داعش وصناعة الفوضى في السعودية

10 اغسطس 2015
الصورة
التفجير الذي استهدف مسجداً لقوات الطوارئ في منطقة عسير، جنوب السعودية، كان الهجوم الأكبر ضد قوات الأمن السعودية، من خلايا تنظيم داعش. ولكن، سبقه أكثر من هجمة ضد الدوريات الأمنية، وبعض نقاط التفتيش، وهو جزء من صورةٍ، واضحة حتى الآن، لطبيعة الأهداف التي تهاجمها داعش، إذ شرح زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، بوضوح، رغبته باستهداف "الرافضة"، والدولة السعودية بأجهزتها، وهو ما يتحقق على الأرض، بالإصرار على استهداف مساجد الشيعة، وأماكن وجود القوى الأمنية، ما يعني أن التنظيم يخوض حرباً في السعودية، ضمن استراتيجية مرسومة، يُراد منها تعزيز قدرته على التمدد إلى مناطق جديدة. 
إذا عدنا إلى أدبيات الجهاديين، وتفكير قادتهم، نجد أن عمليات داعش تصب في إطار إحداث فوضى في السعودية، يمكن للتنظيم الاستفادة منها في التمدد. ولهذا الغرض، لابد من البدء بعملياتٍ تنهك الدولة والمجتمع في المملكة. يشرح أبو بكر ناجي، أحد منظري الحالة الجهادية، في كتابه "إدارة التوحش"، المراحل الثلاث التي يجب أن يتبعها الجهاديون، للتمكن من إقامة الدولة الإسلامية، أولها "شوكة النكاية والإنهاك"، والمقصود إنهاك العدو وإرهاقه، عبر استهدافه بمجموعة من العمليات، حتى لو كانت صغيرة الحجم والأثر، لتتصاعد لاحقاً، ويكون لها تأثير على المدى البعيد.
يؤكد أبو بكر ناجي، على أهدافٍ أساسية من مرحلة الإنهاك، تتمثل في جذب شباب جدد للعمل الجهادي، بالقيام بعمليات نوعية، بين فترة وأخرى، تلفت أنظار الناس، وكذلك، الارتقاء بمجموعة النكاية بالتدريب والممارسة العملية، ليكونوا مهيئين، نفسياً وعملياً لإدارة التوحش، وإخراج المناطق المختارة من سيطرة الأنظمة، والعمل على إدارة التوحش فيها. وإدارة التوحش هي المرحلة الثانية التي تلي الإنهاك، وفيها يقوم شيء مشابه لإمارة إسلامية، تدير الفوضى القائمة، وتقوم ببعض مهام الدولة، على طريق الوصول إلى المرحلة الثالثة "التمكين"، والتي تقوم فيها الدولة الإسلامية، وتبسط نفوذها.

بالعودة إلى أبي مصعب الزرقاوي، الأب الروحي لتنظيم داعش، يمكن فهم تركيز هذا التنظيم، بصورة أساسية، على إحداث الفوضى، بإيجاد فتنة طائفية في المجتمع، لتحقيق أهدافه السياسية. وهنا، نذكر رسالة الزرقاوي إلى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري (الحياة اللندنية – 12/2/2004)، التي شرح فيها خطته، لإشعال الوضع في العراق، باستهداف الشيعة لجرهم إلى حربٍ أهلية طائفية الطابع. وهنا، يمكن "إيقاظ السنة الغافلين، حين يشعرون بالخطر الداهم والموت الماحق على أيدي هؤلاء السبئية". تشير رسالة الزرقاوي، واستراتيجيته التي طبقها في العراق، ثم استمر عليها أبناؤه في تنظيم داعش، إلى الإصرار على إيجاد فتنة أهلية، تسمح بعمل هذه الجماعة الجهادية، وتمددها لاحقاً، بإيجاد بيئة خصبة لنموها.
يتسق هذا كله مع عمل داعش في السعودية، على إنهاك الدولة والمجتمع، بعملياتٍ ذات طابع طائفي، أو باستهدافٍ مباشر لأجهزة الدولة الأمنية، لكن المشكلة التي تواجهها داعش، في هذه الحالة، عدم وجود حاضنة شعبية كبيرة لعمل التنظيم، عكس ما يعتقد كثيرون، إذ تنفر عملياتها أكبر شريحة شعبية منها، نظراً لرغبتها في الاستقرار، والحفاظ على المكتسبات القائمة، وبالذات الاقتصادية والمعيشية، والتمسك بالدولة القوية، القادرة على توفير الأمن، بالإضافة إلى أن استهداف رجال الأمن تحديداً، يُضعف أي شعبية ممكنة للتنظيم، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أهالي رجال الأمن، والناس الراغبين بالاستقرار. وهذا يُذكِّر بالعدائية تجاه تنظيم القاعدة، بعد عمله في الداخل السعودي، ما جعل فرعه في جزيرة العرب يرحل إلى اليمن، حيث البيئة المناسبة لعمل التنظيم، في ظل ضعف الدولة وغياب الاستقرار.
تجد الأيديولوجيا الجهادية مكاناً لها بتبنيها من شبابٍ سعوديين، طوال العقود الثلاثة الماضية، وقد تباينت أشكال التعبير عنها، لأسباب مختلفة، وضمن ظروف مختلفة. ويشير تحليل واقع المنضمين السعوديين إلى داعش، بشكل رئيسي، إلى تأثير الأحداث في العراق وسورية، وتشكيلها محفزاً للعمل ضمن التنظيم، إذ ساهم انهيار الدولة في البلدين، والصراع الأهلي، في تَشَكُّل بيئة خصبة لنمو التنظيمات الجهادية، وتنظيم داعش مولود من رحم التوتر الطائفي في العراق. وهذا يجعل المنتمين للتنظيم مهووسين بالمسألة الطائفية، ويجعل استهداف الشيعة مفتاحياً في إحداث حالة فوضى، في نظر هذا التنظيم.
فهم ارتباط تمدد تنظيم داعش، بوجود حالات فوضى، وصراعات أهلية، ورهاناته على صناعة الفوضى، عبر إنهاك الدول وإضعافها، وتفكيك المجتمعات، يجعل إعادة ترتيب أوضاع المجتمعات والدول العربية، وإنهاء الحروب الأهلية فيها، والوصول إلى تسويات سياسية، وبالذات في حالتي سورية والعراق، الأولوية الرئيسية ضمن استراتيجية مواجهة هذا التنظيم الذي يتغذى على وجود الفوضى، وسيادة الخطاب الطائفي.
يبقى أن مواجهة الخطابات الطائفية في السعودية، وصون الوحدة الوطنية، ومراجعة الخطاب الديني المتبنى من مؤسسات الدولة، أمور مطلوبة في مواجهة حالة داعش. لكن، لا ينبغي أن يغيب عن البال أن مواجهة هذا التنظيم تتطلب إنهاء الظروف المؤدية إلى تمدده في مجمل المنطقة العربية، عبر المساهمة في إنهاء الحروب الأهلية العربية، ومعالجة أسبابها.

تعليق: