خسمون سنة بالتمام والكمال انقضت على المباراة التاريخية التي جمعت بين الملاكم الذي سيحمل، لاحقا، اسم محمد علي كلاي، وسوني ليستون في "ميامي بيتش" وانتهت بتدشين مسيرة أسطورة القرن العشرين في الملاكمة، كلاي. شاهد العالم في تلك الليلة ملاكما شابا، طويل القامة، لا مثيل لحركته على الحلبة، وتقنياته في اللعب، وكارزميته الشخصية يصول ويجول، كأنه راقص في طقس افريقي، على مدار ست جولات، ليتوج بعدها ببطولة العالم في الملاكمة للوزن الثقيل.
كانت تلك المباراة هي الأخيرة التي يخوضها محمد علي باسمه الحقيقي: كاسيوس كلاي، إذ سيغير اسمه، بعدها بيوم، الى كاسيوس إكس، ثم بعد اسبوع الى محمد علي، إثر إعلان إسلامه وانضمامه الى جماعة "أمة الاسلام" التي كونها اليجا محمد، وبرز في صفوفها داعية الحقوق المدنية الشهير مالكوم إكس.
دامت مباراة كلاي وليستون ست جولات استسلم بعدها الأخير، والدم يسيل من احدى عينيه، للملاكم الشاب الذي يتحرك كفراشة ويلسع كنحلة (القول لكلاي)، رغم أن ليستون كان مفضلا عند المراهنين، فلم يكن نجم كلاي قد برز بعد. ومن الطريف ذكره أن القفازات التي خاض بها كلاي تلك المباراة بيعت، لمناسبة ذكرها الخمسين، بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني، أما ليستون فقد طلب نزال كلاي في السنة التي تلتها (1965)، وليته لم يفعل إذ أسقطه محمد علي بالضربة القاضية من الجولة الأولى.
ليس سوني ليستون نكرة في تاريخ الملاكمة، فقد اعتبر، حتى تلك الليلة الليلاء التي سيقابل بها كلاي، ملاكما لا يهزم. لكنه هزم شر هزيمة على يد كلاي (بامكاننا مشاهدة المباراة التي لم نشاهدها في حينها على اليوتيوب) لنرى كيف كان يطوف "الاسطورة" الحلبة على نحو دائري منتظرا لحظة شغور في دفاع ليستون كي ينقض عليه من حيث لم يحتسب. سيكون على كلاي أن يكرر تلك الصولات والجولات في السنين القادمة، وأن يوسِّع حلبته لتشمل الحقوق المدنية وحرب فيتنام، وليصبح اسمه على كل شفة ولسان بسبب اقتران القفازات، لأول مرة، بالموقف الاخلاقي من قضايا العصر.