خلافات يسار المعارضة التركية ويمينها

الصورة
تعاني الليرة التركية بشدّة بسبب تأثرها بكورونا(Getty)

في ظل انشغال تركيا بمكافحة وباء كورونا، وحصول ما يشبه "الهدنة السياسية" كما في كثير من دول العالم، بدا أن هذا الهدوء انعكس سلباً على التحالفات الحاصلة في البلاد فانشغلت الأحزاب في ما بينها، مع انغماس المعارضة في سجالات سياسية حادة بين أطرافها، بفعل عدم انسجام توجهاتها، رغم توافقها على هدف واحد وهو إسقاط حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، وإقصاء حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ عام 2002 من السلطة. مع العلم أن تلك الأحزاب تمكنت من زعزعة حكمه بالفوز في كبريات المدن التركية بالانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت العام الماضي، من بينها إسطنبول والعاصمة أنقرة.

وبدأت الأزمة داخل المعارضة بين الحزب "الجيد" اليميني القومي وحزب "الشعوب الديمقراطي" الكردي اليساري، مع اتهام رئيسة "الجيد" ميرال أكشنر الحزب الكردي بالاصطفاف إلى جانب حزب العمال الكردستاني المتهم بالإرهاب في تركيا، وبتكريس محاولات الانفصال عن البلاد. وهو ما استدعى رداً من "الشعوب الديمقراطي" عبر القيادي سري ثريا، الذي قال في تصريحات لقناة محلية: "هناك من يرسل لنا وسيطاً يملك الفضول لمعرفة كيفية العمل معاً وكيف يمكن عمل ذلك، ونحن نقول لا يمكن لأي حزب سياسي أن يفرض علينا محددات معينة، وبالتأكيد أقصد الحزب الجيد".

هذا التصعيد المتبادل بين الحزبين جاء بعد 3 سنوات من التحالف غير المعلن، رغم الانتقادات التي وجهت داخل "الجيد" لأكشنر، في ظلّ العلاقة الحسنة بين "الشعوب الديمقراطي" و"الكردستاني"، كما استقال العديد من أنصار الحزب "الجيد" بسبب هذه المواقف، قبل أن تفجّر التصريحات الأخيرة الخلافات. وبدا ذلك واضحاً من تصريح أحد أبرز المستقيلين من "الجيد"، الجنرال المتقاعد علي آيدن الذي برّر استقالته بتعاون الحزب "الجيد" مع أطراف متهمة بسفك دماء المدنيين من الأتراك والأكراد على حد سواء، وهو ما يعتبر من وجهة نظره إهانة للدولة التركية.

وأدت هذه السجالات إلى تبادل الاتهامات في الإعلام والبرامج الحوارية في البلاد، وحاول التحالف الحاكم استغلال هذه النقطة من أجل الهجوم على الحزبين وتحالف المعارضة. وشارك في الهجوم كبار المسؤولين ومن بينهم أردوغان الذي دائماً يهاجم المعارضة ويصف توجهاتها بـ"المعادية للدولة". في المقابل حاولت باقي أحزاب المعارضة حصر الخلاف بين حزبين فيها من دون الدخول في التفاصيل التي قد تؤجج الخلافات أكثر. مع العلم أن التحالف بين "الجيد" و"الشعوب الديمقراطي" مرّ باستحقاقات عدة، مثل الانتخابات البرلمانية في عام 2018 والانتخابات المحلية في العام الماضي.



ويرى مراقبون أن مواقف الحزب "الجيد" غير مستغربة لأنه حزب مركّب من توجهات عدة، ويحاول التقرّب من المجتمع التركي، بعد فشل المعارضة في تقديم أداء كاف للفوز على حزب "العدالة والتنمية" الحاكم طيلة السنوات الـ18 الماضية، رغم الأزمة الاقتصادية، ولهذا فإن "الجيد" يسعى لوضع مسافة بينه وبين "الشعوب الديمقراطي" و"الكردستاني". كما يسعى الحزب للاستفادة من نزيف ربما يحصل بحزب "العدالة والتنمية" بعد تأسيس حزب "المستقبل" بزعامة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، وحزب "دواء" بزعامة نائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان، وتوظيف كل ذلك مع حزب "السعادة" الإسلامي في تشكيل تحالف ثالث في البلاد، يكون قومياً معتدلاً محافظاً، أمام التحالف الجمهوري الذي يقوده أردوغان مع حزب "الحركة القومية"، وأمام تحالف الشعب الذي يضم المعارضة وأبرز أحزابها حزب "الشعب الجمهوري" العلماني الكمالي.

يأتي ذلك في وقت أظهرت فيه نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها شركة "غينار"، ارتفاع أصوات داعمي التحالف الجمهوري الذي يضم العدالة والتنمية والحركة القومية، لتصل إلى 55.2 في المائة بعد أن كانت في الانتخابات الأخيرة 53.7 في المائة. وهو ما يعني أن التحالف الذي خاض الانتخابات البرلمانية قبل عامين لم يخسر من رصيده بل رفع شعبيته. وتضمّن الاستطلاع سؤال لمن تصوّت في حال إجراء الانتخابات الآن؟ فنال العدالة والتنمية 45.4 في المائة من أصوات المستفتين، والحركة القومية 9.8 في المائة. أما "الشعب الجمهوري" فحصل على 23.5 في المائة من نوايا التصويت، و"الشعوب الديمقراطي" على 10.3 في المائة، و"الجيد" على 8.3 في المائة.

استطلاع الرأي شمل قياس الرضى الشعبي عن إجراءات الحكومة في مكافحة كورونا، فأيّد 75.7 في المائة من المستطلعين تلك الإجراءات، وأعرب 76.7 في المائة منهم عن ثقتهم بالنظام الصحي في البلاد الذي تديره حكومة العدالة والتنمية. وذكر الاستطلاع أن الأحزاب الجديدة لم تلقَ حماساً شعبياً كبيراً، مع تصدّر أردوغان لائحة الأكثر الشعبية من بين أبرز 10 شخصيات سياسية في البلاد من مختلف الأحزاب.

ورغم السجالات داخل المعارضة، والنجاح والرضى الشعبي عن طريقة مكافحة الحكومة لفيروس كورونا، يبقى الجانب الاقتصادي خاصرة نازفة لأردوغان وحكومته، مع معاناة الليرة التركية من عدم الاستقرار أمام العملات الأجنبية وتراجعها على نحو كبير في الفترة الماضية قبل استعادة عافيتها. ويلقي أردوغان وحكومته باللوم على جهات أجنبية تفتح حرباً على الليرة التركية، لكن ظهور المسؤولين الأتراك عاجزين عن إيجاد الحل لاستقرار العملة والاقتصاد قد يساعد المعارضة في أي استحقاقات انتخابية مبكرة.



تعليق: