دبلوماسية الشتاء "الدافئة" بين كييف وموسكو

24 ديسمبر 2014
الصورة
تقنين الكهرباء في أوكرانيا جراء الأزمة (إريك فيفربرغ/فرانس برس)
تبدو كييف مضطرة للتراجع عن مواقفها من أعدائها أمام ضغط اختبارات الشتاء والطاقة؛ فمصادر الطاقة لديها تقع في أراضي الخصوم: الغاز في روسيا، والفحم الحجري في إقليم دونباس. كيف بهذه الحال والبرد يشتدّ أن يدير بيترو بوروشينكو هذه الأزمة؟ وهل تفيده وعود الغرب التي تدفعه إلى مزيد من التزمت حيال موسكو؟ ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أنّ موسكو تحقق نجاحاً عبر وساطة أستانا ومينسك، بما يرضي كييف جزئياً، ولا يدفع نوفوروسيا، المدعومة روسيّاً، إلى التراجع عن مواقفها نحو فيدرالية في أقلّ الحالات، إن لم يكن نحو انفصال واستقلال.


وسيطان أوراسيان
يوم الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الجاري، سُجّلت في أوكرانيا أكبر أزمة تشهدها البلاد في مجال الطاقة الكهربائية، مما أجبر المسؤولين الذين أتى بهم ميدان كييف إلى التقنين وقطع التيار الكهربائي عن أنصارهم في البلاد بصورة دورية، بعدما قطعوها كلياً عن أعدائهم في جنوب شرقي البلاد. وهكذا، أعلنت وزارة الطاقة الأوكرانية عن العمل بنظام تقنين الكهرباء، ذلك أن نقص الطاقة الكهربائية بلغ ثلاثة ملايين كيلوواط ساعي، وفقاً لقناة "مير-24". مع العلم أن أزمة الكهرباء الأوكرانية، نجمت عن النقص الحاد في الوقود اللازم للمحطات الحرارية، بما في ذلك الفحم الحجري.
في أثناء ذلك، وصل الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إلى كييف؛ تحديداً في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن أزمة الكهرباء رسمياً. وأجرى لقاء مع نظيره الأوكراني بيترو بوروشينكو، وغادر دون الإعلان عن نتائج. وفي اليوم التالي وصل الرئيس الكازاخي، نور سلطان نازارباييف، إلى كييف الغارقة في عتمة رهاناتها الغربية وحصار روسيا الطاقي لها.  
اللافت في زيارة نازارباييف القصيرة إلى كييف هو أنه طار من هناك إلى موسكو بعدها مباشرة للمشاركة في اجتماع منظمة اتفاقية الدفاع المشترك.

وقد أعلنت وكالة "تاس" أن نازارباييف أكد لنظيره الأوكراني بوروشينكو، أنه يمكن أن يلعب دور الوسيط في المفاوضات حول أوكرانيا. وبالتالي، يمكن فهم دوافع زيارته من خلال اتفاق الطرفين على التعاون في مجالات الطاقة وصناعة الآلات والطائرات، وفي مجال الفضاء. والأهم، هو أنّ أستانا ستزود أوكرانيا بفحم حجري، لزوم توليد الكهرباء.
ونقلت "تاس" عن نازارباييف تأكيده "لقد اتفقنا على توريد الفحم من مناجم إيكيباستوز"، وتركيزه بصورة خاصة على ضرورة حل الأزمة الأوكرانية في إطار اتفاقات مينسك، إذ قال "آمل بأن نتمكن من الوصول إلى حلول معينة وتنسيق العمل لاتخاذ الإجراءات التي من شأنها إيقاف قتل الناس".

تنسيق مع موسكو
من المستبعد أن تكون خطوة نازارباييف قد تمت دون التنسيق مع موسكو، سواء بشأن إمدادات الفحم الحجري، أم التعاون العسكري التقني، أم العودة إلى اتفاقات مينسك. وما يرجّح ذلك، مباحثات جرت في الكرملين يوم الثاني والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الجاري، بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونازارباييف، حول الوضع في أوكرانيا. فقد نقلت قناة "مير ـ 24" عن الرئيس الروسي قوله للرئيس الكازاخي: "جئتم إلينا من كييف، وهناك إمكانية لتحدثونا عن اللقاء في العاصمة الأوكرانية".

وفي السياق، نقلت صحيفة "فزغلاد" رأي مدير معهد بلدان رابطة الدول المستقلة، قسطنطين زاتولين، الذي يعبر فيه عن حاجة الكرملين إلى هذه الوساطة وثقة بوتين بالوسيطين، مؤكداً أنّه "ليس لدى الغرب أي ضرورة للجوء إلى خدماتهما".
وفي سياق متصل، رجحت افتتاحية موقع "أودناكو.أورغ" وجود وساطة يقوم بها لوكاشينكو ونازارباييف بين زميليهما الروسي والأوكراني، الذي يقع مستقبله السياسي اليوم تحت إشارة استفهام كبيرة على خلفية الانهيار الاقتصادي وإمكانية استئناف القتال.
بتعبير آخر، فإن الضيفين الأوراسيين يحاولان شد كييف نحو السلام، ولكن ليس بشروط غربية. وعلى هامش ذلك، يحاول لوكاشينكو إيجاد مكاسب خاصة لبلاده في السوق الأوكرانية، ضمن هامش ما يعرف عن أدائه في علاقاته بروسيا.

ويرى مراقبون أن هناك مصلحة روسية في الاتفاق بين أستانا وكييف، من زاوية سدّ حاجة روسيا إلى بعض عناصر الصناعة الحربية التي تنتج في أوكرانيا ولم تتمكن روسيا من إنتاجها بعد. ويذكر في هذا الإطار محركات المروحيات والصواريخ التي كانت تشتريها موسكو من كييف. وهكذا، وبفضل اتفاقات أستانا مع كييف، يمكن لروسيا أن تحصل على حاجتها التي فاقمتها العقوبات الغربية المفروضة عليها، مقابل حصول كييف على مصادر طاقة لا تكلّف موسكو وحلفاءها في جنوبي شرقي أوكرانيا أي مواقف سياسية.
الصيغة التي يراها بعض المتابعين بسيطة: تبيع كييف منتجاتها العسكرية لأستانا مقابل الفحم الحجري، وتحصل موسكو على ما تريد، خاصة وأن ذلك لا يتم عبر تراجع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك عن موقفهما من كييف، ولا حتى قبول تزويدها بالفحم الحجري، بعدما قطعت جميع العلاقات الاقتصادية والإدارية واللوجستية معهما.
ويبقى هناك سؤال ما بعد الطاقة المباشر، وما ينبغي انتظاره ليس من كييف، إنما من واشنطن ثم بروكسل، بعدما قال وسطاء الكرملين ما قالوه؟