خلف المقود.. خلف القضبان

خلف المقود.. خلف القضبان

26 يونيو 2018
الصورة

سعودية تقود سيارتها مبتهجة في جدة (24/6/2018/Getty)

+ الخط -
توضح البهجةُ الغزيرةُ التي عبّرت بها سعودياتٌ عديداتٌ في بلدهن، الأسبوع الجاري، لبدء مزاولتهن حقّهن في قيادة السيارة، أشواقَ المرأة السعودية عموما إلى أن تحوز حقوقا أخرى، تعدُّ مسألة قيادة السيارة من تفاصيلها، الثانوية ربما، حقوقا من قبيل العدالة والمساواة والكرامة. وبعيدا عما رآها عارفون أبعادا اقتصاديةً وراء إجازة عاهل السعودية، سلمان بن عبد العزيز، في سبتمبر/ أيلول الماضي، أن تقود نساءُ بلادِه السيارة، مع شروطٍ معلنة، فإن التهنئة مستحقةٌ للمواطِنة السعودية على هذا الحق الذي تيسّر لها، والذي بدت القيادة في المملكة حريصةً على أن يُعدّ هبةً منها، وليس استحقاقا اكتسبه السعوديون، بعد كفاح ناشطاتٍ ومثقفاتٍ طالما جهرن بضرورة ألا تقترن سمعةُ بلدهن بأنه الوحيد في العالم الذي يحظر أمرا طبيعيا. ولا يزيد واحدُنا في الطنبور وترا إذا ما أكّد البديهي المعروف، وموجزه أن أمام المرأة السعودية مشوارا طويلا لتتحرّر من المنظور الملكي الأبوي الحاكم، وكذا التقاليد الاجتماعية الشديدة المحافظة، وكلاهما يعيقان قدرتَها في تقديم إسهامٍ أكبر في تطوير بلدها وتنميته، سيما وأنها متعلمةٌ أفضل من الرجل، بحسب ما يكشفه سنويا تقدّم الفتيات في الدرجات الأعلى، وفي المراتب الأولى، بين الناجحين في امتحانات الثانوية العامة، ثم في الجامعات. 

لم يكن مطلب المرأة السعودية الوحيد أن تكون خلف مقود السيارة، بل ظلت تتقدّم عليه مطالبُها بالمساواة الاجتماعية، وإنهاء ظاهرة العنف المنزلي المريعة، وتيسير فرص الترقّي في الوظائف، وإتاحة مساحاتٍ أعرض في الحيز العام. وبديهيٌّ أن ذلك كله، وغيرُه، يبقى عصيّا على التحقّق من دون إصلاحٍ سياسيٍّ في المملكة، يختار في غضونه المواطن السعودي، رجلا وامرأة، ممثّليه في السلطة، وتتّسع مشاركته في صناعة القرار على غير مستوى. ولأن زوبعةً من قضايا غير قليلة، ولا هيّنة، تتّصل بهذا كله، يثيرها الذهاب إلى هذا الموضوع، يحسُن تطويق ما تدسّ هذه السطور نفسَها فيه في حدود ما هو منظورٌ قدّامنا من "إصلاحاتٍ"، لا تنقطع الأحاديث، منذ نحو عام، عن عمل ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على إنجازها. والبادي، كما تنطق شواهدُ تتابعت، أنها "إصلاحاتٌ" ملحوظةٌ في إجازة حفلات الغناء، وإعادة فتح دور السينما، وعدم ممانعة بثّ التلفزيون الرسمي أغنيات أم كلثوم، وعدا عن إجازة قيادة المرأة السيارة، فإنك لا تقع على قرارٍ جوهري. أما احتفاءُ بعضِهم بما سمّوها حربا شنّها الأمير الشاب على الفساد، في احتجازه أمراءَ من أبناء أعمامه ومسؤولين حاليين وسابقين وأثرياء ورجال أعمال، في فندق ريتز كارلتون، قبل أن يُفرج عنهم بعد دفعهم ما دفعوا مما لا يعرف الجمهور العام بشأنه شيئاً، فهو احتفاءٌ بمساندةٍ ظاهرةٍ للتطاول على القانون، وانتصارٌ لمزاجٍ شخصي، رأى صاحبُه أن يحبس هؤلاء ويبتزّهم.
ليس من "إصلاحاتٍ" جوهريةٍ وحقيقيةٍ عرفتها العربية السعودية، إذن، في العام الأول لولاية محمد بن سلمان العهد. وينكتب هذا هنا، مع التثنية على كل جرعة انفتاحٍ ثقافيٍّ وترفيهيٍّ واجتماعي تطرأ، من قبيل ما أشير إليه. بل يمكن القول، من دون تحرّز، أن انتكاسةً كبرى لحقوق الإنسان شهدتها المملكة في هذا العام، حيث توازت مع الجرعات المشار إليها اعتقالاتٌ لم تتوقف لمثقفين ووعّاظ وناشطين، بدعاوى غير معلومةٍ غالبا، وفي ظروفٍ لا تتوفر على أدنى شروط العدالة. وبالتزامن مع ابتهاج السعوديات ببدء مزاولتهن قيادة السيارة في بلدهن، نشطت السلطات في احتجاز مثقفاتٍ سعوديات، كنّ في طليعة الأصوات الشجاعة في المناداة بنيْل بنات بلدهن هذا الحق، وكذا بتصحيح أوضاعٍ شائنةٍ متصلةٍ براهن المرأة السعودية. آثرت السلطةُ في المملكة النكاية والمكايدة، وسياسة الثأر، بدل التّرفع والفروسية، وبدل أن "تتزيّن" ولو بقسطٍ من الديكورية من حداثة دولة القرن الحادي والعشرين، فحرمت إيمان النفجان (39 عاما)، ولجيْن الهذلول (28 عاما)، وعزيزة اليوسف (60 عاما) ونوف عبد العزيز (31 عاما) من مشاركة أفراح مواطناتهن السعوديات خلف المقود، باحتجاز أربعتهن خلف القضبان، مع كثيراتٍ وكثيرين.