خيط رهيف مفقود

20 يوليو 2016
الصورة
"البقاع في الصيف"، منى باسيلي صحناوي، 2004
+ الخط -

عندما كنت صغيراً كان لديّ صديق طفولة مُدهش، كنت أنتظره يومياً بُعيد العصر في الساحة العامة التي تتوسط القرية لنذهب سوية في نزهة عبر الحقول إلى أن تغيب الشمس.

كان هذا الصديق يحكي حكايات سمعها أو ربما قرأها وإن كنت أشك في ذلك ونحن دون العشرينات إلى درجة وصل به الأمر مرة وفي سياق إحدى حكاياته أن باح بعبارة أقرب إلى كلام "الدهريين" تقول في ما معناه: "نحن أصلاً جئنا من الطبيعة"!

كنت أنتظر صحبته يومياً - أنا المسكين الذي لم يكن في بيته كتب - ليحكي لي حكاية جديدة أو يكمل حكاية سابقة. لن أنسى يوماً تلك الحكاية التي يبدو أنها من كتاب "ألف ليلة وليلة"، عن جماعة دخلوا مغارة كلّها ذهب وحين خرجوا حمل بعضهم ما استطاع حمله من ذهب في ما لم يحمل البعض الآخر شيئاً وانسدت المغارة بصخرة كبيرة واستطرد: من حملوا الذهب ندموا ومن لم يحملوه ندموا أيضاً.. ندموا كلهم ..تخيّل عُبد! يا للندامة!

تأتيني هذه الذكرى وأنا غارق بكليتي في حكاية باتريك زوسكند "فقدان الذاكرة الأدبية" من ترجمة كاميران حوج رغم أن الرابط سيبدو غريباً للقارىء إذ ثمة خيط رهيف يبدو مفقوداً بين تلك السنوات وبين مغامرتي في المعرفة.

يقف زوسكند الذي يبدو أنه بطل الحكاية أمام مكتبته ويستلّ كتاباً كيفما اتفق بعد أن أمضى ثلاثين عاماً في قراءة الكتب لكنه لا يتذكّر قارئ الكتاب الذي سبقه وترك شخبطاته على الكتاب:

".. لكن وعندما أنزل قلم الرصاص على الصفحة لأشخبط "جيد جداً" أجد أن هناك "جيد جداً"، كما أن قارئي السابق كتب خلاصة النقاط الرئيسية التي أود تدوينها وكتب بخط يد أعرفه جيداً، بخط يدي أنا، فليس القارىء السابق إلا أنا. كنت قد قرأت الكتاب منذ زمن بعيد".

يوصلني زوسكند في نهاية الحكاية إلى حكايتي عن صديق طفولتي الذي أخذته الحياة مدرّساً في القرية في ما أخذتني إلى مضغ الكتب كشاة تمضغ برسيماً دون أن أقدّر خطورة ذلك على حد تعبير سارتر في كتابه "الكلمات" لأجدني حافياً أمشي في "درب تبانة" المعرفة؛ الداخل إليها ندمان والخارج منها ندمان مثل ندامة من حمل ذهباً ومن لم يحمله في حكاية صديق طفولتي.

أقف الآن كبطل حكاية زوسكند أمام مكتبتي التي شيّدتها كبيت من الرمل لأكثر من عقدين من الزمان، مشدوهاً كالموتى وأحاول أن أستل أي كتاب لكنني لا أجرؤ فقد أُصبت بـ "فقدان الذاكرة الأدبية":

"هنا أشعر بانقباض مجهول. لقد استولى علي المرض القديم من جديد، فقدان الذاكرة الأدبية. فقدان الذاكرة الأدبية الكلي. وتغمرني موجة من الاستسلام للقدر لأتساءل عن جدوى كل السعي إلى المعرفة، السعي عموماً. لماذا نقرأ إذن، لماذا أقرأ مثلاً هذا الكتاب من جديد، إذا كنت أعرف أني لن أتذكر منه شيئاً على الإطلاق بعد قليل؟ لماذا أفعل شيئاً على الإطلاق، إذا كان كل شيء سيضيع؟ لماذا أعيش إذا كنت سأموت؟ أغلق الكتاب الجميل، أنهض وأتوجه إلى رفوف المكتبة كالمنهار، كالمعذّب، وأدسّ الكتاب بين صفوق المجلدات الأخرى المهجورة، الشاملة والمنسية".


المساهمون