خيارات ناجي الفليطي

04 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ماذا لو قرّر ناجي الفليطي أن يفجر نفسه في مصرف مثلاً، أو أن يسرق متجراً كبيراً، بدل أن يلف حبل المشنقة حول عنقه، لأنه مديون بأقل من 400 دولار لدكّان الحي، ولأنه لم يستطع توفير ألف ليرة لبنانية (أقل من نصف دولار بسعر الصرف الحالي) لطفلته، لكي تشتري منقوشة في المدرسة؟ بأي حربٍ يا ترى كان اسمه سيواجه من قوم بعض الصحافة والساسة والرأي العام وجماعة آداب السلوك ومشجعي الموت بصمت؟ كان ليصبح إرهابياً، مجرماً، قاطع طرق، ولعنة على أهل عرسال، بلدته البقاعية القابعة في أقصى أقاصي جبال الشرق اللبناني. يذكّرنا ناجي الفليطي بأن هناك أعدادا من البشر يعيشون بيننا لا إحصاء دقيقا لهم، لا همّ عندهم في كيفية استرداد ودائعهم من أنياب المصرف، فالوديعة غير موجودة أصلا. ولا هي أزمتهم في خسارة قيمة راتبهم عبر تقاضيه بالليرة بدل الدولار، فلا أجر أصلا ولا معاش. كل ما أراده ناجي، ورفاقه في صفوف المنتظرين الموت جوعا، تأمين الطعام لعائلته. 
كان ناجي يعرف أن بلدته لا تنقصها المصائب. يكفيها ما لحق بها من خراب ودمار بسبب اللعنة التاريخية التي حشرتها بين حزب الله وبعث الأسد. يكفيها ما حلّ بها من كوارث "داعش" الذي غزاها تحت أعين النظام السوري وحزب الله نفسه. يكفيها إهمال رسمي متعمد هو نسخة عن إهمال المركز كل الأطراف، كل المناطق الزائدة عن الحاجة في فلسفة تأسيس هذا البلد على بحر موصول بجبل، وما عدا ذلك صداع موروث منذ تم ضم الأقضية الأربعة إلى لبنان وصار لبنان الصغير، كبيراً، قبل أقل بقليل من قرن.
ولأن ناجي الفليطي قرّر ألا يفجر نفسه في مصرف، ولا أن يسرق متجراً كبيراً، لكي يُطعم عائلته، بل أن يرحل جائعاً بصمت وأن يترك أبناء دارته جائعين بصمت، فلن يكون مستغرباً أن ينال أوسمة الشرف وأن يحظى بحفلات تكريم من السلطة التي حولت ناجي ومئات غيره في سنوات قليلة مضت، إلى طبقة مجرّد جائعين منتحرين، نتذكرهم ليوم أو أسبوع، ثم ننساهم. سلطة ترسم للمسحوقين جوعاً، طريق موتهم أيضاً. ممنوع أن يموتوا بشكل يزعجها. انتحروا لا بأس، لكن بصمت إن أمكن، تماماً مثلما فعل ناجي. موتوا بأمراضكم حتى ولو تباكى عليكم بعض الإعلام ولو حُمّلنا، نحن السلطة، مسؤولية بؤسكم. افقدوا أعصابكم من شدة جوعكم، فلن تجدوا أصلاً دور عناية وسينتهي بكم الأمر هائمين في الطرقات، تحصون الشفقة ورشقات حجارة صبية القرى على ما يُعامل "المجانين". أما أن تنتفضوا وأن تتجمعوا، وأن يصبح لجوعكم معنى طبقي سياسي مثلما يحصل في شوارع لبنان منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فحينها لا بد أن تكونوا عملاء سفارات ومخربين لا يستحقون إلا البلطجة والاعتقال والتعذيب والمزيد من التجويع... وما الذي يجيده أرباب المصارف والتجار وأصحاب الاحتكارات غير التجويع في حالات الطوارئ لإعادة الزبائن إلى حظيرة الطاعة؟
ناجي الفليطي استسلم بعدما بحث جاهدا عن عمل، وقد تنقل من السلك العسكري إلى العمل في تكسير الصخر وتقطيع الحجر، مهنة السواد الأعظم من أهل عرسال. وباستسلامه، ها هو يعرض على المنتظرين في صفوف المرشحين للانتحار جوعا، اختيار أحد الدروب: الاستسلام، وهو ربما يكون الأقرب إلى طبيعة البشر بضعفهم وقوتهم (وهل هناك أصعب وأقوى من قرار الانتحار؟)، أو مواصلة رحلة البؤس بصمت، أو أخيراً استعادة الحق بالقوة. وعندما يلوح مصطلح القوة، يدق ناقوس الخطر وتتجند آلة السلطة بإعلامها وكهنوتها ولوبياتها ومنظوماتها الأخلاقية لتحدثنا عن أسطورة طائر الفينيق الذي يجب ألا ييأس وأن ينهض من تحت الرماد، مع جرعة زائدة من حكايات بالية عن فقراء القرن التاسع عشر ممن صنعوا ثروات من عدمٍ في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأستراليا. تنصح السلطة هؤلاء بأن يذهبوا وأن يصنعوا ثرواتهم هناك وأن يعودوا لاحقا لعلهم ينضمون إلى نادي الأثرياء الجدد، أو هكذا يظنّون، المهم أن يذهبوا، فلدينا فقراء كثيرون لكي يخدمونا من دون صداع استرداد الحقوق.

دلالات