خطوة جريئة في إثراء الدراسات التاريخية العربية

02 مايو 2016
الصورة

من مخطوط لمقامات الحريري محفوظ في فرنسا (Getty)

كان وسيبقى للمركز العربي للأبحاث ودراسة الدراسات، منذ تأسيسه، دوره الفعال في إثراء الدراسات التاريخية العربية الجديدة، إذ انعقد المؤتمر السنوي الثالث للدراسات التاريخية 22- 24 نيسان/ إبريل 2016 في بيروت، وذلك بمحتوى متنوع ومكتنز تحت عنوان "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ - الإجابات الممكنة"، بمشاركة نخبةٍ ذكيةٍ من المؤرخين المتخصصين العرب، وبجهود مكثفة بارعة قدمها الزميل المؤرخ وجيه كوثراني وفريق عمله المثابر. فكانت أوراق المؤتمر، وما دار فيه من حوارات رائعة بمثابة خطوة جريئة في إثراء الدراسات التاريخية العربية.
بشأن غنى المحتوى وتعدّد الموضوعات وتنوع ألوان المعرفة التاريخية بين التأريخ (Histography) والتاريخ (History)، فالمؤتمر حقاً، حلقة متطورة لمؤتمرين سبقاه: التأسيسي الأول 2014، والسنوي الثاني 2015.
وجدنا أنفسنا اليوم أمام نخبة مؤرخين، تدرك أن ليس هناك من طريقة واحدة، أو منظور واحد لكتابة تاريخنا، وقد طرحت مفاهيم عديدة عن التحولات التاريخية العربية. وجاءت مضامين الورقة الخلفية للمؤتمر، واضحة المعاني وعميقة المقاصد بتأسيس تاريخ عربي شامل للعرب، بعد أن أتخمت ثقافتنا بالتواريخ الإقليمية أو الوطنية، مع حاجتنا الماسّة إلى العقلية العلمية والممارسة النقدية لكل ما أنتجه المؤرخون العرب المعاصرون في هذا المجال. دعا المؤتمر إلى استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي، وتواريخنا المشتركة مع أمم أخرى وحاجتنا إلى كل أنواع الوثائق ومصنفاتها، إذ تكمن أهميتها في تبديل فهم التاريخ وكتابته جذرياً في كل حقول الحياة.


النزعة السياسية في كتابة التاريخ العربي
من الضرورة أن ندرس تواريخنا من منظور التاريخ العالمي والانفتاح على الثقافات الأخرى والمنهجيات المتطورة، فالعالم اليوم غدا تحت مظلة العولمة، وحاجتنا كبيرة إلى حوارات متنوعة مع العالم، وعلى المؤرخ الناجح التحلّي بأحاسيس رقيقة تمنحه الشفافية في التعامل مع الآخرين. تداول المؤتمرون فكرة أخرى، تخص الأحادية التاريخية المبكرة للحركة القومية العربية، ونقدها، إذ لم تكن حركة متكاملة، بل تناصفها العرب في مواجهتهم العثمانيين بين الولاء للسلطان من طرف والولاء للغرب من طرف آخر. وعليه، لا وجود للقومية العربية المبكرّة في ظل العثمانيين. وانتقدت تجربة كتابة التاريخ الرسمي العربي انتقاداً مريراً، وخصوصاً تجربة جامعة الدول العربية التي عمل فيها عشرات من المؤرخين العرب، وقد أخفقت مراراً، لكنها ولدت عملا اعترف الجميع بهشاشته وضعفه، بعد أن جرى تنفيذه وتمويله من الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، وكان "المشروع" قد لازمته اعتراضات بعض الدول العربية وخلافات عميقة بين المؤرخين العرب، فخرج كسيحاً في المنهج والمضمون.
وعولج موضوع "التحقيب التاريخي"، سواء إزاء الربيع العربي الذي ترك تأثيراً ثقافياً عربياً حتى بعد استلابه، وعد الابن الشرعي للتحوّلات العالمية، بناء على ثلاثة مؤشرات، وهي: مقولة النهايات، والعصر الرقمي، إضافة إلى مسألة الهويات التي مرّت بها الهوية المركبة أو الهجينة أو العابرة للقارات، كما درس "التحقيب" كمشكلة في تاريخنا، مع تمكّن تجارب العالم منه! وتدارس المؤتمرون "الزمن الفائت – صراعات الثورة والذاكرة والعدالة في مصر"، والحاجة إلى تحقيبها كتاريخ جديد عمل على خلخلة الماضي، عبر الحراك الثوري اليومي. ثم انتقلنا إلى درس "الحضارات القديمة في البلاد العربية ومسألة تكوين الهوية التاريخية لأمة العرب"، ودور الأركيولوجيا الغربية وغيبوبة المؤرخين العرب عن تاريخهم الذي كتب الغربيون أغلبيته. أما منهجية التأريخ العربي، فكانت ضعيفة لغياب المؤسسات العلمية المماثلة لتلك الموجودة في الغرب. ثم تمّ التركيز على التاريخ الاقتصادي الذي جاء اهتمام المؤرخين العرب به متأخراً، علما أن المؤرخ عبد العزيز الدوري أول من فتح هذا الميدان عقب الحرب العالمية الثانية. وجرى الحديث عن "كتب النوازل مصدراً للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب والأندلس" (النوازل تعني الفقهاء والقضاة في القضايا اليومية الحياتية).
كنت أتمنى مخلصاً أن تتم دراسة نماذج شخصية عديدة، وفهم تجارب الرواد العرب المحدثين. ولكن، اقتصر على فهم تجارب كل من المؤرخ جواد علي، في ريادته تاريخ ما قبل الإسلام، والمؤرخ كمال الصليبي في منهجيته درس التوراة، كونها "جاءت من جزيرة العرب"، وكل من تجربتي مقاربتين للمؤرخين فيليب حتي وألبرت حوراني في كتابة التاريخ العربي. وأتمنى مخلصاً أن تعالج تجارب أخرى لمؤرخين، كان لهم باعهم في الريادة والتميّز والإبداع.
وتعمّق المؤتمرون في "مسائل واتجاهات في التواريخ الوطنية: إشكاليات الجزئي والعام والمقارن"، وأبحروا ليجدوا أن أقرب العلوم إلى التاريخ هو علم الاجتماع .. ومررنا بتحقيب الكتابة التاريخية في لبنان إبّان القرن العشرين"، حسب مراحل: الحرب الأولى، إعلان لبنان الكبير، الانتداب الفرنسي، الاستقلال ، والحرب الأهلية 1975، وفترة ما بعد الحرب. سادت منذ البدايات النهضوية تجربة الآباء اليسوعيين، ثم رجال الدين المارونيين، وبعدهم القوميون اللبنانيون الفينيقيون أو السوريون، ثم الماركسيون والعروبيون والإسلاميون. ولكن، تفوق الأكاديميون على هؤلاء جميعاً، ممثلين بالمؤرخ أسد رستم. ثم تعمق المؤتمرون في "تاريخ العرب الحديث: بين التقسيم الإقليمي والتهميش المذهبي والإثني واستخدمت الإباضية مثالاً"، فالتفتنا إلى منهجية تربط المناطق بعضها ببعض. ثم تعرّفنا على تهميش المجتمعات الإباضية. ثم التفتنا إلى إشكاليات وجهة النظر السردية الطائفية في التأريخ للحملات المملوكية على كسروان". بين عامي 1292 و1305م، وهي مرحلة التحول التاريخي من الصليبية إلى المملوكية، وكيف انشغل بعض المؤرخين اللبنانيين بديموغرافيتها وتأثيراتها الطائفية التي استمرت حتى اليوم.
أبحرنا في موضوع "إنتاج المعرفة التاريخية في المغرب بعد الاستقلال عام 1956"، بوجود طفرة بوصول عدد المؤرخين الأكاديميين في المغرب فقط إلى أكثر من 300 مؤرخ محترف. مع اتجاهاتهم خلال الأربعين سنة المنصرمة، وتعرفنا على "كتابة تاريخ المغرب وتحقيب الزمن الطويل". ويعد التحقيب إشكالية تاريخية عربية وعالمية عموماً، وهو يرتبط بابتكار المؤرخ وموسوعيته. أما "مسألة الدولة في الإستغرافيا التونسية الحديثة: سياقات ومقاربات"، فتم تركيز بعض المؤرخين على الدولة أواخر القرن التاسع عشر وبداية دخول الاستعمار. فالدولة لم تزل تشكل هاجساً بحثياً عربياً، كونها ترتبط بشكل الهويات الوطنية والمواطنة وسواها، لقد بدت الدولة منظومة عنف على المجتمع، وهي بالنسبة إلى هؤلاء المؤرخين الأوائل حديثة وأجنبية. أما "أزمة كتابة التاريخ الوطني في موريتانيا"، فتتعلق أسبابها بمواقف الإسلاميين من التأريخ الديني، ومواقف القوميين من الخلاف حول التاريخ الوطني، إضافة إلى سبب جوهري يتعلق بالقبائلية التي تسود المجتمع. أما "الكتابة التاريخية في العراق"، فتمّ التركيز في سياقات الكتابة التاريخية على معيارين مميزين، ضمن السياقات السياسية المتغيرة. وتشكل الأنماط الراسخة فيها: الوطني، والقومي، والماركسي، ونمط الإسلاميين، والنمط الطائفي بعد 2003. أما "تحولات الكتابة التاريخية في مصر المعاصرة" على مدى قرن، فكان هناك تمجيد البطل الفرد، وتوظيفه في خدمة السياسات، بعيدًا من المسائل الاقتصادية والاجتماعية. وانتهى ذلك مع 1952، ونشأ تاريخ مصر الاجتماعي، بتأثير جمال عبد الناصر. ثم الالتفات إلى هوية مصر العربية، مع تحول آخر حصل بعد وفاة عبد الناصر، إذ قفز مؤرخون من ماركسيين ليصبحوا إسلاميين. أما الأردن المعاصر: "التاريخ الوطني واتجاهات التدوين"، فسيتم الاحتفال هذا العام بذكرى مرور مائة عام على الثورة العربية الكبرى. ولكن، لم تحصل في الأردن تغييرات جذرية في السياق الرسمي، ما ألقى بظلاله على كتابة التاريخ فيه. وانتقلت اتجاهات كتابة التاريخ هناك من مرحلة اليقظة العربية وثورتها إلى مرحلة الكتابة عن تاريخ الأمير والإمارة، تلاها مرحلة الاهتمام بالأردن.


الغرب يكتب تاريخ العرب
تابع المؤتمرون شؤون "الغرب الإسلامي بين البحث التاريخي العربي والغربي"، بانتقاد الدارسين الغربيين المحدثين، إذ وصفهم مكسيم رودنسون "أنهم يعيشون في غيتو". ثم تم التوغل في "تاريخ إفريقيا الشمالية والمدارس الفرنسية المعاصرة"، وإن للتاريخ وظائف معرفية عدة، اجتماعية وانتقادية ونسبية. وللأسف، طغى التاريخ السياسي الرسمي على هذه النواحي. وأشير إلى أن ابن خلدون ومارك بلوخ قد طرحا على المؤرخ انفتاحه على الآخر، وسيره في اتجاه العلوم الإنسانية، ويهتم بكل ما هو جمْعي، ويلتزم الإيقاع البطيء على حساب الحدثي السريع، وضرورة طرح أسئلة كبرى، مع الإشارة إلى الفارق الزمني البالغ بنحو أربعمئة عام بين ابن خلدون والمؤرخ مارك بلوخ. ووقفنا أمام "صورة البيزنطيين في الحضارة العربية من خلال اللغة"، وهل في الإمكان كتابة تاريخ العرب بمعزل عن تاريخ الآخر، وكيفية استخدام العرب كلمات من البيزنطيين، وكيف تشكّلت صورة البيزنطيين عند العرب، ومنها الاعتبار الديني. وناقش المؤتمرون "الذاكرة والتاريخ وحقل المنبوذ والمطموس"، وتم طرح "الإستغرافيا العربية المعاصرة بين التاريخ والذاكرة – المغرب نموذجًا"، التي تشكّل جدلية وحقلًا جديدًا، مع اتساع الموضوع في المغرب، بعد بدء هيئة الإنصاف والمصالحة أعمالها في عام 2004 لطيّ ذاكرة الإساءات الفظيعة بحق المواطنين. يهتم هذا التاريخ بالسرد والمجالس السياسية وتقديس الأسطورة والهوية ويعكس أيديولوجيا السلطة. لذا، أغلب هؤلاء المؤرخين فاعلون سياسيون، ويمكن القول إنّ هذا الصنف من التأريخ نوع من الأسطورة التربوية. ثمة أنماط في كتابة تاريخ المغرب بدأت منذ ما قبل الاستعمار في محاولة استعادة هوية المغاربة وذاكرة البلاد، ما أنتج إشكالية الذاكرة والتاريخ وثنائية المؤرخ والحدث، مع صعوبة مواجهة الموضوعية، بسبب استقصاء الذاكرة، وانتقائية الأحداث والمرويات. وعليه، لا بد من اعتماد مقاربة تصالحية بين الذاكرة والتاريخ. أما "كتابة التاريخ في الجزائر بين إحياء الذاكرة والبحث الأكاديمي"، فهل كانت هناك مدرسة تاريخية فيها؟ إنها أيضاً إشكالية الحدود بين الذاكرة والتاريخ، لكنهما يتكاملان ويتعارفان في آن. الذاكرة تفرض المقدس، في حين يحلل التاريخ بمنهج علمي، ورؤية نقدية واعتماد التحولات الزمنية في قراءته. فهل المؤرخ وحده يكتب التاريخ؟ وانتقلنا إلى "الميثولوجيا (الأسطورة) والتاريخ: نماذج للتحليل والاختبار"، فعرفنا أن النص الميثولوجي غالباً ما يكون هامشياً في كتاباتنا التاريخية. وأنّ الإنتاج الميثولوجي هو التعبير الحقيقي عن مخيال المجتمع. ودخلنا إلى عالم السير الشعبية مصدراً لقراءة تاريخ فتح مصر"، فسلط الضوء على السيرة في الحضارة العربية الإسلامية ومجال نظرتها إلى الآخر، وهل تصلح هذه السيرة لقراءة التاريخ. وانتقلنا إلى "تاريخ المهمشين في الإسلام المبكر: قراءة نقدية جديدة لسير بعض الصحابة"، وتم التساؤل عن المشروعية ومقتضيات التاريخ ومركز الحماية في التأريخ للإسلام، فشهادتهم كانت بمنزلة شهود على الوحي والعاملين على النقل، ما أبعدهم عن المساءلة. ثم تساءلنا : "ابن خلدون في خطاب الهوية السودانية"؟ والالتفات إلى السياسات والأمزجة التي ترتبت عليها اهتزازات وشرعيات خدمت السلطة في استفادة بعض أركانها من ابن خلدون.
أما بشأن "الواقعة في تقاطع المنظورات ودخول العرب إلى أفريقيا"، فقد تم التركيز على إعادة ترتيب القيم الأخلاقية والحضارية والتدقيق في السردية الجماعية. وانتقلنا "نحو مداخل منهجية وأدوات جديدة لتأرخة المطموس: تأريخ النبذ والإقصاء نموذجًا"، وهي جملة تحديات في كتابة تاريخ الحقل الاجتماعي، وثمّة آليات عملية الطمس وتهميش الأخبار بأدوات تقوم بها السلطة أو المحسوبون عليها من بعض الأكاديميين، وكيف يتم ما يسمى الطمس الناعم الذي يمارسه المؤرخ مدلساً، وخصوصاً في عمله بالأرشيفات، واللجوء إلى تغييب أحداثٍ لا تريدها السلطة، أو من خلال العبث بالوثائق الرسمية بشطب فقراتٍ فيها. وهذه من أخطر الحالات التي أعتقد أن دولاً عربية عدة تمارسها خفية أو علانية، من دون أي وازع أخلاقي.


تاريخ العلوم العربية
وأخيراً، ثمة معالجة لـ "إشكالية التأريخ العربي لثقافة العلوم"، إذ اشتمل الإنتاج الثقافي العلمي في مجتمعاتنا الكلاسيكية آلاف على المخطوطات العلمية في بيئاتٍ واسعةٍ، تمتد من حدود الصين وحتى الأطلسي ثمانية قرون. وقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة نمواً ملحوظاً في الدراسات التفصيلية لمجموعة كبيرة من المخطوطات العلمية العربية، فأضافت معرفة في العلوم الإسلامية المختلفة، لكن التأريخ الثقافي الشامل لم يزل يعاني من التبسيط والتسطيح والتمجيد والتفخيم. ثمّة مقاربات تؤكّد التعارض بين العلمي المتخصص والثقافي العام السائد في مجتمعاتنا التي لم تزل تعاني من انحطاط الثقافة العلمية. بهيمنة سؤال الانحطاط أو الانحدار على سائر أسئلة التأريخ. وبذلك، تنحدر ثمانية قرون من الإبداعات العلمية إلى مجرد النفاذ الأبله عبر عدسة الانحطاط التي تسيطر على تاريخنا العربي اليوم.
من جانب آخر، "العلوم العربية والمركزية الأوروبية الجديدة: إشكاليات التأريخ العربي للعلوم في الحضارة الإسلامية". تعد موضوعاً حيوياً أمام هاجس المؤرخين العرب، في الرد على آراء الأوروبيين، أنّ مؤرخي العلوم العرب ركّزوا جهودهم على تبيان الدور العربي المحوري في صناعة النهضة الأوروبية، بوصفه هدفاً أساسياً لمشروعهم، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا ساهموا في صناعة النهضة الأوروبية، ولم يساهموا في نهضتهم؟ من أهم الأمور تجاوز التناقضات الدينية – العلمية، بفصل المسائل والإنجازات العلمية عن الدين والمقدس، وينبغي إعادة كتابة تاريخ العلوم العربية على خطوط التماسّ مع المركزية الأوروبية.