامل إلى الضفة الغربية للنهر، يبدو مهمة مستحيلة، بحسب قول أحمد علي (45 عاماً) وهو يلقي علبة "فلين" بيضاء تحوي على خبز وبيض وطماطم. ويتحدث لـ"العربي الجديد" عن سكان الساحل الغربي قائلاً: "هم مثلنا قبل أيام كنا جياع ويحيط بنا الموت من كل جانب ونأمل أن يتجاوزوا ما يحل بهم وأن يتم تحرير أحيائهم السكنية من بلاء داعش" وفق تعبيره. ويعرب عن أمله بأن "تصل المواد الغذائية للساحل الغربي" بعدما سبق أن ضاعت أواني وعلب مماثلة أرسلها عبر نهر دجلة. كما يشير إلى أنه يضع "اسم الشخص المرسلة له تلك المواد ولا يمكن لأحد أن يستفيد منها غيره"، بحسب قوله.

ولا يسمح الجيش للسكان بالاقتراب من دجلة، إلا أن هناك ممرات يمكن لأهل المنطقة أن يسلكوها للوصول إلى دجلة بعيداً عن أعين الجنود. ويؤكد رئيس منظمة "السلام" العراقية لحقوق الإنسان، محمد علي، أن الأزمة الغذائية تضرب ساحل الموصل الأيمن (الغربي) في حين أن ساحلها الشرقي لم يذق طعم الاستقرار حتى الآن على الرغم من مرور شهر على تحريره. ويتابع أن "القصف عنيف والتحالف الدولي يستخدم قنابل ثقيلة تودي بالعادة بضحايا مدنيين"، وفق قوله. ويضيف أن "الادعاء بعدم وجود ضحايا بأي قصف جوي على أي مدينة سكنية هو كذب"، مشيراً إلى امتلاكه "وثائق تؤكد ارتفاع عدد ضحايا السكان منذ انطلاق المعارك مطلع الأسبوع الجاري".

في غضون ذلك، تتواصل المعارك التي تخوضها القوات العراقية مع تنظيم "داعش" عند القرى الحدودية للساحل الغربي للمدينة، والذي تسعى القطعات العسكرية للتوغل فيه وانتزاعه من سيطرة التنظيم. وبعد مضي أربعة أيّام من القتال، يبدو واضحاً اختلاف مجريات المواجهات في الساحل الغربي عن معركة الساحل الشرقي. وسبب ذلك يتمثل في أن الطبيعة الجغرافية والميدانية في هذا الساحل مختلفة تماماً عن سابقه، ما جعل من القصف المكثف أسلوباً جديداً تلجأ إليه القطعات العراقية قبل أي تقدم. وحتى الآن، يعد مطار الموصل نقطة استراتيجية تسعى القطعات العراقية لانتزاعها من "داعش" بأسرع وقت ممكن، وهي محاولة لا تهدف لتحقيق انتصار استراتيجي بقدر ما تهدف لتسجيل نصر معنوي. ويأتي ذلك في وقت يحذر فيه مسؤولون محليون من خطورة كثافة القصف، مطالبين القطعات المقاتلة بتوخي الحذر والدقة بضرب الأهداف ومراعاة الكثافة السكانية في الساحل الغربي.


وفي السياق، يقول المقدم في قيادة عمليات نينوى، عبد السلام الجواري، لـ"العربي الجديد"، إنّ "القطعات العراقية أحرزت تقدماً في العديد من القرى الحدودية للساحل الأيمن، واستطاعت انتزاعها من سيطرة التنظيم"، مبيّناً أنها "تخوض اشتباكات في أطراف قرية البو سيف (جنوب الموصل) التي لم يتبق منها سوى بعض الجيوب للتنظيم"، وفق تعبيره. ويؤكد أنّ "القرية هي اليوم في عداد القرى المحرّرة، لكن الأسلوب المتبع لدى القوات هو تطهير المناطق بشكل كامل بعد تحريرها قبل التحرك إلى مناطق أخرى"، لافتاً إلى أن "القوات تسعى حالياً للسيطرة على مطار الموصل، وأن المدفعية والصواريخ تدكّ المطار بشكل مكثف، فضلاً عن قصفه بالطائرات". ويشير إلى أن "المطار يعد الهدف الرئيس الذي تسعى القطعات لانتزاعه في غضون الأيّام القليلة الماضية، ليكون معسكراً للقطعات العراقية وتتحرك من خلاله، فضلاً عن أنّه يعد ضربة قاصمة للتنظيم في حال تم انتزاعه بأيام قليلة"، على حد وصفه. ويؤكد أن "المعطيات الميدانية تؤشر إلى أن المطار سيحرر في غضون أيام قليلة، وأن التنظيم سيجبر على تركه بعدما يعجز عن مقاومة القصف قبل مقاومة الهجوم عليه".

ويقول قائد عمليات نينوى، اللواء نجم الجبوري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن القوات العراقية التي يقودها "تمكنت من اختراق حاجز داعش الأول حول الساحل الغربي". ويضيف أنه "تم تدمير مواقع خطوط الصد الأولى للتنظيم بما في ذلك الخنادق التي يحفرها حول الساحل الغربي من الجهة الجنوبية كما تم تدمير معظم الألغام وهو ما يطلق عليه داعش حاجز الصد الأول". ويذكر أن "هناك إصرارا من القوات العراقية على دخول مطار الموصل ومناطق حيوية أخرى".

وضمن الاستراتيجية الجديدة التي تتبعها القطعات العراقية، يتم تشديد قصفها على أهداف "داعش" في المحور الجنوبي. والقصف يركز على كل الأهداف التي ترصدها القوات المهاجمة سواء أكانت أهدافاً ثابتة أم متحركة. وتؤكد مصادر ميدانية أن "القصف المشتد أوقع اليوم نحو 45 قتيلاً وجريحاً من داعش، في عدّة قرى من المحور الجنوبي". وتضيف أن "القطعات العراقية توجه قصفاً كثيفاً أيضاً على منطقة الطيران، القريبة من المطار، محاولةً عدم جعلها نقطة لتجمّع داعش في حال انسحب من المطار". وتشير المصادر إلى أن "القصف ينفّذ بالمدفعية والصواريخ بالإضافة إلى طيران التحالف الدولي". وتتابع أن "القطعات العراقية، عملت طوال (يوم أمس الأربعاء) على تطهير القرى التي حررتها خلال اليومين الماضيين، ومنها قرى الجمّسة وعذبة والكافور والإبراهيمية والشيخ يونس والقنيطرة والكافور"، لافتةً إلى أن "بعض تلك القرى تضم جيوباً لداعش، كما تضم عبوات ناسفة ومتفجرات يتم تطهيرها منها".

ولم تستطع القوات العراقية بعد أربعة أيّام من القتال دخول أي حي من أحياء الساحل الغربي. وتعدّ هذه القرى التي تم تحريرها مداخل للأحياء السكنية المهمة في الساحل.
 في المقابل، هاجم تنظيم "داعش" قطعات الشرطة الاتحادية في المحور الشمالي الغربي لقرية البو سيف وقرية البيضا المجاورة لها، محاولاً انتزاع أجزاء منها، بحسب تأكيد مصدر عسكري تحدث لـ"العربي الجديد". ويقول المصدر إن "القطعات العراقية اشتبكت مع التنظيم لنحو ساعتين، وسقط قتلى وجرحى من الطرفين، في حين أجبر التنظيم على التراجع بعدما تدخل طيران التحالف الدولي في صدّه"، وفق تأكيده.

من جهتها، تحذّر النائبة عن محافظة نينوى، انتصار الجبوري، من "خطورة استراتيجية القصف على مناطق الساحل الأيمن للموصل". وتقول لـ"العربي الجديد" إن "أهالي الساحل الأيمن ينتظرون بلهفة تحريرهم من سيطرة داعش الذي بطش بهم، وإنهم يترقبون دخول القوات العراقية لمناطقهم بعد اقتلاع جذور داعش منها". وتضيف أنه "مع هذه الرغبة بالتحرير، يتحتم هنا على القطعات المقاتلة أن تركز جل اهتمامها بالحفاظ على حياة المدنيين، وتجنب القصف غير الدقيق على مناطقهم"، على حد وصفها. وتؤكد أن "مناطق الساحل الغربي تضمّ منازل قديمة ومتهالكة جداً، كما أن تلك المنازل تقطنها عائلات كثيرة، أضعاف العائلات التي تقطن بمناطق الساحل الشرقي، الأمر الذي يتطلّب دقة في القصف وحذراً شديداً بتحديد الأهداف ورسمها بدقّة"، وفق وصفها. وتخلص إلى التحذير من "القصف غير الدقيق الذي قد يوقع ضحايا من المدنيين الذين ينتظرون التحرير".

المساهمون