داعش مدللة أنظمة القهر
جاءت الضربات الجوية الأميركية المحدودة على تنظيم "الدولة الإسلامية" بمثابة طلقات تحذيرية، أكثر من كونها إجراءات عقابية مؤثرة، لتحمل، في طياتها، رسالة للتنظيم المتمدد بشراهة، لكي لا يتجاوز الخطوط الحمراء، بتهديده المباشر للمصالح الأميركية، المتمثلة في الإقليم الكردي الحليف لواشنطن. فداعش التنظيم الأشد تطرفاً وراديكالية من أي حركة تنتمي لتيار (السلفية الجهادية)، والذي حمل ظهوره وإمكاناته وممارساته وأهدافه علامات استفهام عديدة، كان دخوله إلى المشهد السوري على حساب الثورة، حيث استنزف من قدرات الثوار الكثير، مخففاً من العبء العسكري عن كاهل النظام، وحقق من ذلك أيضاً مكسباً سياسياً ودعائياً، متمثلاً فيما دأب على ترديده في خطابه للغرب، بأنه إزاء حرب على الإرهاب.
ويكاد يتكرر الأمر في العراق، بعد أن أخذ ثوار العشائر السنية على عاتقهم رفع ظلم حكومة المالكي الطائفية وطغيانها، لتحاول داعش أن تختزل الصورة في مشروع دولتها الهلامية. فوجود مثل هذه التنظيمات المتطرفة لا يكون بإيعاز من أحد، وخصوصاً على مستوى الاتباع، بل هو نتاج الاستبداد والطغيان من الأنظمة السلطوية التي أفضت ممارساتها إلى انسداد الأفق السياسي لدى شعوبها من جهة، وما تعايشه هذه الشعوب من سلوك سياسي غربي مجحف تجاه قضاياها، وغزة خير شاهد ودليل، من جهة أخرى.
والتنظيمات المتطرفة، مهما بلغت الذروة في التأثير، لا يعني ذلك ديمومتها، بل هي قابلة للتشظي والتفكك، كما حدث لتنظيم القاعدة من قبل، غير أنها ليست النهاية، لأن الواقع المأزوم سينتج من قد يكون أكثر تطرفاً، وهو ما جاء الربيع العربي، بكل آماله وطموحاته، ليغير منه، بخلاف ما يدّعيه بعضهم، بأن الفوضى والتطرف من إفرازاته، فحينما تقتل الحلم يتلاشى الأمل، ويولد اليأس الذي يسوغ بسوداويته العدمية والدمار.