خفايا معركة الموصل: تجارة سلاح وتهريب قادة "داعش"

خفايا معركة الموصل: تجارة سلاح وتهريب قادة "داعش"

26 يوليو 2017
الصورة
أدّت عمليات الفساد إلى إطالة أمد المعركة (Getty)
+ الخط -
مع نهاية معركة الموصل وطيّ صفحاتها الأولى، بدأت ملفات الفساد التي رافقت سير المعارك تتكشف شيئاً فشيئاً، ليتضح حجم الفساد الكبير الذي كان من بين أسباب إطالة أمد المعركة كل هذه الفترة، إذ كشف مسؤولون عراقيون عن إحالة تسعة ضباط كبار من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية، فضلاً عن 30 جندياً على الأقل، إلى التحقيق، بعد ظهور أدلة تؤكد تورطهم بعمليات تمرير مواد غذائية وأجهزة اتصال من نوع "ثريا" إلى داخل الموصل، فضلاً عن السماح بعبور مسلحين إلى خارجها مقابل مبالغ مالية كبيرة كان تنظيم "داعش" يدفعها وتصل إلى 100 ألف دولار في بعض المرات.

ويشرف على عملية التحقيق كل من مديرية الاستخبارات العسكرية وجهاز الاستخبارات العراقي، بعد بلاغ تقدّم به جنود وضباط حول ذلك أكدوا أيضاً أن عمليات سرقة لمنازل ومتاجر الموصليين تمت من قبل عناصر آخرين، إلا أنه لم يتم فتح تحقيق في هذا الموضوع بعد. وتجري عملية التحقيق على درجة عالية من السرية وبأمر من رئيس الوزراء حيدر العبادي، وتم إيقاف الضباط عن العمل واستدعاؤهم إلى بغداد، في واحد من أخطر ملفات الفساد التي تضرب المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية.

وتمكّنت بغداد من استعادة سيادتها على مدينة الموصل بعد معارك طاحنة استمرت أكثر من تسعة أشهر ضد مقاتلي تنظيم "داعش" الذين احتلوا المدينة في العاشر من يونيو/ حزيران 2014 وأعلنوا منها ما عُرف بـ"دولة الخلافة" على كل من العراق وسورية. وأسفرت المعارك عن دمار شبه كامل في المدينة وتسجيل نحو 32 ألف قتيل وجريح في صفوف المدنيين حتى الآن، فضلاً عن خسائر تُقدّر بنحو 100 مليار دولار.

وكشف مسؤول عسكري عراقي رفيع في بغداد، لـ"العربي الجديد"، أن صفقات عديدة أُبرمت بين المتورطين وعناصر "داعش" خلال أشهر القتال وقبلها، خصوصاً مع معارك تحرير الساحل الأيسر ومحاصرة ساحل المدينة الأيمن. وأشار إلى أن مسؤولين محليين متورطون بعمليات تنسيق بين الجيش وعناصر "داعش"، فقد بلغ سعر سيارة "بيك آب" محملة بالغذاء نحو 20 ألف دولار دفعها التنظيم لضباط في الجيش وقاموا بتقاسمها في ما بينهم، موضحاً أن التحقيقات في حال أثبتت ذلك فإن الضباط والجنود سيواجهون تهمة الخيانة العظمى التي تستوجب الإعدام وفق القانون العراقي.

واستمر احتلال تنظيم "داعش" للموصل أكثر من ثلاث سنوات، بينما استمر عمر المعارك الفعلية لتحريرها أكثر من تسعة أشهر، دفع خلالها أهالي الموصل خسائر كبيرة جداً، إذ لا تزال آلاف الجثث تحت الأنقاض، وأخرى تم انتشالها بلغت حتى الآن نحو ألفي جثة جميعها لمدنيين، بينما يعاني نحو مليونين ونصف المليون من أهلها في مخيمات النزوح، في وقت ما زال فيه التنظيم يسيطر على بلدة تلعفر شمال غرب الموصل.

وأوضح المسؤول العراقي ذاته في حديثه لـ"العربي الجديد" أن التحقيق يجري على مستوى عالٍ من السرية وقد يتم استدعاء آخرين ذُكرت أسماؤهم خلال التحقيق مع الضباط والجنود المتهمين، مؤكداً أن أحد الضباط في الشرطة الاتحادية قد يكون سهّل عبور قيادات بارزة في تنظيم "داعش" مقابل مبلغ مالي لا يقل عن ربع مليون دولار، من خلال تمريرهم على شكل نازحين فارين من المعارك من داخل إحدى نقاط التفتيش واختفوا بعد ذلك ولم يُعثر عليهم لا في مخيمات النزوح ولا في سجلات وزارة الهجرة المسؤولة عن توثيق أسماء كل شخص يخرج من الموصل هرباً من القتال.


في السياق، قال رئيس لجنة الأمن البرلمانية، حاكم الزاملي، إنّ "مسؤولين فاسدين وعناصر فاسدة في الأجهزة الأمنية أشرفوا على عمليات تهريب أسلحة ومواد مختلفة لتنظيم داعش، وقاموا بتهريب قذائف هاون وآر بي جي 7 للتنظيم"، مؤكداً خلال مؤتمر صحافي عقده الخميس الماضي أن "بعض الأسلحة التي بحوزة التنظيم صنعت عام 2017". وأضاف: "سقوط الموصل كلّف العراق 50 مليار دولار، واليوم نحتاج إلى 100 مليار دولار لإعادة الإعمار"، مشدداً على "أننا لا نريد تكرار المشهد نفسه مرّة أخرى من جديد".

من جهته، قال مسؤول محلي في محافظة نينوى، لـ"العربي الجديد"، إنّ "بعض القادة العسكريين والسياسيين لم يكونوا يريدون تحرير الموصل، بسبب الموارد الكبيرة التي حصلوا عليها من خلال عمليات التهريب الكبيرة لداعش، والتي حققوا من خلالها مكاسب مالية طائلة"، مبيناً أنّ "عمليات التهريب لم تكن عمليات فردية، أو عمليات على مستوى بسيط، بل هي عمليات على مستوى خطير جداً رافقت سير المعارك في الموصل وسبقتها أيضاً وأطالت أمد المعركة".
وأضاف أنّ "تلك الجهات قامت بتهريب قادة تنظيم داعش من الموصل القديمة، مقابل مبالغ تصل إلى ربع مليون دولار وأكثر لكل قيادي يُسمح له بالهرب"، موضحاً أنّ "العشرات من قادة التنظيم العراقيين والأجانب كانوا محاصرين داخل المدينة، ولكن لم نرهم كأسرى ولم نرَ جثثهم لو قُتلوا".

وأشار المسؤول العراقي إلى أنّ "الحكومة تحقق حالياً مع 38 عنصراً في الجيش والشرطة الاتحادية بخصوص تهريب قادة داعش"، معتبراً أن هذا الفساد تسبب بقتل العشرات من القوات العراقية ومن المدنيين أيضاً. وأوضح أن "تلك المافيات الخطيرة حققت موارد كبيرة جداً من خلال تهريب قادة داعش والأسلحة إلى التنظيم، إذ إن التهريب شمل أنواعاً مختلفة من السلاح وكميات كبيرة من العتاد"، مشيراً إلى أنّ "تلك الجهات تتمتع بنفوذ كبير وسلطة كبيرة في الدولة، ولا أحد يستطيع محاسبتها، على الرغم من كشف اللجنة الأمنية البرلمانية لها".

ويؤكد مراقبون أنّ "دعم تنظيم داعش بالسلاح والعتاد يرقى لأن يكون جريمة خيانة عظمى، لكن المشكلة تكمن في أنّ القضاء العراقي مسيس ولا أحد يستطيع محاسبة تلك الجهات التي أبرمت صفقاتها مع التنظيم". وقال الخبير السياسي، رافع المحمدي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "هذا الملف بالتأكيد سيطوى ويُغلق من دون أن يتم فتحه أو التحقيق به، لأنّ الجهات المشرفة عليه هي جهات كبيرة وتعدّ فوق القانون"، مضيفاً: "لقد رأينا كيف طُوي ملف سقوط الموصل، والذي دانت لجنة التحقيق فيه عدداً من المسؤولين والضباط، وعلى رأسهم رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، وكيف تم تجاوزه وإغلاقه بشكل كامل على الرغم من المطالبات بفتح الملف". وأكد أنّ "هذا الملف سيُغلق أيضاً كسابقه، وأنّ المسؤولين عنه سيبقون يمارسون مهامهم ومسؤولياتهم ومناصبهم، من دون أي محاسبة".

المساهمون