خطة ترامب لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي .. الخطوط العامة ودلالات التوقيت

03 فبراير 2020
الصورة

ترامب يعلن الخطة ونتنياهو يصفق في البيت الأبيض (28/1/2020/Getty)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، تفاصيل الشق السياسي لخطتها لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، المعروفة إعلاميًا باسم "صفقة القرن". وجاء هذا الإعلان بعد نحو ثمانية أشهر على نشر واشنطن الشق الاقتصادي من الخطة بعنوان: "السلام من أجل الازدهار"، في ورشة عملٍ عقدت في العاصمة البحرينية، المنامة، في حزيران/ يونيو 2019. وبهذا تكون معالم خطة إدارة ترامب لسلامٍ مفترض بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد اكتملت ملامحها، بعد ثلاث سنوات من الحديث المتواتر عنها. وقد تمَّ جمع الشقين، السياسي والاقتصادي، للخطة بعنوان: "السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي".
الإطار العام للخطة
جاءت الخطة، في شقيها السياسي والاقتصادي، في 181 صفحة، وتتضمن 22 قسمًا تغطي حزمة واسعة من القضايا، مثل: الطموحات المشروعة للطرفين، ومفهوم حل الدولتين، ووضع القدس، والسيادة، والحدود، والأمن، واللاجئون، والمعتقلون، والمعابر، وقطاع غزة، والتبادل التجاري. أما في الجانب الاقتصادي، فإنها تشير إلى سعيها إلى تأمين استثمارات دولية بقيمة أكثر من 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، ضمن مقاربةٍ لتحقيق اندماج اقتصادي إقليمي. وتشتمل الخطة على أربعة ملاحق، يتضمن الأول الخرائط المقترحة لحدود الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية، ويعالج الثاني الاعتبارات الأمنية لإسرائيل، وخصوصًا لناحية سيطرتها المطلقة على منطقة غور الأردن، في حين يتضمن الثالث المعايير الأمنية التي ينبغي للدولة الفلسطينية المفترضة أن تلتزمها في محاربة الإرهاب. أما الملحق الرابع، فيرسّخ السيطرة الإسرائيلية الأمنية المطلقة على الدولة الفلسطينية "منزوعة السلاح"، بما في ذلك حقّها في التعامل المباشر مع أي تهديداتٍ تراها داخل حدودها. كما أنه يؤكد سيطرة إسرائيل على المعابر الدولية مع كل من الأردن ومصر، فضلًا عن تحكّمها في المياه الإقليمية للدولة الفلسطينية المقترحة.
أبرز البنود
1. طبيعة الدولة الفلسطينية
بعنوان فرعي "حل واقعي لخيار الدولتين"، تعرض الخطة على الفلسطينيين دولةً منقوصة السيادة، مقيّدة بحدود الأمن الإسرائيلي، منزوعة السلاح، مقطّعة الأوصال، تصل بينها جسور 
وأنفاق تحت إشراف أمني إسرائيلي. لكن حتى هذه الدولة مشروطةٌ باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة يهودية، ورفض ما تعدّه إسرائيل "الإرهاب بأشكاله كافة" ومحاربته، والقبول بترتيباتٍ خاصةٍ تلبي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل، بما فيها القيام بعملياتٍ أمنيةٍ داخل حدود الدولة الفلسطينية. كما تشترط الخطّة على الفلسطينيين القبول بالمسؤولية الأمنية الإسرائيلية وسيطرتها على المجال الجوي غرب نهر الأردن. وتلمّح الخطة إلى مسؤولية الدولة الفلسطينية في التصدّي لحركات المقاومة الفلسطينية؛ وهو ما يُفهم منه الدفع إلى اقتتال داخلي فلسطيني - فلسطيني. وتشترط الخطّة على الفلسطينيين، قبل قيام الدولة، بناء مؤسسات شفافة ومحاربة الفساد، وإصلاح النظام التعليمي و"وقف التحريض على الكراهية"، وعندها "إذا تم اتخاذ هذه الخطوات، واستيفاء المعايير المنصوص عليها في هذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة ستدعم قيام دولة فلسطينية".
2. الأرض والترانسفير
تقرّ الخطة بأن 87% من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة الغربية، سيتم ضمها إلى إسرائيل. وفي حين سيعيش 97% من الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل الدولة الفلسطينية المقترحة، فإن الـ 3% المتبقين من المواطنين الفلسطينيين سيعيشون "ضمن جيوب فلسطينية داخل الأراضي الإسرائيلية، تخضع للسيادة الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن الخطة تشدّد على أنه لا ينبغي "اقتلاع الناس – عربًا أو يهودًا – من أراضيهم"، على أساس أن ذلك سيقود إلى فوضى واضطرابات أهلية، فإنها تطرح، في المقابل، ترانسفيرًا ديموغرافيًا لرفع العبء عن إسرائيل، وخصوصًا في منطقة المثلث، والتي تحددها الخطة بـ "كفر قرع، عرعرة، باقة الغربية، أم الفحم، قلنسوة، الطيبة، كفر قاسم، الطيرة، كفر برا، جلجولية"، وهي البلدات التي يقطنها فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية.
وتفسّر الخطة ذلك بأن هذه البلدات كان من المفترض أن تكون تحت السيطرة الأردنية خلال
 مفاوضات الهدنة عام 1949، إلا أنها بقيت بيد إسرائيل لأسبابٍ عسكرية، "تلاشت أهميتها منذ ذلك الحين". وتضيف الخطة بأنها تدرس إمكانية إعادة رسم الحدود الإسرائيلية، بحيث تصبح البلدات الفلسطينية في المثلث جزءًا من الدولة الفلسطينية، "خاضعة لقوانينها وأحكامها القضائية". وفي المقابل، تضم إسرائيل مستوطنيها ومستوطناتها في الضفة الغربية، المقامة على أراض الأصل أن تكون خاضعة لسيادة الدولة الفلسطينية، بحسب قرارات الشرعية الدولية.
3. القدس
تنصّ الخطة على أن القدس ستبقى عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ضمن حدودها البلدية القائمة اليوم، أما عاصمة دولة فلسطين فتكون في الجزء الشرقي من المدينة في المناطق الواقعة شرق الجدار الأمني القائم وشماله، بما في ذلك كفر عقب، والقسم الشرقي من شعفاط، وأبو ديس، ويمكن تسميتها القدس، أو أي اسم آخر تحدده الدولة الفلسطينية. وقد أكد بنيامين نتنياهو بعد الإعلان عن الخطّة بأن العاصمة الفلسطينية ستكون في أبو ديس التي تقع على بعد 1.6 كيلومتر شرقي البلدة القديمة في القدس. أما الأماكن الإسلامية المقدسة، فإن الخطّة تعيد طرح "الرعاية الدينية" الهاشمية الأردنية بدلًا من السيادة الفلسطينية، في حين تبقى السيادة المادية دومًا إسرائيلية. وتنص الخطة على أنه سيسمح للسكان الفلسطينيين المقيمين في القدس، "ما وراء خط الهدنة لعام 1949، ولكن داخل الجدار الأمني القائم بخيار من ثلاثة: أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين. أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين. أو الاحتفاظ بوضعهم كمقيمين دائمين في إسرائيل".
4. الحدود والأمن
تؤكد الخطّة والخريطة المقترحة للدولة الفلسطينية أن غور الأردن سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية المطلقة، وأن إسرائيل ستكون مسؤولة عن الأمن في كل المعابر الدولية إلى الدولة الفلسطينية، بما في ذلك معبر رفح، والذي سيتم وضع ترتيبات خاصة به بين إسرائيل ومصر. كما سيكون للبحرية الإسرائيلية الحق في منع واعتراض وصول الأسلحة والمواد المحظورة التي تدخل في صناعة الأسلحة، من دخول دولة فلسطين بما في ذلك غزة. ومع أن الخطة 
تنص على حق الدولة الفلسطينية في تطوير ميناء خاص بها، وإمكانية الوصول إلى منشآت إسرائيلية محدّدة في ميناءي حيفا وأسدود، فإنها تضع ذلك كله تحت إشراف إسرائيلي. وبموجب الخطة، لن يكون لدولة فلسطين الحق في الدخول في اتفاقيات عسكرية أو استخباراتية أو أمنية مع أي دولة أو منظمة تهدّد الأمن الإسرائيلي، "وهذا أمر تحدّده إسرائيل". كما أنه لن يكون للدولة الفلسطينية الحق في تطوير قدرات عسكرية، أو شبه عسكرية، داخل أراضي دولتها أو خارجها. وسيكون من حق إسرائيل أن تقوم بعمليات اقتحام عسكرية لمناطق الدولة الفلسطينية في حال وجود أي تهديد أمني يستهدفها.
5. اللاجئون
تشدّد الخطة على أن توقيع اتفاقية الإسرائيلية - الفلسطينية ينبغي أن يتضمّن إنهاء أي مزاعم تاريخية أو حقوقية للفلسطينيين، مثل "حق العودة". وتؤكد بوضوح أنه "لن يكون هناك أي حق في العودة، ولا استيعاب لأي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل". فوق ذلك، تعتبر الخطة أن ثمّة مشكلة لجوء يهودية كذلك متمثلة في اليهود الذين "طردوا من الدول العربية بعد وقت قصير من إقامة دولة إسرائيل"، وبأنهم يستحقّون حلًا منصفًا "ينبغي أن يتم تطبيقه في إطار آلية دولية مناسبة منفصلة عن اتفاقية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية". وفي هذا السياق، تؤكّد الخطة أن "الإخوة العرب" للفلسطينيين "يتحمّلون المسؤولية الأخلاقية عن إدماجهم في بلادهم"، كما دمجت إسرائيل اللاجئين اليهود. وتشدّد على أن اللاجئين المستقرّين في أماكن دائمة لن يسمح لهم بالعودة والتوطين، بما في ذلك الانتقال إلى الدولة الفلسطينية، مع بقاء حقّ التعويض لهم ضمن آلية دولية خاصة. وتعرض الخطة ثلاثة خيارات على اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يحظون بإقامة دائمة في أي مكان:
• استيعابهم ضمن الدولة الفلسطينية المقبلة، ولكن ضمن قيود مشدّدة، مثل ضرورة وجود اتفاق بين إسرائيل والدولة الفلسطينية على معدل حركة اللاجئين من خارج الضفة الغربية وقطاع غزة إلى دولة فلسطين. ويتحدّد ذلك بناء على القدرات الاستيعابية الاقتصادية للدولة الفلسطينية، وبما لا يشكل عبئًا على البنى التحتية، ولا يضاعف من التهديدات الأمنية لدولة إسرائيل.
• إدماجهم في البلدان المضيفة التي يقيمون بها حاليًا، وذلك مرهون بموافقة تلك الدول.
• أن تقبل كل دولة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بتوطين خمسة آلاف لاجئ كل عام على مدى عشر سنوات (بإجمالي 50 ألف لاجئ).
وتشدّد الخطة على أنه مع توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، فإن وضعية اللاجئ الفلسطيني سوف تنتهي كصفة قانونية دولية، وبأن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) ستنحلّ، كما أن الشق الاقتصادي من الخطة سيعمل على استبدال مخيمات اللجوء في الدولة الفلسطينية وتفكيكها لبناء مناطق سكنية جديدة.
توقيت الإعلان عن الخطة
في السياق العام، جاء الإعلان عن الخطة في ضوء مشكلات داخلية يتعرّض لها كل من 
ترامب ونتنياهو؛ إذ يواجه ترامب محاكمة في مجلس الشيوخ، تهدف إلى إقالته بتهم إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس. في حين يواجه نتنياهو تهمًا بالفساد منذ عام 2019. وكان الادّعاء الإسرائيلي قدّم لائحة اتهام ضده في اليوم نفسه الذي وقف فيه إلى جانب ترامب في البيت الأبيض لإعلان تفاصيل خطة السلام الأميركية. وسبق ذلك سحب نتنياهو طلبه من الكنيست للحصول على حصانة من التهم الموجهة إليه، بعد أن تبيّن له أن الأغلبية سوف تصوّت ضده، وسوف يخوض انتخابات الكنيست في آذار/ مارس 2020 متسلحًا بالخطة الأميركية المنحازة إلى إسرائيل، والتي تعزّز سيطرتها على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتبقي القدس تحت سيادتها عاصمة موحدة لها.
ولكن حتى لو فشل نتنياهو في الانتخابات المقبلة، فإن زعيم المعارضة، بيني غانتس، أبدى حماسةً مماثلةً لضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، بما في ذلك المستوطنات اليهودية، إلى السيادة الإٍسرائيلية. بل إن غانتس وعد بأن يقوم بذلك بكفاءة أكبر من نتنياهو وحزب الليكود، آملًا بذلك اجتذاب أصوات اليمين. وبهذا الموقف، أزال غانتس حاجزًا رئيسًا لم تكن إدارة ترامب تريد تجاوزه، حتى لا تتهم بدعم مرشح على حساب آخر. وهو ما مكّن بدوره واشنطن من دعوة غانتس أيضًا للقاء ترامب، للاطّلاع على تفاصيل الخطة قبل يوم من إعلانها، وحصلت على موافقته عليها.
وقد أخذت إدارة ترامب في الحسبان معطىً آخر؛ فهي تريد الاستفادة من الانقسام العربي، 
والتفات جزء من العرب إلى الصراع مع إيران، واستعداد بعضهم العمل مع إسرائيل لمواجهة طهران. كما يبدو أن إدارة ترامب تراهن على ضغط بعض الدول العربية على الفلسطينيين مع الوقت، حتى يجلسوا إلى طاولة المفاوضات على أساس الخطة المقترحة. ولعل في حضور سفراء الإمارات والبحرين وعُمان في واشنطن مراسيم الإعلان عن الخطة في البيت الأبيض، وردود فعل السعودية ومصر الداعية إلى التفاوض تحت رعاية أميركية، ما يؤكد حسابات إدارة ترامب.
خاتمة
تروّج إدارة ترامب مشروع تسوية وضعه اليمين المتطرّف في إسرائيل قبل سنوات. وهي تقدّمه مع تعديلاتٍ طفيفة كأنه مقترح أميركي، مستفيدةً من ظروف الانقسامين، الفلسطيني والعربي، فضلًا عن افتقاد القيادة الفلسطينية استراتيجية واضحة تعتمدها في التصدّي لهذا المشروع الذي تم تنفيذ الجزء الأكبر منه خلال السنوات الثلاث الماضية. وعلى الرغم من الظروف التي تبدو مواتية لتنفيذه أميركيًا وإسرائيليًا، يبقى الرهان كما كان دائمًا على الرفض الشعبي، وعلى عدم قبول أي طرفٍ فلسطيني بهذا الطرح أو إعطائه شرعيةً في أي ظرف.