خيارات نتنياهو محدودة تجاه إيران: الاستنفار العسكري للردع فحسب

خيارات نتنياهو محدودة تجاه إيران: الاستنفار العسكري للردع فحسب

16 يوليو 2015
الصورة
خطابات نتنياهو إعلامية ومكابرة تجاه الاتفاق النووي(Getty)
+ الخط -
يواصل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو خطه الدعائي المناهض للاتفاق النووي الإيراني، بمعزل عن الجوانب الإيجابية التي يحملها الاتفاق النووي بين إيران ودول الغرب، لجهة ضمان أمن إسرائيل وتحديد قدرات إيران النووية، وسط تأجيج وتضخيم قدراته على إفشال الاتفاق في سعيه لمواجهة الحرب الداخلية في إسرائيل واتهامه بالمسؤولية عن الفشل في تحقيق هدفه المعلن، منذ سنوات، بمنع إيران من حيازة القدرة النووية.

ومع أن معظم المراقبين والمحللين في إسرائيل، وأيضاً مسؤولين سابقين، مثل رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" السابق، عاموس يادلين والجنرال جيورا أيلاند، يقرون بأن الاتفاق يضع إسرائيل أمام تحديات أمنية كبيرة، أهمها تحوّل إيران إلى قوة عظمى إقليمية باعتراف أممي، بل وتحولّها إلى "جزء من الحل" بعد أن كانت جزءا من المشكلة"، مقابل استخفاف وتهميش لإسرائيل ودورها، إلا أن أياً منهم لا يعتبر أن الاتفاق يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل وأمنها، بل يعتبرون أن وجود الاتفاق على علاته خير من عدمه.

ويرى هؤلاء وغيرهم من مراقبين ومحللين سياسيين وخبراء أنّ خطاب نتنياهو في السعي إلى إحباط الاتفاق ومنع المصادقة عليه في الكونغرس، لا يعدو كونه مكابرة لاستحالة تراجع الولايات المتحدة عن الاتفاق الذي وقّعت عليه، ولكون الاتفاق الحالي يبقى أفضل من عدمه، كما نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم"، عن رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي ورئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، الجنرال احتياط، جيورا أيلاند.

في المقابل، فإن المعادلة أو الحل السحري الوحيد الذي يطرحه هؤلاء، وهو ما يضيّق هامش مناورات نتنياهو، ويقلّل من خيارات إسرائيل، يشير في واقع الحال، باتجاه واحد وهو واشنطن وتحديداً البيت الأبيض. ويدعو هؤلاء، وفي مقدمتهم إيهود باراك، وقادة المعارضة في إسرائيل، إلى ضرورة إعادة بناء علاقات ثقة وعمل بين البيت والأبيض وتل أبيب، ويحذرون من مغبة الاستمرار في مسار التصادم مع إدارة أوباما. فالولايات المتحدة في نهاية المطاف هي الحليف الوحيد عملياً المتبقي لإسرائيل، والقادر مستقبلاً في حال استعادة العلاقات إلى طبيعتها السابقة لما قبل الخلاف مع إدارة أوباما، أن توفر لإسرائيل ما يلزمها "للاحتفاظ في خيارها العسكري ضد إيران".

اقرأ أيضاً نتنياهو: الاتفاق النووي الإيراني فشل تاريخي

في هذا السياق، برز تصريح إيهود باراك للقناة الثانية، يوم الثلاثاء، بوجوب العودة للإبقاء على الخيار العسكري قائماً، بل وتطوير هذا الخيار حتى يكون متوفراً إذا اقتضت الضرورة، وتُبين أن إيران وبعد مضي 15 عاماً التي يحددها الاتفاق، قرّرت مع ذلك المضي قدماً باتجاه بناء القنبلة النووية. وإذا كان باراك يدعو إلى الإبقاء على هذا الخيار، بعد التوقيع على الاتفاق، فقد سبق لموقع "والا" الإسرائيلي أن نشر في 29 يونيو/حزيران الماضي تقريراً، أشار فيه إلى أنّ رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال جادي أيزنكوت، عيّن نائبه الجنرال، يئير جولان رئيساً للجنة خاصة لفحص ودراسة الخيار العسكري ضد إيران، مع التأكيد على الاتجاه نحو وجوب البقاء على جاهزية هذا الخيار أو استمرارية العمل على تطويره (من حيث مواصلة التزود بالمقاتلات من طراز إف 35 الضرورية للوصول إلى إيران وقصفها، وإقناع الجارة الأميركية بتزويد إسرائيل بالقنابل القادرة على اختراق الملاجئ المحصنة تحت الأرض)، معتبراً أنّه لا يمكن في حال تم إيقاف هذا الخيار العودة إليه وتحويله إلى ساري المفعول وصالح بعد إيقافه لفترة من الزمن.

وقد سبق وأعلن أيزنكوت قبل ذلك، في مارس/آذار العام الماضي، عندما كان نائباً لرئيس الأركان، وأمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن وزير الأمن، موشيه يعالون ونتنياهو، أبقيا على الميزانية الخاصة المقررة سنوياً للاستعداد لضرب إيران، والتي قالت صحيفة "هآرتس" في 21 مارس/آذار العام الماضي، أنها تبلغ 2.8 مليار دولار. مع ذلك، وعلى الرغم من الإعلان عن وجود هذا الخيار، فإنه يبقى في المرحلة الراهنة غير واقعي، لأن إسرائيل بحاجة إلى مزيد من التسلح لضمان توفير القدوة والقدرة اللازمة لتوجيه الضربة، وهي قبل كل ذلك بحاجة إلى موافقة أميركية، أو على الأقل دعم أميركي لتوجيه هذه الضربة، وهو ما يستوجب توفر ظروف وتقديم دلائل مادية تثبت للجانب الأميركي أن إيران تخرق الاتفاق الدولي.

وفي حين يستبعد المحللون الإسرائيليون، على الأقل في المرحلة القريبة (65 يوماً هي المهلة الأولية لإلغاء الاتفاق) أن تقدِم إيران على ما من شأنه أن يضّيع عليها كل إنجازاتها السياسية والدولية التي يمنحها الاتفاق لها، فإنهم يرون أن الخيار العسكري الإسرائيلي يستلزم شروطاً عدة يجب أن تتوفر مسبقاً. ما يعني، أنه سيكون على نتنياهو أن يراهن عملياً على خطأ إيراني، مما يفرض على إسرائيل في المرحلة المباشرة للاتفاق أن تكثف من نشاطها الاستخباري والتجسسي ضد المشروع الإيراني، علًها تخرج بمعطيات ودلائل تقدمها للمجتمع الدولي وتوفر لها "مبرراً " لتوجيه الضربة العسكرية، هذا في حال تمكنت من توفير كل الشروط والأدوات والعتاد اللازم لها لهذه الغاية.

اقرأ أيضاً: نتنياهو يتهم "القوى العظمى" بالتخلي عن بلاده بسبب إيران

وعلى الرغم من أنّ إسرائيل حاولت في الأعوام الأخيرة، وحتى قبل عدة أشهر، التلويح بالخيار العسكري، عبر التلميح إلى تطوير ترسانتها العسكرية بأداوات جديدة، أهمها مثلاً، سلسلة غواصات من طراز دولفين تسلمتها من ألمانيا، وآخرها قبل عدة أشهر، غواصة أطلق عليها أحي تنين، أعلنت إسرائيل أنها قادرة على البقاء في العمق الاستراتيجي لأعدائها (في إشارة واضحة إلى الخليج العربي) وإطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية وموجّهة. إلا أن ذلك كله ليس كافياً حالياً، للقيام بضربة قادرة على إصابة ثمانية أهداف رئيسية حددتها الصحف الإسرائيلية، باعتبارها ذات أولوية، والتي يشكل ضربها انتكاسة للمشروع الذري الإيراني، وأهمها المنشآت في أراك، وبوردو وقم ونتانز.

خيارات إسرائيل المتاحة عملياً، أساساً هي إعلامية وافتراضية تهدف إلى بناء ردع إسرائيلي أكثر من بناء خيار عسكري عملي ساري المفعول. لكن ذلك لا يلغي في الوقت عينه، على أهميته وقف النشاط الإسرائيلي، وتحديداً في مجال "السايبر" والتجسس وجمع المعلومات.

وعلى الرغم من التهويل الذي يحاول نتنياهو اللجوء إليه بشأن الخطر "الوجودي" الذي يحمله الاتفاق لإسرائيل، فمن المهم العودة إلى العبارات التي استخدمها إيهود باراك، يوم الثلاثاء، خلال مقابلته، عندما قال بشكل واضح إن "وضع إسرائيل اليوم مختلف عن الوضع في أوروبا عام 1938 (إبرام اتفاق ميونخ مع أدولف هتلر). ونحن لسنا في بلستينا (فلسطين) 48، أي عشية النكبة ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين. وكرر باراك أن "إسرائيل اليوم هي الدولة الأقوى عسكرياً والأكثر استقراراً في الشرق الأوسط".

كما يبدو لافتاً أيضاً، البند الذي يحدد في الاتفاق مع إيران، سقف تخصيب اليورانيوم لغاية 3.7% وتحديد كميات اليورانيوم المخصبة لغاية 20% ووقف نشاط المفاعل للبلوتونيوم، ومفاعل المياه الثقيلة في أراك، كانا من الشروط التي حققتها إسرائيل في اتفاق جنيف المرحلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وهو ما كان أقر به الجنرال عاموس يادلين بعد ثلاثة أيام من اتفاق جنيف، في مقال نشره على موقع "مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" عام 2013، وهي أيضاً شروط أعلنها باراك في سياق حديثه عن منع إيران من الوصول إلى ما سماه بـ "مجال الحصانة" من جهة، مسلحاً بخلق أجواء مسنودة بقدرات أميركية في حزيران 2012، من أن باراك يدفع باتجاه توجيه ضربة عسكرية لإيران.

اقرأ أيضاً ما بعد الاتفاق النووي: ملامح علاقات دولية جديدة

المساهمون