خيارات "الجمهوريون" الفرنسي للصعود من الهاوية: هل ينجح حيث فشل إخوانه الأوروبيون؟

03 يونيو 2019
الصورة
فوكييز استقال على وقع الهزائم الانتخابية المتتالية (نيكولا ليبون/Getty)
+ الخط -

يعيش أنصار حزب "الجمهوريون" حالة صدمة هذه الأيام، بعد الخسارة الكبيرة التي مُنوا بها في الانتخابات الأوروبية، بحلولهم في المرتبة الرابعة بعد حزبي مارين لوبان وإيمانويل ماكرون والإيكولوجيين. 

وتأتي هزيمة "الجمهويون" بعد النتيجة الباهتة التي حصل عليها فرانسوا فيون، مرشحهم في الدورة الأولى من رئاسيات 2017، ثم ما تبع ذلك من خسارة أصوات كثيرة في البرلمان.   

وجاءت هزيمة "الجمهوريون" في الانتخابات الأوروبية في وقت استأثر فيه تيار محافظ وهوياتي على قيادة الحزب، دافعاً بأطر كبرى للانضمام إلى إيمانويل ماكرون، وآخرين لمغادرة الحزب، وآخرين لتجميد نشاطهم فيه.  

ووجد رئيس الحزب لوران فوكييز نفسه مدفوعا للاستقالة، بعدما حاول الصمود خلال أسبوع، معترفا بأن "الانتصارات جماعيةٌ، بينما الخسائر فردية"، وهو ما يعني تحمله مسؤولية "الإخفاق الكبير".

ويتساءل أنصار الحزب، ومراقبون للشأن السياسي: "هل يستطيع حزبٌ وصل إلى هذه الهاوية أن يصعد للقمة من جديد؟ وهي حالة فشلت فيها أحزاب رئيسية إيطالية ويونانية.


وتأتي الصعوبة في إحداث نقلة تُمهد لعودة الحزب لصدارة المشهد السياسي الفرنسي إلى اقتناع كثيرين من أطره، سواء الذين انضموا إلى "الجمهورية إلى الأمام"، أو ممن يتحالفون معه، أو حتى من الباقين في الحزب، بأن الرئيس إيمانويل ماكرون يُنفّذ سياسة يمينية لا لبس فيها، وسيكون منافياً للأخلاق والمنطق مجابهته في قرارات كان من الأوْلى أن تنفذها، قبل عقود، حكومات يمينية حين كانت في السلطة. 

ومن بين هؤلاء الرئيس السابق للحزب اليميني وعمدة مدينة "مو" في الضاحية الباريسية، فرانسوا كوبي، وخلفه كثير من "عمدات" فرنسا، وأيضا النائب عن "الجمهوريون" كلود غواسغين، الذي رحب بفكرة تحالف اليمين مع ماكرون من أجل إسقاط عمدة باريس الاشتراكية آن هيدالغو.

ويرى بعض قيادات "الجمهوريون" ومنظّرو اليمين، ومنهم الفيلسوف لوك فيري، أن الحزب أصبح تيارات غير متصالحة، أولها التيار التقليدي والكاثوليكي، ومثَّلَه رئيس لائحة "الجمهوريون" في الانتخابات الأوروبية كزافيي بيلامي، ثم التيار المتطرف، وقد انضم منه كثيرون إلى "التجمع الوطني" و"انهضي فرنسا"، وأخيرا تيار يميني اجتماعي، أصبح الرئيس إيمانويل ماكرون هو الذي يمثله، ومن بين ممثليه ألان جوبي وأنصاره ورافاران ورئيس الحكومة، ومن معه من الوزراء المهمين القادمين من اليمين.   

ولا يمكن للقيادة الجديدة مهما كانت آفاقها واسعة أن تستعيد كل الأطر التي انضمت إلى ماكرون، ولا أن توقف حملة العديد من عمدات اليمين الراغبين في التحالف مع الأغلبية الرئاسية للحفاظ على كراسيهم، والذين يُضاعف رئيس الحكومة وأنصاره من مناشدتهم لالتقاط يد ماكرون الممدودة. 

ولا يمكن لكثير من هؤلاء الذين يديرون كثيرا من البلدات، وبعضهم في مدن كبرى، كمدينتي نيس وتولوز، أن يغضوا الطرف عن النتائج الباهرة التي حققتها لائحة "الجمهورية إلى الأمام" في مدنهم وبلداتهم في الانتخابات الأخيرة. فدينامية الرئيس ماكرون، رغم كل مشاكله وأزماته، لا تزال تغري وتجذب ناخبين. وكثيرٌ من هؤلاء المستعدين لالتقاط يد ماكرون الممدودة يتفقون على أن "التجمع الوطني"، اليميني المتطرف، خطٌّ أحمر، لا يمكن الاقتراب منه.

وماذا تستطيع القيادة الجديدة، عند انتخابها، أن تفعل في مواجهة إغراءات اليمين المتطرف المنتصر؟

لا يبدو من السهل، أيضا، استعادة هؤلاء الناخبين، الذين استمالَتهم مارين لوبان، رئيسة "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، وهم يرون التناقض بين شعارات حزبهم "الجمهوريون"، المشككة في الاتحاد الأوروبي والمنتقدة لبعض قراراته، وبين تصويت حزبهم على مقترحات "الحزب الشعبي الأوروبي"، المنضوين، إلى جانب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تحت لوائه.

وفي النهاية، تبدو خيارات القيادة الجديدة في حزب "الجمهوريون" محدودة جدا، إذ هذه التيارات غير متصالحة، وهو ما يصعّب مسار وقد نزيف الحزب.


ويتحدث بعض القياديين، ومنهم جيرار لارشي، رئيس مجلس الشيوخ القوي، ورئيسة جهة باريس الكبرى، فاليري بيكريس، عن استعادة تحالف اليمين التقليدي والوسط، ولكن الوسط لم يعد كما كان أثناء السبعينيات والثمانينيات، مع قياديين من طراز ريمون بار، فهو تشظى إلى مجموعات كثيرة، منها ما هو في الأغلبية الرئاسية، ويتزعمه فرانسوا بايرو، رئيس "موديم"، ومنها أحزاب صغرى فقدت بريقها، يمثلها هيرفي موران، الذي تحالف مع "الجمهوريون" وجان كريستوف لاغارد، الذي ترشح حزبه، بصفة مستقلة، فخرج صفر اليدين.

وأخيرا، يوجد أنصار تحالف اليمين، بكل أطيافه، وهو ما يراود البعض، ولكنهم قلة في الحزب في الوقت الراهن، ويتلقون مناشدات ملحة من مارين لوبان ومساعديها من أجل مواجهة ماكرون وهزيمته، انضاف إليها، أمس الأحد، نداء ماريون لوبان، حفيدة جان ماري لوبان، من أجل تحقيق "وحدة اليمين"، بِغَضّ النظر عن الشكل، "ما دام أن حزب (التجمع الوطني) لن يستطيع الوصول للسلطة بمفرده"، لأن ما هو مهم في نظرها "يتمثل في إنقاذ فرنسا والدفاع عن حريتها وسيادتها".   

ولكن في غياب شخصية يمينية كاريزمية، ومع استمرار الصراعات والمنافسات الشخصية، فلا شيء يمنع من سير الحزب نحو التلاشي والموت.

ينظر فيلسوف اليمين، لوك فيري، إلى المستقبل بأسى، ويعترف بأن اليمين الحالي لا يتوفر على شخصية قوية جامعة من طراز ديغول وشيراك وساركوزي. قبل أن يَقبل نوعا من الحقيقة المرة: "اليمين، حاليا، موجود، ويمثله إيمانويل ماكرون".      

المساهمون