خط السيسي الأحمر

24 يوليو 2020
الصورة

تكمن "عبقرية" الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في أنه يتحرّك في الزمان والمكان غير المناسبين، ففي وقت كان المصريون والعرب ينتظرون منه موقفا حازما بصدد قرار إثيوبيا بدء عمليات ملء سد النهضة، أعلن البرلمان المصري أنه أجاز إرسال قوات مصرية إلى ليبيا. الأمر الذي من شأنه تعقيد المسألة الليبية أكثر مما هي عليه، ومن ذلك أنه سوف يُبعد فرص الحل السياسي، ويهدّد بتسعير النزاع المسلح نحو مديات خطيرة جدا، قد تدفع نحو تقسيم ليبيا، حسب تقديراتٍ كثيرة توصل إليها خبراء في الشأن الليبي، انطلاقا من خلفيات تهديدات السيسي التي اعتبر فيها تجاوز قوات حكومة الوفاق الشرعية سرت والجفرة خطّا أحمر. وتناولت بعض وسائل الإعلام هذا الموقف بالقراءة والتحليل، كونه يحمل دلالة أكثر خطورة، فهو يبدو نواة لمشروع تقسيم ليبيا. وبرز إجماع على أن الخط الأحمر قد يكون خط دم طويلاً، ولكنه يمكن أن يصبح خط حدود بين الليبيين، ويقود إلى تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم، برقة في الشرق وتشمل طبرق وبنغازي، وطرابلس في الغرب، وفزّان في الجنوب. ولكن حتى وفق هذا التقسيم، فإن سرت والجفرة جزء من أقليمي الغرب والجنوب، وليستا تابعتين للشرق، حيث تسيطر قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ويبدو أن إرسال قوات مصرية رسمية إلى ليبيا هو بمثابة السلاح الأخير الذي سوف يزجّه التحالف الداعم لحفتر في معركة المواجهة مع قوات "الوفاق"، وذلك بعد أن مني بهزائم كبيرة خلال الأشهر الماضية، تمثلت بخروج مدن الساحل الغربي من تحت سيطرته، بالإضافة إلى قاعدة الوطية ومدينة ترهونة، وتقدّم قوات الوفاق لاستعادة سرت وقاعدة الجفرة، إلا أنها تريثت بانتظار مساعي الحل السياسي من خلال استئناف مسار برلين.

وفي الأحوال كافة، لن يكون قرار مصر زجّ قواتها في ليبيا أمرا سهلا، بل هو عملية معقدة، سوف تكون خاضعةً لاعتبارات كثيرة، أولها حسابات الدول التي شاركت في مؤتمر برلين في يناير/ كانون الثاني الماضي، وفي مقدمتها دول أوروبا الغربية التي حاولت أن تستعيد الملف الذي بات بين أيدي روسيا وتركيا، وأكثر دول أوروبا انشغالا بالقضية الليبية هما فرنسا وإيطاليا، ففي حين تقف باريس إلى جانب حفتر، تبدو روما ميّالة إلى جانب حكومة الوفاق وأنقرة. ومن دون شك، تركيا وإيطاليا لن تقفا موقف المتفرّج حيال أي تصعيد جديد، وظهرت بوادر ذلك في ردود أفعال كل منهما من خلال تأزم الموقف الفرنسي التركي، وتقدّم التنسيق الإيطالي التركي.

وفي وقت أبدت روسيا تأييدا واضحا لتدخل الجيش المصري في الصراع الليبي، فإن هذا التدخل لا بد أن يصطدم بدور تركيا التي تدعم قوات "الوفاق"، ولا يوجد ما يمنع من حصول مواجهة عسكرية مصرية تركية، وهو ما يزيد النزاع تعقيدا بسبب تداخل المواقف الدولية. وبينما يبدو توازن القوى العسكري قائما بين مصر وتركيا، فإن إرسال مصر قوات إلى الأراضي الليبية سوف ينعكس سلبا على أوضاع مصر الداخلية، سيما أن القاهرة تواجه عدة أزمات معقدة، ومنها قضية سد النهضة.

وفي الشأن الليبي الداخلي، إن واحدةً من أخطر المسائل وأكثرها حساسيةً لعب حفتر ورقة القبائل، فهو سبق له أن دفع بعضها في مطلع العام الحالي إلى إغلاق مؤسسات إنتاج النفط وموانئ تصديره، وزجّها بشكل أكبر في النزاع، حين أرسل وفدا منها إلى مصر في الآونة الأخيرة تحت شعار الطلب من السيسي أن يتدخل عسكريا في ليبيا. وفي الحالين، هذا توريط للقبيلة، وضرب للوحدة الوطنية، وفتح الباب واسعا أمام الحرب الأهلية.