خير رمضان باقٍ في الجزائر

11 مايو 2020
الصورة
مشهد لن يُسجَّل هذا العام (فاروق باتيش/ فرانس برس)

وسط أزمة كورونا التي فرضت الحجر المنزلي في الجزائر، كما في بلدان أخرى كثيرة، حلّ شهر رمضان. ولأنّ التدابير الوقائية تحول دون التجمّعات، يتّخذ عمل الخير في البلاد أشكالاً مختلفة هذا العام.

تعوّد ياسين مصطفاوي مع أصدقاء له على التطوّع في "مطاعم الرحمة"، في إطار نشاطات جمعيات خيرية في خلال شهر رمضان في الجزائر، وذلك في حيّ درقانة بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية. لكنّ الأمور اختلفت هذا العام على خلفية جائحة كورونا، فتعذّر فتح المطاعم المخصصة لإفطار الصائمين من عابري السبيل والفقراء، وقد استُعيض عنها بتوزيع صناديق وجبات إفطار على المحتاجين في البلاد. بعد التدابير التي اتخذتها الحكومة الجزائرية لمواجهة تفشي فيروس كورونا الجديد، منها منع فتح المطاعم، بما في ذلك "مطاعم الرحمة" في خلال رمضان، تحاول جمعيات خيرية المضيّ في تضامنها مع العائلات المعوزة في هذا الشهر، لذا عمد عدد منها إلى توصيل وجبات يومية إلى عائلات تسكن في أحياء بالعاصمة. من تلك الجمعيات "ناس الخير" التي ينشط فيها مصطفاوي. ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الجمعية توصّلت إلى هذه الفكرة بعدما حالت ظروف الوباء الخطيرة دون تقديم وجبات ساخنة في المطاعم المخصّصة للمعوزين في خلال شهر الرحمة، وهو ما كان دارجاً في السنوات الأخيرة". ويوضح مصطفاوي أنّ "ولاية الجزائر لم ترخّص لمطاعم الرحمة هذا العام تخوّفاً من انتشار عدوى كورونا، وهو ما حمل الجمعيات الخيرية إلى تحويل أنشطتها إلى إحصاء العائلات الفقيرة والأرامل واليتامى وتوصيل وجبات محمولة إلى منازل هؤلاء لضمان إعالتهم في خلال شهر الصيام". 

والولايات الجزائرية لطالما كانت تضمّ عشرات مطاعم الرحمة، وغيابها اليوم يحزّ في قلوب الجزائريين الذين كانوا ينشطون من خلال الجمعيات الخيرية في مناطق عدّة وعلى الطرقات السريعة وفي محطات المسافرين في خلال شهر رمضان. ويقول وليد بوكلوز، وهو ناشط في جمعية "ناس الخير" كذلك، إنّما في ولاية بومرداس شمالي الجزائر، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المناطق الجزائرية باختلافها لم تخلُ من مظاهر التضامن على قلّتها مقارنة بالسنوات الماضية".



من جهته، يخبر سنير متيش الذي ينشط مع 63 متطوّعاً آخرين من شبّان وطلاب جامعيين في حيّ عين البنيان في العاصمة الجزائرية، أنّهم قرروا "الإسهام في تذليل مصاعب الأزمة الوبائية في المنطقة من خلال توزيع المؤونة على العائلات الفقيرة. وقد دعمنا كبار التجّار وأغنياء يشاركون في توفير حاجيات العائلات من مواد غذائية كالزيت والسكر والطحين والزبدة وغيرها. وهو أمر لقي استحساناً من قبل عشرات العائلات". ويوضح متيش لـ"العربي الجديد" أنّه "بخلاف أشهر رمضان الفائتة، اتّجهت الجمعيات الخيرية إلى خطط غير تنظيم موائد إفطار من خلال برامج تضامنية تتكيّف مع الظرف الصحي في البلاد"، مشدداً على "أهمية الوقاية في هذه الظروف مع الحرص على إدخال الفرحة إلى قلوب الأسر المعوزة".

وتعمل الجمعيات على توزيع وجبات الإفطار على البيوت في مختلف أحياء المدن الجزائرية، بالتنسيق مع رؤساء لجان الأحياء الذين يملكون قوائم خاصة بالعائلات الفقيرة. وفي خلال تواصلهم مع العائلات وتزويدهم بالوجبات، يحرص المتطوعون على الالتزام بقواعد الحماية للحؤول دون انتشار عدوى كورونا. فيلتزمون بالكمامات والمواد المعقّمة لليدَين ويحافظون على المسافة المفروضة بين الأفراد، بالإضافة إلى تعقيم السيارات التي ينقلون فيها الوجبات للعائلات المعوزة. يُذكر أنّ ثمّة جمعيات توصل مساعدات في السياق نفسه إلى من يحتاجها في الجبال والقرى البعيدة في محافظات جزائرية عدّة، وهو ما يتطلّب سيارات خاصة لذلك بالإضافة إلى الالتزام بقواعد الحماية الصحية الخاصة بفيروس كورونا الجديد.

في السياق، تقول نورة لعرابي من جمعية " ناس الخير" من ولاية سكيكدة على الساحل الجزائري الشرقي لـ"العربي الجديد" إنّ العمليات التضامنية التي تنفّذها الجمعيات الخبرية تتطلّب عمل فريق كامل. وتخبر أنّها من جهتها تصل صباحاً إلى مقرّ الجمعية التي تنشط في محلّ كبير يملكه أحد رجال الأعمال في وسط مدينة سكيكدة، مضيفة أنّها مع زملائها المتطوّعين "نعمد إلى توضيب أطباق المأكولات، مع مراعاة شروط النظافة والصحة، على أن توزّع عند الساعة الثالثة من بعد الظهر". وتشير لعرابي إلى أنّ "مئات العائلات الجزائرية باتت بلا دخل بسبب الأزمة الصحية، خصوصاً من يُعدّ معيلوها من أصحاب المهن الحرّة كالتجارة في الأسواق أو العمل اليومي"، موضحة أنّ "هذه العائلات هي التي كانت محطّ اهتمام الجمعيات الخيرية في خلال شهر رمضان الحالي".



أمّا فاطمة، وهي متطوّعة في مثل هذه النشطات منذ أكثر من خمسة أعوام، فتؤكد لـ"العربي الجديد": "أنا مستعدة دائماً لمواصلة العمل الخيري، خصوصاً في القرى والأحياء الفقيرة، ومدّ يد العون إلى من يحتاجها من الأسر التي انقطع دخلها بسبب توقّف بعض المهن الحرّة بسبب فيروس كورونا الجديد". بالنسبة إليها فإنّه "من المهمّ أن نساهم في إدخال الفرحة إلى قلوب من تضرّر بفعل الأزمة الحالية".