خيّاطو غزة يهترئون مع مصانعهم

17 ديسمبر 2014
الصورة
خسائر فادحة تكبدتها مصانع ملابس غزة(عبدالحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

لم يعد المواطن الفلسطيني، علي أبو نادي، يكترث للاستيقاظ مبكراً، والذهاب إلى عمله بأحد مصانع الخياطة وسط مدينة غزة، مع شروق الشمس، فهو منذ صيف عام 2007 في إجازة مفتوحة عن العمل، فرضها عليه الحصار الإسرائيلي الذي يخنق قطاع غزة منذ نحو سبع سنوات.
أبو نادي (33 عاماً) هو نموذج لأكثر من 40 ألف عامل غزي، تحولوا خلال بضعة أشهر إلى عاطلين عن العمل، ما اضطر ملاك غالبية مصانع الخياطة إلى إغلاقها وتسريح العاملين فيها، نتيجة فرض الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر التجارية ومنع حركة التصدير إلى الخارج.
وبالتزامن مع اشتداد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، منتصف عام 2007، بدأت أصوات ماكينات الخياطة تهدأ شيئاً فشيئاً، وأخذت معدلات البطالة ترتفع بشكل جنوني بين العاملين في قطاع الخياطة والنسيج، الذي كان يعتبر حتى نهاية عام 2006 من أكبر القطاعات المشغلة للأيدي العاملة.
ومنذ نحو سبع سنوات، يسيطر الهدوء التام، إلى جانب الغبار على ماكينات مصنع الخياطة، الذي كان يديره المواطن إياد لبد (41 عاماً) في شمال قطاع غزة. ويقول لبد إن المصنع الذي أسس في عام 1975، كان يعتبر مصدر دخل مالي لأكثر من 50 عائلة، ويتقاضى العامل الواحد ما بين 400-500 دولار شهريا. ويبين لبد في حديثه لـ "العربي الجديد" أن القدرات الإنتاجية للمصنع بدأت تتراجع بشكل تدريجي، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وفي عام 2007 اقتصر العمل في المصنع على 20 آلة خياطة، وبعد عام أغلق بشكل كامل.


خسائر باهظة

بدروه، ذكر الرئيس السابق لاتحاد صناعة الخياطة والملابس بغزة، محمد أبو شنب، أن قطاع الخياطة يتكبد منذ سبع سنوات خسائر مالية، تقدر بنحو 6 ملايين دولار شهرياً، نتيجة لتداعيات الحصار الإسرائيلي، واصفاً حال مصانع الملابس والأقمشة بـ "الموت السريري، القريب إلى الهلاك التام".
وكان قطاع غزة يضم قبل 2006 (العام الذي فرض فيه الحصار) نحو 928 مصنعاً يعمل فيها نحو 40 ألف عامل، وكان حجم الإنتاج يصل حينها لأكثر من أربعة ملايين قطعة ملابس شهرياً، وفي النصف الأول من عام 2007، تقلص عدد العاملين في مصانع الخياطة إلى 20 ألف عامل، انخفضت قدرتهم الإنتاجية بنسبة 20%.
ويضيف أبو شنب، في حديثه لـ "العربي الجديد"، أنّ قطاع صناعة الخياطة ثالث القطاعات الصناعية من حيث المشاركة في الناتج المحلي ويساهم بنحو 17%، من ناتج الدخل القومي الوطني وركيزة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني، وبلغ حجم التصدير نحو مليون وستمئة ألف دولار سنوياً.
ويوضح أبو شنب أنه في العدوان الإسرائيلي الأخير بلغت خسائر قطاع الملابس نحو ثمانية ملايين دولار، بعد تدمير 45 مصنعاً بشكل كلي وجزئي، الأمر الذي أدى إلى تسريح ألف عامل من أصل ثلاثة آلاف عامل كانوا يعملون في المصانع قبل العدوان، بقدرات إنتاجية ضعيفة. وأشار أبو شنب إلى أن عدد المصانع التي تعمل حالياً لا يتجاوز 200 مصنع، وتنشط خلال مواسم معينة كالمدارس والأعياد، وتسوق منتجاتها بشكل ضعيف في السوق المحلي.

عوائق غير محدودة

ويذكر أبو عودة أن المصانع التي تعمل حالياً بقدرات محدودة تواجه عدة مشاكل، أبرزها غرق الأسواق المحلية بالبضائع المستوردة التي تكون غالباً أرخص سعرا من المنتجات المحلية، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في ظل شح الوقود وارتفاع سعر شرائه، بجانب تدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية.
واتجهت كافة المصانع التي عادت للعمل بشكل جزئي نحو السوق المحلي، في ظل عدم القدرة على التصدير إلى الأسواق العالمية، التي تعتبر الركن الأساسي بأي انعاش محتمل لمصانع الخياطة، إلا أن أصحاب المصانع وجدوا أن السوق المحلي بات غارقا في البضائع المستوردة خاصة الصينية، مما خلق لديهم مشكلة جديدة.

ويوضح أبو عودة أن المشكلة تتعلق بارتفاع تكلفة إنتاج قطع الملابس المحلية، نظرا لارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة، بجانب تميز المنتج المحلي بجودة تصنيع عالية، إلا أن الوضع الاقتصادي الصعب القائم في غزة، يجبر المواطن على شراء المستورد ذي السعر الأقل، دون الاهتمام بالجودة.

حلول

وأشار أبو عودة إلى أهمية إقرار سياسات حكومية تساهم في حماية المنتج المحلي، كتقييد عمليات الاستيراد وفرض ضرائب تسمح للمنتج المحلي بالمنافسة السعرية، موكدا دور المشاريع الإغاثية الدولية في دعم قطاع الخياطة عبر الاعتماد عليه بتوفير احتياجاته من الملابس بدلاً من استيرادها.
وأقرت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة قبل عامين، سياسة إحلال الواردات، بما يضمن تقليص الواردات المشابهة للصناعات المحلية، مما شكل رافعة جيدة للاقتصاد على مستوى الناتج المحلي، وإعادة تشغيل أجزاء من الصناعات المحلية ذات الكثافة العمالية الكبيرة، كقطاع إنتاج الملابس.
في السياق ذاته، يقول المدير العام للصناعة في وزارة الاقتصاد الوطني، عبد الناصر عواد، إن وزارة الاقتصاد أوقفت إدخال عدد من السلع المستوردة عبر الجانب الإسرائيلي، كالملابس الجاهزة التي تستطيع مصانع الخياطة العاملة في غزة، تجهيزها، خاصة بنطلون الجينز والزي المدرسي وبعض الملابس النسائية.
ويضيف عواد، في حديثه لـ "العربي الجديد"، وقف استيراد بعض أصناف الملابس الجاهزة، أثر بشكل إيجابي على إعادة تشغيل بعض مصانع الخياطة التي توقفت عن العمل منذ فرض الحصار، وساهم أيضا في استعادة عدد كبير من العاملين لوظائفهم، مشددا على أن قطاع غزة غني بأعداد كبيرة من الأيدي العاملة ذات الخبرة والكفاءة.
وطالب أصحاب المصانع العاملة حاليا بقدرات محدودة، بتفعيل دور قائمة المواصفات والمقاييس، ومنع إدخال الملابس التي لا تحمل العلامة التجارية، فضلا عن تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، بما يضمن تحقيق انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني.