خفض الرواتب ومسمار العجز

17 ابريل 2019
الصورة
اللبنانيون خرجوا للتظاهر رفضاً لخطة خفض الرواتب (حسين بيضون)
وكأن الحكومات العربية لا يكفيها ما يعانيه المواطن من فقر، وبطالة، وبنية تحتية متدهورة، ورداءة في الخدمات العامة خاصة الصحة والتعليم، وقفزات في الأسعار، وزيادات في معدلات التضخم تلتهم ما تبقّى من مدخرات وتأكل الأجور قبل مرور أيام من صرفها.

ولا يكفي الحكومات كذلك ملاحقة المواطن بفرض مزيد من الضرائب والرسوم على الخدمات وخفض دعم السلع والخدمات الضرورية مثل الكهرباء والمياه والوقود.

ولذا راحت تدوس على جرح آخر هو الأخطر من نوعه ويتعلق بالرواتب والأجور، ومسمار جحا الحكومات هنا هو وجود عجز في الموازنة العامة للدولة وزيادة في الدين العام سواء المحلي أو الداخلي، وأن كبار المقرضين الدوليين، وعلى رأسهم صندوق النقد، يشترطون خفض بند الرواتب والأجور في الموازنة مقابل منح قروض جديدة.

جديد هذا الملف ما أعلنه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، قبل أيام، عن اتجاه الحكومة لخفض رواتب العاملين في القطاع العام، قائلا في تغريدة إن "على المواطنين عدم التفكير حصراً في جيوبهم، وإلا لن تبقى رواتب لأحد".

وسبقت تغريدة باسيل تهديدات حكومية تشير إلى المسّ بتعويضات نهاية الخدمة، والمنح التعليمية، والبدلات الإضافية في القطاع العام.
كما سبقها حديث رسمي عن أن خطوة خفض الرواتب تأتي ضمن مساعٍ لخفض عجز الموازنة العامة، كشرط للحصول على قروض خارجية بقيمة 11.8 مليار دولار تعهّدت بها بعض الدول في مؤتمر "سيدر" الاقتصادي الذي عُقد في باريس العام الماضي.

ورد اللبنانيون على هذه الخطط بتنظيم إضراب عام، اليوم الأربعاء، رفضا لسياسات التقشف المحتملة في موازنة العام الجاري 2019، واحتجاجا على المساس بالرواتب وخفضها.

وفي تونس، تم الإعلان، أكثر من مرة، عن اتجاه الحكومة لخفض رواتب موظفي القطاع العام، عبر تقليص كتلة الأجور في الموازنة العامة، حدث ذلك عدة مرات، منها قرار رئيس الوزراء خفض رواتب الوزراء بنسبة 30%، في 10 سبتمبر 2016، في خطوة قيل إنها تهدف إلى تقليص الإنفاق العام واحتواء أزمة اقتصادية خانقة.

كما تم الاتفاق مع صندوق النقد، في نفس العام، على تنفيذ إصلاحات عاجلة، بهدف خفض عجز الموازنة العامة وتقليص نسبة الأجور، عبر تسريح موظفين في القطاع العام، مقابل الحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار مرتبط بإصلاحات اقتصادية.

ومع زيادة الضغوط الشعبية على الحكومة التونسية، تخلت عن تعهداتها لصندوق النقد بتقليص كتلة الأجور في الموازنة، بل وأبرمت اتفاقا مع الاتحاد العام للشغل يقضي بإلغاء إضراب 24 أكتوبر 2018 مقابل زيادة عامة على ثلاث سنوات في رواتب موظفي القطاع العام تصل إلى 205 دنانير (75 دولاراً).
وفي مصر، ورغم إعلان السيسي، قبل أيام، عن زيادة الحد الأدنى للأجور من 1200 إلى 2000 بداية شهر يوليو المقبل، إلا أن ما كشفته وثائق صندوق النقد التي تم الإفراج عنها مؤخرا، تُظهر تعهّد الحكومة المصرية بخفض فاتورة الأجور بنسبة 0.3% من الناتج المحلي الاجمالي، عبر فرض رقابة مشددة على العلاوات والبدلات وعملية التوظيف، وتطبيق قانون الخدمة المدنية الذي أقره البرلمان في أغسطس/آب 2016".

وقد خطت شركات عامة في مصر خطوات في هذا الشأن، مثلاً أعلنت الشركة المصرية للاتصالات التابعة للدولة عن تسريح ألفي موظف طوعياً خلال العام الجاري.

ويتكرر المشهد في بلدان عربية أخرى، منها الأردن وغيرهما، وصندوق النقد الدولي يضغط في هذا الاتجاه، فمثلا في فبراير الماضي حضت المديرة العامة للصندوق كريستين لاغارد الدول العربية على خفض رواتب القطاع العام والدعم الحكومي من أجل ضبط الإنفاق وتحقيق نمو قابل للاستمرار وخلق وظائف.

والمساس بالرواتب أمر خطير في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها المواطن العربي، وفي حال إقدام الحكومات على تنفيذ تهديدها بخفض الرواتب، فإنها تدخل بذلك المجتمعات في قلاقل مجتمعية وربما سياسية.

فخفض الرواتب أو التثبيت يجب طرحه فقط عندما تساهم خطط الحكومات في خفض الأسعار والتضخم، وتوفر السلع والخدمات بأسعار تناسب الدخول، وتخفض الضرائب، خاصة على أجور موظفي الدولة، وتوفر فرص عمل، وتتوقف عن خفض الدعم الحكومي المقدم للوقود والكهرباء، وعن تطبيق الاجراءات التقشفية العنيفة بحق المواطن.

أما أن ترتفع الحكومات الأسعار بمعدلات قياسية ومعها يتم خفض الدعم الحكومي وتتحدث الحكومات عن خفض الرواتب، فهنا يصبح القرار جريمة في حق المواطن الذي يكفي دخله بالكاد نفقاته.
الحلول التي تطرحها الحكومات العربية لمعالجة عجز الموازنة العامة باتت عقيمة وتقليدية، بل ومستفزة، فهي تركز على جيب المواطن، بداية من زيادة أسعار مثل الكهرباء والمياه والسلع الغذائية، ثم زيادة الضرائب والرسوم.

ولم نسمع في المقابل عن خطط حكومية لخفض عجز الموازنة عبر مكافحة الفساد والتهرب الضريبي وخفض الإنفاق العام والتوقف عن شراء الطائرات الرئاسية وبناء مزيد من القصور الرئاسية.

هناك حلول كثيرة بعيدة عن راتب ودخل المواطن، لكن الحكومات تفضل الأسهل، وهو إلغاء الدعم وزيادة الأسعار وخفض الرواتب، ولذا تزيد الفجوة بين المواطن وحكومته، وتتجه الشعوب نحو الثورة على الأنظمة، وما يحدث في الجزائر والسودان عنا ببعيد.