داعش.. الرعب والإتقان الإعلامي

23 نوفمبر 2014
الصورة

مقاتل من الجيش الحر على خطوط المواجهة مع داعش(25سبتمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

بخلاف التنظيمات الإرهابية التي سبقت ظهور تنظيم داعش ومهَّدت له، لم يتوفر بين أيدي الجمهور أو المحللين بحث أو وثائقي لدارسي التنظيمات الإرهابية وخبرائها، أو الصحافيين المتخصصين، يشرح الاستراتيجية القتالية والأداء الفردي والجماعي لتنظيم داعش، في واحدة من المعارك المتلاحقة التي يخوضها التنظيم في سورية، أو العراق، سوى الأفلام التي صدرت عن المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم نفسه، والتي تصدَّرها، أخيراً، فيلم "لهيب الحرب"، ويلاحظ المتابع العادي، عوضاً عن المتخصص، كثافة التقنيات الهوليودية العالية التي استخدمت في تصويرها وإنتاجها، ومهارة التنظيم في تسويق الرسالة العقيدية والسياسية الخاصة به، لمؤيديه المحلييّن، أو للشبان التائهين وراء حواسيبهم الشخصية في الدول الغربية على الأقل، ويشكلون عماد مقاتلي التنظيم وذخيرته التي لا تنضب.

وبالطبع، يعود ذلك الغموض المقصود، أولاً، إلى الوحشية المفرطة التي يظهرها داعش تجاه الصحافيين الأجانب، وحتى تجاه هؤلاء المحليين، في حال رفضوا موالاته، ونقل الخبر والصورة كما يريد أمراؤه، وأحياناً كثيرة: في حال رفضوا "مبايعة الخليفة"، كما تتواتر الروايات، مثلاً، عن حيثيات الاعتقالات المتتالية التي تعرّض لها صاحفيو شبكة الجزيرة في شمال سورية. ويُرد الغموض، أيضاً، إلى سياسة التقليل من الصوت والصورة التي ينتهجها داعش، بهدف تشكيل أسطورة الرعب وإرهاب النفوس وتحطيم معنويات أعدائه وحواضنهم الشعبية، فداعش، وعلى الرغم من امتلاكه جهازاً إعلامياً محترفاً، وكبيراً على ما يبدو، من إنتاجه، ليس غزيراً إعلامياً، بل يعتمد تقوية أسلوب التواتر القصصي لما حدث ويحدث في المعارك والاقتحامات. والراوي، هنا، غالباً ما يكون ناجياً أو هارباً منهم، أي الأكثر تزعزعاً وميلاً لتضخيم الأحداث وتهويلها. وبهذا استطاع التنظيم عبر أعدائه الرواة فعل ما لا يمكن فعله بقناة تلفزيونية وإذاعة. وربما كان هذا مبالغةً لو لم تُثبت المشاهدات في سورية على الأقل أن عناصر غالبية الفصائل المسلحة كانوا قد أدمنوا مشاهدة مقاطع الفيديو التي تصور أساليب قتال خصومهم على موقعي "يوتيوب" و"فيسبوك"، ربما من دافع أن معرفة العدو أول النصر، أو تطمين النفس الخائفة بمشاهدة قتال عدوها وتمهيدها بفكرة أن العدو هو هذا القريب على الشاشة يصيبُ ويُصاب.

لا شك أن داعش يمتلك، فعلاً، أساليب متفوقة في وحشيتها، قتالاً واقتحاماً وإعداماً لأسراه وأعدائه والتنكيل بهم، وخصوصاً عندما يتعمَّد هذا لقصدِ إرهابٍ ما يلي من عدو، وظهر هذا جلياً في عدة معارك باستخدام أسلوب غزارة النيران الثقيلة في أثناء الالتحام، بحيث قُتل عدد من عناصر التنظيم بنيران مدفعيته، ثم أسلوب القنص المكشوف المكثّف في قلب المعركة، وصولاً إلى أسلوبه الأكثر تأثيراً في أعدائه والذي ورثه عن أبيه، تنظيم القاعدة، المفخخات والانتحاريون أو الإنغماسيون كما يسميهم التنظيم. هذا عدا الصلب وقطع الرؤوس والأيدي والأرجل الذي لقي منه مدنيو الرقة ودير الزور وقراهما النصيب الأكبر.

ولكن، الأهم من هذا كله ما يقوله أعداؤه، نقلاً عن نقل، وتضخيماً عن تضخيم، وما يشيعه التنظيم من قصص مروعة خيالية، سهلة التصديق والنقل في مجتمع الحرب المنهك الخائف الذي لا يرى إلا انتصارات متلاحقة لـ"أصحاب الرايات السوداء"، فيدبُّ الهلع في نفوس من يهاجمهم التنظيم قبل أن يهاجمهم، ويموتون ألف مرّة، قبل أن يموتوا خائري العزيمة، ويكفي أن يقارن جندي من قوات نظام الأسد بذهنه لحظات مصير أسرى مدرسة المشاة في حلب مع مصير أسرى مطار الطبقة وأسرى قاعدة سبايكر، أو أن يقارن جندي من الجيش الحر مصير أسراه في قتال مع فصيل يشابهه مع مصير أسرى قريتي الشعيطات والشحيل في دير الزور، ويكفي أن يتخيل مدني في قرية يحاصرها داعش "مهاجريه" الأوزباكستانيين، ذائعي الصيت، بعمليات ذبحهم الوحشية، لنعلم سر سرعة داعش وضرباتها الخاطفة لقوات كبيرة العدة والعتاد، وسر خضوع ملايين المدنيين لها، على الرغم من كل ممارساتها المرفوضة بأقل وصف لها.

يروى أحد عناصر الجيش الحر الفارّين إلى الحدود التركية أن التنظيم استطاع احتلال قرية بعشرة مقاتلين في مقابل 90 عنصراً للفصيل المسيطر أصلاً. ويروي رفيقه أن "معركة الشدادي استمرت 15 دقيقة فقط، وأدّت إلى مقتل 60 عنصراً من حركة أحرار الشام الإسلامية"، وهنا ربما يكون عدد القتلى صحيحاً، بيد أن ما ورد من الفصائل الأخرى عن المعركة يفيد بأنها استمرت ثلاث ساعات على الأقل. والأكثر إيلاماً في المشهد أن رواية العنصر الفار الخاطئة نُشرت في صحيفة غربية، كقصة مثيرة عبر صحافي قابله في مدينة أورفا التركية.

وليس داعش سبّاقاً إلى هذا الأسلوب، في بث الرعب تكتيكاً قتالياً أساساً، بل سبقه في هذا نظام الأسد عبر ميليشياته الطائفية التي اقتحمت قرية الحولة ثم كرم الزيتون والخالدية ودير الزور وغيرها من المدن والقرى، لترتكب مجازر تضاهي في بشاعتها مجازر داعش، مرسلة الرعب في قلوب السوريين الثائرين جميعاً، ولكَ أن تتخيل الروايات المروعة الكثيرة عن كل مجزرة وكل معتقل. والجدير بالذكر، هنا، ما أفاد به قائد عمليات النظام سابقاً على محور جوبر – زملكا (القوات الخاصّة 154) بأن النظام كان يجابه الثوار بتكتيكات الرعب وروايات الترويع، ويعتمد عليها في صلب خططه العسكرية، ويأمر ضباطه بالتركيز على من يروي فظائع اقتحام قرية ما إلى جاراتها بالتفاصيل، معتمداً في ذلك على مدنيين، يعملون لصالحه بشكل مباشر، وبغض النظر عن صحة كلام الضابط "المنشق" هذا، فإن هذا التكتيك أصبح معروفاً ومكشوفاً، حين استخدمه نظام الأسد في حماه 1982، وأثمر له استسلام دير الزور وحلب آنذاك، كما أثمر 30 عاماً من خضوع الشعب فقط باستخدام ما يرويه الآباء الخائفون لأبنائهم عن فظائع تلك المجزرة.

وإذا كان نظام الأسد، بضعف عقيدته القتالية مقارنة مع تنظيم كداعش، قد اعتمد في بقائه أربعين عاماً بالترهيب كتكتيك أول وأساس، ولم يسقط بعد بالرغم من تعريته وإضعافه ودحض أسطورة الرعب والخوف من الذاكرة وعقيدة المواجهة التي تبناها الشعب السوري منذ بداية الثورة، كم سيبقى تنظيم داعش الذي قام أساساً على هذا الأسلوب ويعدُّه نهجاً وجزءاً من رسالته بل ورسالة الدين الإسلامي كما يعتقد، بل ويتقن تنفيذه أكثر كما ظهر ويظهر من نتائج، هذا إذا لم نسأل عن من هم القادرون على دحض أسطورته وخرافة الرعب في مجتمع خائف ومقهور أساساً في سورية والعراق، ومن القادر على إيقاف "تمدده" وتمدد الخوف في الصدور؟

ليست طائرات التحالف بالتأكيد كما ثبتَ منذ حين، بل إن انتقائية دول التحالف في توجيه ضرباتها الخجولة  لداعش دون النظام بالرغم من تنافسهما على انتهاج الإرهاب فعلاً وقولاً، سيزيد الخائف خوفاً والمخوِّف: داعش كان أم النظام، قدرةً على التخويف، فليبق السؤال مفتوحاً إذاً كما هو هذا الخوف.