خطة إعادة ترتيب إعلام السيسي مهدَّدة بالإجهاض

11 ديسمبر 2019
الصورة
إعلاميون موالون للنظام نصحوا بالتركيز على قضايا المواطنين(فريديريك سلطان/Corbis)
+ الخط -
يبدو أنّ الخطة الجديدة التي تحاول المخابرات المصرية تنفيذها لإنقاذ المؤسسات الإعلامية التي استحوذت عليها على مدار السنوات الثلاث الماضية وفشلت في إدارتها، تواجه عقبات صعبة قد تؤدي إلى إجهاضها مبكراً. فقد كشفت مصادر مطلعة على الحقل الإعلامي أنّ رجل الأعمال محمد الأمين، المالك السابق لصحيفة "الوطن" وشبكة "سي بي سي"، يرفض حتى الآن العودة إلى الإدارة واستعادة حصته الحاكمة، وذلك بسبب تخوفه من تحميله خسائر السنوات السابقة والمشاكل الهيكلية والمالية التي تستنزف المؤسستين.

وأضافت المصادر أنّ مدير المخابرات اللواء عباس كامل، ونائبه اللواء ناصر فهمي، والعميد محمد صفوت الذي تدخّل بقوة في الملف الإعلامي، اجتمعوا مع الأمين الشهر الماضي، وعرضوا عليه استرداد حصته بهدف تخفيف أعباء الخسارة عن المخابرات، مع منحه سلطة تعيين خبراء جدد لإعادة هيكلة الأجور والتوظيف، لكنه أبدى تحفظه بشدة. وفيما بعد، تواصل مع عدد من المسؤولين الذين عملوا معه في السابق للتعرف إلى مستجدات الأوضاع في المؤسستين، وكانت الإجابات سلبية للغاية بالنسبة إليه، حيث تبين أن الإدارة الفعلية لهما في المخابرات، وليست بيد المديرين التنفيذيين المعينين للمحتوى والشؤون الإدارية، وهو ما أكد مخاوفه.

وفقاً للمصادر، فإنّ الخسائر المالية ليست الدافع الوحيد إلى هذا التفكير، بل أيضاً إعادة توزيع الإمارات و"رجلها " محمد دحلان لأولوياتهما في السوق الإعلامية المصرية، تزامناً مع مساعي إنهاء الأزمة الخليجية من جهة، ولوقف نَزف الأموال المستمر بلا طائل في السوق الإعلامية المصرية من جهة أخرى، وليس لخلاف على السياسة، فهناك رؤية في أبوظبي مفادها الاكتفاء بعدد محدود من القنوات والمنصات الإعلامية الكبيرة، مع التوسع في استخدام القاهرة كقاعدة لإنتاج المحتوى الرقمي المناوئ للإسلاميين وتركيا، ولكن بواسطة شركات إنتاج فني صغيرة أقل تكلفة من الإنفاق على قنوات كبرى يعمل فيها آلاف الصحافيين والمعدين والمنتجين والفنيين، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تراجع عدد الفضائيات التي يستخدمها النظام المصري.

وذكرت المصادر أن إدارة المخابرات تواصلت بعد رفض الأمين وعدد من رجال الأعمال الآخرين مع مجموعة منتقاة من الإعلاميين ورؤساء تحرير الصحف الموالية للنظام، الأسبوع الماضي، كل على حدة، في محاولة للتعرف إلى آرائهم في كيفية تحسين مستوى الإعلام المصري وتحقيق تغير "محسوب" في السياسة الدعائية للنظام، بحيث يكتسب النظام مساحات جديدة من الشعبية تحت ستار ادعاء الترويج لانفراجة سياسية، ولكن من دون الابتعاد عن التعليمات العامة بشأن التعامل مع المعارضة ومشروعات السيسي وغيرها من الخطوط الحمراء.

بعض رجال الأعمال أعربوا عن مخاوفهم من مصير الأمين، بالإبعاد عن المؤسسة التي بناها بدعم خليجي في أعقاب ثورة 2011، بينما أبدى آخرون تخوفاً من مصير رجل الأعمال ياسر سليم، إحدى الشخصيات الرئيسية الفاعلة في عملية سيطرة المخابرات العامة على الصحف والقنوات الفضائية في مصر خلال السنوات الخمس الماضية، والذي ألقي القبض عليه الشهر الماضي بدعوى اتهامه بإصدار شيكات دون رصيد للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (المملوكة للمخابرات والتي يُدفَع باسمها إلى الواجهة حالياً) ثم إجراء حركة واسعة لنقل الأسهم من حوزة ضباط وموظفي المخابرات والشخصيات الذين يستخدمون كغطاء أو واجهة للأعمال، إلى ضباط وموظفين وأشخاص مجهولين جدد، مع إجراء تغييرات على حجم حصص الأسهم الموثقة لكل اسم، بواسطة تجزئتها وعدم التوسع في توثيق حصص حاكمة بأسماء شخصيات بعينها، لضمان السيطرة ومنع تضخم المصالح الشخصية.

وأوضحت المصادر أن عدداً من أكثر الإعلاميين موالاة للنظام نصحوا بالتوقف عن إفراد مساحات في الصحف والبث الفضائي للهجوم على الإخوان واليسار والشخصيات الحقوقية، والعمل على توسيع مساحة عرض مشاكل المواطنين الحقيقية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، والمضي قدماً في استضافة عدد من الشخصيات المعارضة في وسائل الإعلام، فضلاً عن الإفراج عن سجناء الرأي والسياسيين.

وبحسب المصادر، فإن المسؤولين الذين استمعوا إلى هذه المقترحات، ينتمون إلى جهاز الأمن القومي في المخابرات، وفي بعض الاجتماعات كان حاضراً ممثلون للأمن الوطني، وقد رفضوا معظم تلك المقترحات، وأكدوا أن هناك "اعتبارات عليا لدى صانع القرار لا تتوافر لدى الإعلاميين"، مكررين بذلك بكلمات مختلفة عما سبق وقاله رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي مراراً في ردوده العنيفة على أي انتقادات.

وأشارت المصادر إلى أن نصائح الإعلاميين لم تفلح في وقف الحملة الدعائية المستمرة عبر الصحف القومية والموالية للمخابرات على شخصيات حقوقية وعدد من الإعلاميين المستبعدين من المشهد أو غير الموثوقين بالنسبة إلى دائرة السيسي، لكنها انعكست بصدور بعض التعليمات للقنوات الموالية بفَسح المجال للمواطنين للحديث عن بعض المشاكل الحياتية في صورة برامج "توك شو "حية، أو نزول الإعلاميين إلى الشارع وإتاحة وسيلة تواصل بين الشارع والمسؤولين، كما كان يحدث منذ العقد الثاني من عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، في انعكاس واضح لإصرار النظام على غلق المجال العام وعدم الإقدام على تحقيق الانفراجة التي كان يزعم العديد من المقربين للسيسي اقترابها، في الوقت الذي كانت مصادر "العربي الجديد" تستبعدها منذ بدء الحديث عنها عقب مظاهرات 20 سبتمبر/ أيلول الماضي.

وفي سياق قريب، أكدت المصادر أن التعامل مع الهيئة الوطنية للإعلام، المسؤولة التنفيذية حالياً عن ملف إعادة هيكلة اتحاد الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) يجري في خطين متوازيين: أولهما بدأته المخابرات بالإعداد لخريطة برامجية جديدة للقناة التليفزيونية الأولى بواسطة فريق من العاملين بقنوات "سي بي سي" و "دي إم سي" لإنتاج برامج جديدة بحلة تنافسية من داخل ماسبيرو، في سيناريو مشابه للمشروع الذي كان قد بدأه مدير الرقابة الإدارية السابق اللواء محمد عرفان عندما سلمه السيسي ملف ماسبيرو قبل أن يُطاح ويُنقَل الملف إلى عباس كامل ومساعديه.

أما الخط الثاني، فهو البحث في إعادة الهيكلة الإدارية للتلفزيون والإذاعة، وهي مهمة "تطبخ على نار هادئة" بحسب المصادر، نظراً لحساسيتها ورغبة الدولة في إتمامها بأقل الأضرار مالياً وقانونياً، وهي تهدف أساساً إلى تقليص عدد العاملين في ماسبيرو إلى أقل من ربع عددهم الحالي، ويتباحث بشأنها حالياً الفريق محمود حجازي، صهر السيسي ورئيس أركان الجيش السابق، مع العشرات من الخبراء الإعلاميين وكبار الموظفين.

وكان مصدر مقرب من دائرة السيسي قد كشف لـ"العربي الجديد"، الأسبوع الماضي، تفاصيل الخطة الجديدة لإدارة ملف الإعلام بعد الفشل الذريع في ملكية المؤسسات، وذلك من خلال إعادة رجال الأعمال للملكية تدريجاً، على أمل أن يضخ رجال الأعمال الأموال لإنقاذ الوضع المالي المنهار داخل القنوات الفضائية التابعة للمخابرات، وهو نفسه ما حدث في شركة "سينرجي" للإنتاج الفني التي يرأسها رجل الأعمال تامر مرسي، وتُنتج الأعمال الدرامية، إذ إنه بعد فشل الشركة في العام الماضي في تحقيق أرباح من المسلسلات التي احتكرت إنتاجها بعد منْع باقي المنتجين من إنتاج أعمال خاصة بهم، وتكبّدها خسائر كبيرة، عادت المخابرات العامة إلى المنتجين المستقلين وسمحت لهم بمشاركة "سينرجي" في إنتاج بعض الأعمال المقرر عرضها في الموسم الدرامي في رمضان المقبل، وعلى رأسها شركة "العدل غروب" ومشيش وغيرها من الشركات.

المساهمون