خلط أوراق عند الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة: "داعش" يتراجع

27 فبراير 2015
الصورة
يسعى الجيش لتأمين الحدود اللبنانيّة (حسين بيضون)
+ الخط -
تختلط الأمور في المنطقة الحدودية بين لبنان وسورية. اشتباكات بين مسؤولي تنظيم الدولة الإسلاميّة، (داعش)، يليها معلومات عن انسحاب مقاتلين من هذا التنظيم من العديد من النقاط التي يُسيطرون عليها. ثم تنقل أوساط متابعة لحركة التنظيم، معلومات عن اختفاء قضاة الشرع الثلاثة الذين أرسلتهم قيادة التنظيم منذ أشهر إلى لبنان. لا أحد يملك معلومات مؤكّدة عن مصير هؤلاء. البعض يتحدث عن انسحابهم إلى عمق الأراضي السوريّة لجهة حمص، فيما يتحدّث آخرون عن مقتلهم إثر الاشتباكات التي جرت بين مسؤولين في "داعش" في القلمون منذ نحو أسبوع، وقتل على أثرها أمير التنظيم أبو أسامة البانياسي (يسمي نفسه أبو عائشة أيضاً) وآخرون. 
المعلومات المؤكّدة، بحسب مصادر من بلدة عرسال (الملاصقة للحدود مع سورية)، تُفيد بأن "داعش" انسحب من أبرز النقاط التي كان يُسيطر عليها في جرود البلدة، في وادي عجرم ووادي حميّد (وهي الأقرب لحاجز الجيش اللبناني)، ووادي ميرا (في الأراضي السورية). كما سحب مقاتلوه حواجزَ لهم في وادي حميّد سبق أن نصبوها. وللإشارة، فإن تمدد "داعش" باتجاه عرسال، وصل إلى حدود إقامة أبو أسامة البانياسي صلاة الجمعة بعد تعيينه أميراً في أحد المساجد عند أطراف البلدة. كما سبق ونشر "داعش" سلاحاً متوسطاً في عدد من المنازل عند أطراف البلدة. الغريب في الأمر أن انسحاب "داعش" هذا جاء على الرغم من أن الممارسات السابقة للتنظيم كانت توحي بأنه يرغب في تمديد الإقامة في المنطقة.

إقرأ أيضاً: الجيش الحرّ يعود إلى القلمون الغربي

ويذهب بعض المتابعين لحركة المسلحين في الجرد إلى القول إن الكلمة الأولى عادت لأمير جبهة النصرة أبو مالك التلي، الذي كان في موقف ضعيف جداً منذ أسابيع بعد انشقاق أحد المسؤولين العسكريين لديه وانضمامه إلى "داعش". وقد دفع هذا الأمر أبو مالك إلى تجنيد ما يُمكن تجنيده من المقاتلين وإعادة دعم فصائل الجيش الحرّ، للتحالف في وجه "داعش". إلا أن هذه التحولات الأخيرة، لجهة انسحاب مجموعات من "داعش" الذي وصل عدد مقاتليه إلى أكثر من 1500 مقاتل، تُعيد خلط الأمور.
لكن ما مدى انعكاس هذا الأمر على ملف العسكريين المخطوفين؟ تؤكّد مصادر مختلفة على أن المفاوضات التي كانت تسير ببطء في الأسابيع الماضية توقفت، وخصوصاً مع "داعش". وينقل مَن يتواصل مع الخاطفين ما مفاده بأن هناك قراراً لبنانياً بوقف التفاوض. وفي مقابل هذا التوقف على جبهة المفاوضات مع "داعش"، هناك من يتحدّث عن عودة الحرارة إلى المفاوضات مع جبهة النصرة، والتي يتولاها الشيخ مصطفى الحجيري، ولكن لا يوجد تطور ملموس في هذه المفاوضات بعد. لكن الإيجابية الوحيدة منذ نحو شهرين حتى اليوم، هي السرية التي تُحاط بها عمليّة التفاوض، وتوقّف "النصرة" و"داعش" عن إعدام الجنود اللبنانيين.
لا يُمكن الجزم بأسباب انسحاب "داعش" من منطقة القلمون، لكن التنظيم انسحب من نقاط له داخل الأراضي اللبنانية. هناك من يقول إن سبب هذا الانسحاب يعود إلى أن التنظيم يواجه نقصاً في المسلحين، وخصوصاً مع تشديد تركيا السيطرة على الحدود مع سورية، وإعلانها منع الآلاف من الأجانب من أكثر من 90 دولة من دخول أراضيها لاشتباهها بأنهم يتجهون للانضمام للجماعات المتشددة في سورية والعراق. كما أن معركة عين العرب استنزفت التنظيم بشكلٍ كبير، إضافة إلى حالات الفرار والضربات الجوية للتحالف الدولي. ومن الاحتمالات أيضاً أن يكون "داعش" يسعى لإعادة تجميع قواته في سبيل توجيه ضربات لمناطق يراها ضرورية وتأمين مناطق وجوده. إذ لا يبدو أن القلمون تُشكّل أولوية للتنظيم.
وتقول مصادر متابعة لحركة المسلحين في جرد القلمون عند الحدود مع لبنان، إن واقع المنطقة منع "داعش" من السيطرة الكاملة على مسلحيه، وما حدث مع لواء فجر الإسلام خير دليل. إذ طُرد مقاتلو هذا اللواء من "داعش" بعد أشهر على مبايعتهم له لأسباب قيل حينها إنها "شرعية". ويُضيف هؤلاء أن جسم "داعش" لم يكن يوماً متجانساً، وفشل الشرعيون الذين أرسلوا في تطويع هذا الجسم. ويذكر أحدهم مثالاً على أن ابن شقيقة أبو مالك التلي (أمير "النصرة") مسؤولٌ في "داعش". 
ويعزو آخرون الأسباب إلى فشل "داعش" في خلق منطقة "آمنة" له داخل الأراضي اللبنانيّة، (خصوصاً في شمال لبنان)، إذ تلقت مجموعات بايعت "داعش" ضربات قاسية، إن عبر العمل الأمني أو عبر العمل العسكري، كاشتباكات الأسواق الداخلية في طرابلس، شمال لبنان.
ويُشير هؤلاء إلى أن انسحاب "داعش" يأتي على أبواب فصل الربيع، الذي يُتوقع أن يشهد عمليات عسكريّة واسعة النطاق في جرود القلمون. وقد أعلن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، هذا الأمر بوضوح خلال خطابه الأخير، داعياً لتنسيق عسكري بين الجيشين اللبناني والسوري، وهو ما ترفضه قوى سياسيّة لبنانيّة، من أبرزها الرئيس سعد الحريري. ويُفترض أن ينعكس تراجع وجود "داعش" في القلمون بشكلٍ إيجابي على لبنان. إذ إن الاشتباكات بين المسلحين في القلمون والجيش اللبناني، والتي بدأت في أغسطس/ آب، كان "داعش" وراء اشتعالها وتطوّرها.
أما أبو مالك فلا يزال يؤكّد أن أولوية "النصرة" قتال حزب الله والنظام السوري، وأن لا نية لها باستهداف الجيش اللبناني.
ويوم أمس، حقق الجيش تقدماً مهمّاً، بالمعنى العسكري، إذ سيطر على "مرتفعي صدر الجرش وحرف الجرش، شمال شرق تلة رأس الحمرا باتجاه الحدود اللبنانية ـ السورية"، بحسب بيان الجيش.
وتكمن الأهمية العسكرية لهذه السيطرة بحماية نقاط الجيش الأساسيّة في تلة الحمرا، وهي من أهم النقاط الاستراتيجيّة في منطقة رأس بعلبك. وسبق أن قتل الجيش أحد أهم قيادات "داعش" خلال معارك في تلة الحمرا قبل أسابيع، وهو إيراني من منطقة الأحواز ويُلقب بـ"الأحوازي".
وتأتي خطوات الجيش لتأمين الحدود اللبنانيّة، بعد وصول كمية من الأسلحة والذخائر والمدرعات من الجانبين الأميركي والأردني، على أن تصل كميات نوعية من فرنسا بعد أسابيع، وهو ما سمح للجيش بالقدرة على تأمين الإسناد الناري لمجموعاته المتحركة، وتوفير مخزون من الذخائر.

إقرأ أيضاً: عباس عبد إلهي: إيراني يقود قوات الأسد

المساهمون