خلايا بشريّة في أرحام حيوانيّة

05 اغسطس 2019
الصورة
العالم الياباني هيروميتسو ناكوتشي (فيسبوك)
رغم أنَّها كانت ضربًا من ضروب الخيال، إلا أنّ البشرية اهتمّت دائمًا بالمخلوقات التي تكون نتاجًا أو تفاعلاً بين الإنسان والحيوان. لكنَّ ثمّة من يعمل على تحويل هذا الخيال إلى حقيقة، إذْ يعمل باحثون منذ عدّة سنوات في المختبرات، وهم يجرون التفاعلات بين مورّثات الإنسان والحيوان. لهذه التجارب دوافع وأسباب جديَّة، مثلاً ينتظرُ كثير من المرضى الذي يحتاجون إلى أعضاء، لفترة طويلة، وأحيانًا طويلةٍ جدًا، من أجل الحصول على العضو المطلوب. هذه التجارب تهدف إلى حلّ هذه المشكلة في المستقبل، إذْ ستنمو أعضاءٌ بشريّة في أجساد الحيوانات، مما يساعد المريض المحتاج، ويقلّل من كميّة الانتظار. 

ومع ذلك، فإنّ التكنولوجيا البشريّة الآن ليست لتلك الدرجة من التطور، والتي تسمح بأخذ أعضاء بشريّة من جسد حيوان من أجل زراعتها في جسدٍ بشريّ آخر. لكن اليابان تعدّ الدولة الوحيدة في العالم التي تموّل وتسمح بإجراء نوع كهذا من التجارب. إذْ يقوم العالم الياباني Hiromitsu Nakauchi هيروميتسو ناكوتشي بهذه العملية. لكنّ التجارب من هذا النوع محظورة في غالبية الدول حتّى الآن. في الدول الأوروبية، وألمانيا على سبيل المثال، جاءت ردود الفعل على التجربة اليابانية وهي تحمل سخطًا وتنديدًا عالياً. إذْ وصف خبير الصحة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، كارل لوترباخ، التجربة بـ "انتهاكٍ أخلاقي واضح". قبل أن نحاول أن نقيّم التجربة أخلاقياً، سنحاول أن نفهم الجديد فيها، وهل تستحق صفة "الفضيحة الأخلاقية"؟

هذا العالم الياباني هو طبيب في الأمراض الداخلية، كان يعمل باحثاً في جامعة طوكيو وفي جامعة ستانفورد لسنوات. مؤخّرًا، حصل على إذن من حكومة اليابان، من أجل توجيه الخلايا البشرية، وجعلها تنمو في أجنة حيوانية، ثم مراقبتها حتّى مرحلة الولادة! وهذا أمرٌ لم يحدث من قبل في التاريخ البشري.

وأعلن ناكوتشي أنّه سيقوم بتنفيذ المشروع بشكل تدريجيّ على مراحل، حتّى يولد الحيوان الهجين الأوّل في التاريخ. ويشير ناكوتشي بأنّه يدرك بأنّ التجربة مشبوهة أخلاقيّاً للكثير من الناس. ويشير بأنّه سيقوم بتجربتين منفصلتين ضمن خطّين زمنيّين محددين. إذْ سيقوم بوضع الخلايا البشريّة في أجنة فئران في تجربة، وفي أجنة جرذان في تجربةٍ أخرى.

ويشير ناكوتشي إلى أنّ التجربة الأولى مع الفئران، يجب أن تنمو الأجنة البشرية فيها بعد 14.5 يومًا في رحم الفأرة الأم، إذْ أنّ هذا الوقت كافٍ لأن يصبح الجنين مكتمل النمو. علمّا أنّ الحمل ينتهي عند الفئران بعد 20 يومًا. أمّا في حالة الجرذان، فتصبح الأجنة الهجينة ناضجة داخلها بعد 15.5 يومًا. كما أنّ فترة الحمل النهائية للجرذان هي 23 يومًا. في المستقبل، يخطط ناكوتشي لأن يقوم بنفس التجربة على الخنازير، أي على الحيوانات الكبيرة، إذْ يخطط لدمج الخلايا البشرية في أجنة الخنازير. ولكنّه يحتاجُ إلى تصريحٍ حكومي آخر من أجل إجراء هذه التجربة.

يجري ناكوتشي هذه البحوث والتجارب، من أجل أن يعرف مدى قدرة نمو الخلايا البشريّة في كائنات حيّة "أجنبية". وعندما تكون الأجسام المضيفة بعيدةً كل البعد عن التطور البشري، مثل الفئران والجرذان، فإنّ الخلايا البشرية لن تعيش طويلاً في الجسم الغريب، كما هو متوقع. وبالتالي، فإنّ هذه التجربة على القوارض، ليست إلا محاولةً أولية من أجل الاقتراب من المشروع الكبير. لأنّ الحيوانات الصغيرة هذه ستكون صغيرة على تحمّل تكاثر الأعضاء البشريّة السريع. ويتوقع ناكوتشي مدة زمنية تُقدّر بسنواتٍ أو عقود، حتّى يحقق هدفه: مساعدة المرضى الذي يحتاجون إلى أعضاء.

وتعد تجارب الكائنات الهجينة مسموحاً بها في دولٍ مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، ولكن مع وجود قيودٍ صارمة. أجرى العلماء تجارب عديدة على أنواع حيوانية مختلفة. وقد تمّ استخدام خلايا بشريّة في تجارب عديدة، لكن لم يسمح للمخلوقات الناتجة بالنموّ والولادة، إذْ تترك في رحم الكائن المضيف لأسابيع فقط، وفقًا للقانون. لكن هذه هي المرّة الأولى التي يتغيّر فيها القانون في اليابان (تغيّر في مارس/ آذار 2019)، إذْ يسمح رسمياً لـ"الحيوان البشريّ" بالنموّ. في عام 2017، قام ناكوتشي بزرع خلايا بنكرياس من فئران داخل جرذان، ونجحت التجربة بالفعل، وحصل على عضو بنكرياس مكتمل. بعدها قام فريقه البحثي بإجراء التجربة على أجنة الخنازير، وسمحوا لها بالنمو فقط لمدة 6 أسابيع، إذْ توقفت التجربة بسبب القوانين.

لكن ثمّة نقداً هائلاً يوجه إلى ناكوتشي حول أنّ هذه التكنولوجيا لن تنجح بشكل جديّ، بحيث تكون قادرةً على مساعدة الناس. في عام 2011، أوضح "مجلس الأخلاق الألماني" في بيان، ساري المفعول حتّى الآن، بأنّ الخلايا البشرية والحيوانية تم خلطها في المخابر منذ عقود. على سبيل المثال، يزرع الباحثون الخلايا العصبية في أجساد حيوانات، من أجل أن يتعرّفوا على كيفية تطوّر أمراض مثل ألزهايمر والشلل الرعاشي. وأكّد "مجلس الأخلاق" بأنّ لهذا ما يبرره ما دامت الفائدة المحتملة على البشر كبيرة، وما دامت الحدود بين البشر والحيوانات لا تزال واضحة المعالم. ولكن يخشى من هذه التجارب لأسباب أخرى، وهي إمكانية تغيّر الخصائص المعرفية للحيوانات نفسها، وبالتالي حصول خلل في النظام البيئي. لكن نشطاء حقوق الإنسان والحيوان، يرون هذه التجارب غروراً بشرياً، وهيمنة على الطبيعة، ومساساً بقدسية الكائنات الأخرى في الطبيعة.

دلالات

تعليق: