داعش ليس له خُبز في الأردن!

داعش ليس له خُبز في الأردن!

28 يونيو 2014
الصورة

من آثار تفجير القاعدة في فندق في عمان (نوفمبر/2005/Getty)

+ الخط -
 
ليس هناك في الأردن من يعتقد باحتمال خطر عسكري، أو أمني جسيم، يشكله تنظيم داعش على هذا البلد. فالحدود مع العراق (181 كيلومتراً) محمية جداً، والمناورات العسكرية مع دول غربية وإقليمية، شبه السنوية، تجري ليس بعيداً عن هذه الحدود. ومنذ سقوط النظام العراقي السابق، والحدود الأردنية مع العراق تشهد تأهبا، وتنظيم داعش هو الغريب والطارئ على هذه المناطق الحدودية من الجانبين، فليست هناك سيولة لوجستية عليها، كالتي في حدود سورية مع لبنان والعراق، والتي يتنقل بينها داعشيون وغيرهم من ميليشيات.
الحوادث الأمنية التي وقعت في لبنان، ونسبت إلى داعش قبل أيام، ترفع من نسبة الحذر والتأهب في الأردن، حيث بات مألوفا أن تصدر تصريحات لرئاسة الأركان العامة بشأن الوضع على الحدود. الخشية تكاد تنعقد على حوادث أمنية، تنفذها "خلايا نائمة" أو نصف نائمة داخل الأردن، غير أن هذه الخلايا المفترضة موضع مراقبة. وحادث واحد، يتمنى المرء أن لا يقع، كفيل بإثارة السخط الشعبي على داعش التي لا تلقى قبولاً سوى في أوساط جهادية وسلفية، حتى إن قبولها هو من قبيل مقت التغليب الطائفي الذي يمثله نوري المالكي، ورفض للنفوذ الإيراني المتزايد، بأكثر مما هو قبول لهذا التنظيم.
رئيس مجلس الأعيان الأردني السابق، طاهر المصري، دعا إلى "عدم دفن الرؤوس في الرمال" فيما يتعلق بداعش. وهذا أقوى وأوضح تصريح لسياسي أردني رفيع عن مخاطر هذا التنظيم المحتملة على البلاد. وقد نقل التصريح موقع "عمون" الإخباري (24 يونيو/حزيران الحالي) من دون استفاضة من المصري.  ولعل تنبيه الرجل يدور حول بيئة سلفية وجهادية مبثوثة في الزرقاء والسلط ومعان ومخيم البقعة ومدن وبلدات أخرى. وفي واقع الأمر، لا تملك هذه البيئة خطاباً تتوجه به إلى الجمهور في الأردن، بخصوص الوضع في العراق عامة، وبما يتعلق بداعش بالذات، فالموقف الأردني يتعامل ببراغماتية مع الوضع العراقي، من دون أن يبدي أحد رضاه على التغلغل الإيراني في بلاد الرافدين. كما أن السلفيين والجهاديين منقسمون بشأن داعش وجبهة النصرة ومنظمات إسلامية أخرى تنشط في سورية تحديداً. ثمة مؤيدون لحزب البعث العراقي، غير أن تلاقيهم مع مؤيدين مفترضين لداعش في الأردن يظل بلا آفاق.  فالبعث العراقي/ الأردني لا يجنح، كما حال بقية التنظيمات، إلى مناوأة السلطات بالعنف أو التحريض عليه. ومغزى ذلك أنه يتعذر إنتاج خطابٍ محليٍ معارضٍ، على خلفية الموقف الرسمي من داعش.

أما الإخوان المسلمون فهم حريصون، بدورهم، على وضع مسافةٍ ملحوظةٍ بينهم وبين داعش وسواها من مجموعات جهادية وسلفية، على الرغم من العلاقة الفاترة التي تضمر التوتر بينهم وبين السلطات، التي لم تأذن لهم بإقامة مؤتمر كبير، أخيراً، فأقاموه في الهواء الطلق، ما يبدو تشدداً طارئاً، أو زائداً عن المعدل من السلطات إزاءهم، ما يعود، أساساً إلى اعتبارات إقليمية، فالإخوان المسلمون باتوا غير مقبولين في معظم دول الخليج، وفي مصر، وهي أكثر الأطراف التي ترتبط بها عمّان بعلاقات وثيقة. ويفسر "الإخوان" تصاعد نفوذ داعش في المنطقة بأنه ثمرة للحملة على الإسلام السياسي، ممثلا بهم (زكي بني ارشيد)، وهو تفسير معهود، قد لا يخلو من الصحة، لكن الصحيح، أيضاً، أن تديين السياسة وتسييس الدين الذي لعبه الإخوان عقوداً، كما لعبته طهران والتنظيمات الموالية لإيران، أنتج بيئةً نمت فيها هذه التنظيمات الداعشية (تدّعي النطق باسم السنّة والشيعة) في العراق، كما في لبنان وسورية.
للسلطات في عمّان باع طويل في متابعة تنظيمات إسلاموية متشددة، ومن ذلك أن قوة كوماندوز أردنية تمكنت في مايو/أيار 2007، من القبض على زياد أحمد الكربولي داخل الحدود العراقية، وإحضاره إلى الأردن، في عملية نادرة لأجهزة الأمن الأردنية خارج الحدود. والكربولي كان يوصف بأنه مساعد لأبي مصعب الزرقاوي، وذلك بعد 18 شهراً على تفجيراتٍ في ثلاثة فنادق في عمّان، قتل فيها زهاء 57 شخصاً، ونسبت الجريمة، في حينها، إلى الزرقاوي الذي قتل بعد نحو سنة في العراق.
ومع التشدد الأمني ومراقبة بعض المساجد، فإن السلطات تنجح في بث رسالةٍ، فحواها الاحتكام إلى القانون، فقد تم الإفراج قبل أيام (16 يونيو/حزيران) عن منظر التيار الجهادي، أبو محمد المقدسي، بعد أن أمضى عقوبة الحبس أربع سنوات. وتوقف السلطات سلفيين يتجهون إلى الأراضي السورية، وتحيل بعضهم إلى المحاكم (محكمة أمن الدولة)، وتوقف بعضهم أسابيع، قبل إخلاء سبيلهم، وذلك حسب السجل القانوني لكل منهم.
ولكن، يصبح الوضع أكثر تعقيداً مع ملاحقة أشخاص لا يمتثلون لأوامر القبض عليهم، كما حدث مراراً في معان (جنوب)، فيلقى هؤلاء مصرعهم، وتختلط جوانب جنائية بشبهات سلفية لهم، وباتهامات، أحياناً، من ذويهم بأنهم قد استهدفوا، ولم يكونوا مطلوبين للسلطات، فيما تشدد السلطات على أن المطلوبين الفارين هم من بادروا بإطلاق النيران. وقائع دامية مثل هذه إذا تكررت (وقد تكررت)، وإذا ما تسيست، أو تبنتها جهات قريبة من داعش، هي ما تثير القلق الشديد، إذ تتسبب بشرخ اجتماعي، وبتعبئة شبه مستدامة، يسهل استغلالها وتوظيفها من تياراتٍ متشددة.
وحتى تاريخه، فإن استعراض قوة جهاديين سلفيين، يتم في مناسبات اجتماعية، كما في حال جنازات بعض من قاتلوا في سورية، حيث تحتشد الجنازة، وكذلك بيوت العزاء، بآلاف من هؤلاء، وكان أحد قادتهم (محمد الشلبي "أبو سياف")، والمقيم في معان، قد قدّر عددهم بخمسة آلاف شخص، معظمهم يناصرون جبهة النصرة. أما مسيراتهم، على قلتها، فيواجهها رجال الأمن بخشونة، بعد أن حملوا أسلحة بيضاء (سكاكين وعصي) في مظاهرة بالزرقاء (شرق) في إبريل/نيسان 2011، في ذروة موجة الربيع العربي السلمية.
وإلى ما سبق، فإن المخاوف من تداعيات صعود داعش في العراق، تمتد إلى الخشية من تدفق مزيد من اللاجئين العراقيين إلى الأردن (بدأ تدفقهم منذ زهاء ثلاثة عقود)، بما يكرّس هذا البلد في مركزه، ثالث بلد في العالم يستقبل لاجئين. أما تنظيم داعش نفسه، فليس له، حسب مثل أردني، خبز (فرصة) في هذا البلد.