خطر المعتقلين السابقين يزعزع حرب المغرب على الإرهاب

06 مارس 2020
الصورة
سمعة جيدة لسياسة مكافحة الإرهاب بالمغرب (فاضل سنة/فرانس برس)

يطرح اعتقال السلطات الأمنية المغربية، يوم الإثنين الماضي، خليّة إرهابية جديدة، يتزعمها معتقلٌ سابق بتهم الإرهاب، تساؤلاتٍ حول مدى نجاعة المقاربة المغربية في إعادة إدماج فئة المعتقلين السابقين في المجتمع. فبعد سنواتٍ من اتّباع المغرب استراتيجيةً شاملة لمحاربة التطرف، تقوم على الاستباق الأمني، وتعزيز التنمية الاقتصادية والبشرية وضبط الحقل الديني، بات كشف المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عن دلائل تُظهر تورط معتقلين سابقين في التحضير لأعمال إرهابية، أمراً متكرراً خلال السنوات الأخيرة، كما هو الحال، اليوم، مع اعتقال الخلية الإرهابية التي كانت تنشط في مدينة سيدي سليمان، غرب البلاد.

وفي الوقت الذي أكدت فيه التحريات الأولية أن زعيم الخلية سبق أن اعتُقل عام 2014 بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، على خلفية تفكيك خلية كانت تنشط في تجنيد وإرسال مقاتلين للالتحاق بصفوف الفصائل الإرهابية في الساحتين السورية والعراقية، تبدو الأجهزة الأمنية والاستخبارية ومؤسسات الدولة المنخرطة في الحرب على الإرهاب أمام تحدٍ جديد، بعدما ثبت لها، مرةً أخرى، استمرار الخطر الإرهابي وامتداده مع معتقلين قضوا عقوبات بالحبس، ولم يدفعهم السجن إلى مراجعة أفكارهم، بل عادوا للنشاط مجدداً بأهداف أكبر ومخططات دموية أخطر.

صحيحٌ أن النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب "له سمعة جيدة في المنطقة، بحيث أصبح يلهم الكثير من الدول"، بحسب ما نشره المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب هذا الأسبوع، كما أنه حظي بإشادة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي الأخير حول مكافحة الإرهاب في العالم، إلا أن العديد من المراقبين يطرحون أسئلةً حول مدى نجاعة سياسة المملكة في إعادة إدماج المعتقلين السابقين.

بلغة الأرقام، كشف تقرير صادرٌ العام الماضي عن مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن "15 في المائة من قيادات الخلايا المفككة من قِبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، هم معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب ما بين 2015 و2018، مقابل 73 في المائة كانت لهم صلة مباشرة بأفرادٍ من تنظيم داعش موجودين في سورية أو العراق أو ليبيا، و12 في المائة من العائدين من إحدى هذه الساحات".

وبرأي الباحث في الشأن الديني، رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام، عبد الوهاب رفيقي، فإن "الخطر الإرهابي في المغرب يبقى قائماً، على الرغم من كل الإجراءات الأمنية المتبعة، ما لم تتم معالجته على المستوى الفكري، من خلال تجفيف منابع الفكر المتطرف وأصوله واقتلاع جذوره". ويلفت رفيقي إلى أن الأمر "غير متعلق بالحالة المغربية فقط، إنما هي حالة عالمية، فالإرهاب لا يزال يشكل خطراً على المستوى العالمي، ومحاربته لا تزال قائمة كذلك".

ويعتبر رفيقي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "التعاطي المغربي مع خطر الإرهاب ناجح جداً على المستوى الأمني، بيد أنه على مستويات أخرى يحتاج إلى عملٍ أكبر"، فـ"على المستوى الديني وتشكيل الأفكار الدينية مثلاً، ينبغي بذل جهود مضاعفة، لبلورة رؤىً وتصورات للمعالجة أكثر تطوراً". وبرأيه، فإنه "يلزم أيضاً العمل بشكل أكبر على المستوى الثقافي من قبل الدولة والمجتمع المدني، وتحديداً على القيم التي تُحارب الفكر المتطرف، وتحصّن الشباب من الوقوع في براثن الجماعات المتطرفة".

وبحسب الباحث في الشأن الديني، فإن "انخراط معتقلين سابقين في أعمال إرهابية جديدة ينبغي أن يجعل إعادة النظر واجبة في القضايا المتعلقة بالتعامل مع أولئك المعتقلين". ويلفت في هذا الإطار، إلى أنه إذا كان برنامج "مصالحة"، الذي أطلقته المندوبية السامية للسجون وعهدت به إلى الرابطة المحمدية للعلماء، قد أثمر في السنوات الأخيرة بعض النتائج، إلا أن عودة بعض هؤلاء المعتقلين إلى العمل المتطرف والإرهابي تشير إلى حاجته إلى التطوير، وأن جهوداً أخرى ينبغي أن تبذل على مستوى المعتقلين في هذا الملف، أو حتى بالنسبة لمتابعتهم بعد مغادرتهم للسجن.


وطبقت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بشراكةٍ مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، في العام 2017، برنامج "مصالحة"، الذي يسعى إلى "أنسنة" وتحسين ظروف الاعتقال، وتأهيل السجناء لإعدادهم للإدماج في المجتمع. ويعمل البرنامج على محاربة التطرف العنيف بالاعتماد على التربية الدينية، والمواكبة النفسية، وتنظيم ورشات عمل تعنى بالقانون ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتقديم تأطير سياسي - اقتصادي، وذلك في سياق السعي لتمكينهم من الخروج من دائرة التطرف ونبذ العنف بكل أشكاله عبر المصالحة مع الذات، والمصالحة مع المجتمع، والمصالحة مع النصّ الديني.

وعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية، بلغ مجموع المستفيدين من البرنامج 150 من سجناء التطرف والإرهاب، يشكلون نحو 30 في المائة من مجموع سجناء التطرف والإرهاب الصادرة في حقهم أحكام نهائية، فيما استفاد 62 سجيناً من العفو الملكي، بعد التأكد من "تخليهم عن الأفكار المتطرفة، واحترامهم لمقدسات البلاد ومؤسسات الدولة"، وفق إحصاءات رسمية.

ولئن كان نجاح المغرب في اعتقال عددٍ كبير من الخلايا، يعطي "صورة واضحة" عن حجم الجاهزية واليقظة الأمنية والاحترافية والكفاءة العالية التي تستند إليها التجربة المغربية، إلا أن حالة العودة بالنسبة لبعض المتطرفين الذين سبق اعتقالهم تشير، وفق الباحث المتخصص في قضايا الجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي، إدريس الكنبوري، إلى جانب من مسؤولية الدولة جراء تغليبها الهاجس الأمني على حساب الجوانب الثقافية والفكرية والدينية والسيكولوجية والاجتماعية، خلال مواجهة التطرف والإرهاب في المغرب منذ بداية هذه الظاهرة عالمياً.

كما أنها تكشف، وفق الكنبوري، عن جانبٍ شخصي يدل على أن بعض المتطرفين قد يزدادون تطرفاً في مرحلة ما بعد قضاء مدة الاعتقال، بسبب ما وجدوه من صعوبة في العودة إلى الحياة الطبيعية العادية السابقة، لظروف مختلفة.

ويذهب الباحث، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن العديد من المعتقلين السابقين الذين غادروا السجن لم يجدوا أي إمكانية لإعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي بسبب غياب أي سياسة اجتماعية من هذا النوع لدى الدولة، والنتيجة أن بعض هؤلاء يشعرون بأنهم متخلى عنهم وغير مرغوب فيهم من الدولة، كما أن المجتمع يرفضهم ويرفض التعامل معهم بسبب تهمة الإرهاب التي تلاحقهم.

ووفق الكنبوري، فإن أمثال هؤلاء يظلون يعيشون في وسط المجتمع تحت الإكراه، ويعانون حالة من "التطرف المكبوت" أو التطرف الصامت، الذي يبحث عن أي فرصة للانفجار والتعبير عن نفسه، "وهذا ما نلاحظه في بعض حالات العودة التي حصلت في السنوات الماضية منذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003"، لافتاً إلى أن مشروع المصالحة الذي أطلقته المندوبية السامية للسجون وعهدت به إلى الرابطة المحمدية للعلماء، "فاشل من الأساس، لأن استمرار هيمنة الهاجس الأمني يجعل تعاطي المعتقلين مع المشروع خاضعا أيضا لهذا الهاجس، بمعنى أنهم سيرون فيه مشروعا أمنيا أكثر من أنه مشروع فكري ديني واضح، وبالتالي لن تكون هناك حرية وتلقائية في التعامل معه".

وأوضح المتحدث ذاته، أن "المعتقلين في غالبيتهم يريدون مغادرة السجن فقط، ولا تهمهم المراجعة ولا المصالحة إلا كوسيلة لهذا الهدف، لذلك فهم مستعدون للرد على جميع الأسئلة بما يناسب هذا الهدف، مما يفتح الباب أمام حوار الطرشان"، مشيراً إلى أن "المصالحة لا يمكن أن تنجح في ظلّ غياب سياسة اجتماعية لإعادة الإدماج، إذ حتى لو كانت نية المعتقل واضحة وإيجابية، فإنه سيصطدم بعد خروجه من السجن بنفس الأوضاع التي اصطدم بها معتقلون سابقون أفرج عنهم بدون أي مشروع للمصالحة".