خسارة برشلونة المذلة... وسيتي المشرفة!

17 اغسطس 2020

لا أظن أن أياً من محبي الفريقين الكبيرين، برشلونة الإسباني، ومانشستر سيتي الإنكليزي، اللذين خرجا خاليي الوفاض من الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوربا لكرة القدم، كانا راضيين عن نتيجة المباراتين اللتين أبعدتهما عن المنافسة في بطولة دوري الأبطال وخرجا (بخفي حنين)، في نهاية المطاف، في الوصول إلى الدور نصف النهائي للبطولة الأوربية!

ففريق مانشستر سيتي، الذي حقق نتائج مبهرة على مستوى الدوري (البريمييرليغ)، ولأكثر من موسم، وبطولة كأس الاتحاد، وآخرها بطولة (كأس رابطة المحترفين)، فوجئنا بخسارته، غير المنصفة، أمام ليون الفرنسي، وبثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد في مباراة تسيّد شوطها الأول، وبأداء لاعبيه المميزين الذين لم يحالفهم الحظ العاثر في التسجيل.

مانشستر سيتي، يستحق أكثر من أن ترفع له القبعة احتراما وتقديرا لجهود لاعبيه، وللمجهود الرائع الذي قدمه أعضاء الفريق في انتشارهم، وأدائهم المثالي في الملعب، والروح القتالية والرغبة الطامحة في تسجيل المزيد من الأهداف، إلا أن لاعبيه لم يستفيدوا من الفرص التي أتيحت لهم على الرغم من الأداء الرجولي الذي قدموه، ويستحق الفريق أن يكون في مقدمة الفرق التي صعدت إلى دور النصف النهائي،  لملاقاة الفريق البافاري، وهذا أقل شيء يمكن  أن ينالوه، لا سيما أن مانشستر يمتلك خيرة اللاعبين من ذوي الخبرة، وفنون الكرة على مستوى العالم. فريق متكامل الصفوف، إلّا أن الحظ ابتسم أخيراً للفريق الفرنسي.

قدم فريق ليون مستوى مميزا جعله ندا صعبا لكتيبة بيب غوارديولا المدججة بالنجوم، وبسلسلة من الهجمات، استغل العاجي ماكسويل كورني الخروج الخاطئ لحارس السيتي، البرازيلي إيدرسون، ليسجل هدف السبق للفريق الفرنسي عند الدقيقة 24 من عمر اللقاء، وبعدها حاول (السيتزنز) العودة للقاء من خلال توغلات الإنكليزي رحيم ستيرلينغ، وتسديدات من البلجيكي كيفين دي بروين، لكن تألق الحارس البرتغالي، أنتوني لوبيز، والانضباط الدفاعي لرفاق حسام عوّار، منحهم التفوق في الحصة الأولى.

كرة القدم من الرياضات التي تحتاج إلى قوة إرادة، ومتابعة ونشاط عالي المستوى، أضف إلى ذلك  السرعة، والأهم من هذا وذاك اللعب الجماعي، فضلا عن توافر المدرب ذي الكفاءة

في الشوط الثاني، لجأ غوارديولا لبعض أسلحته الفعالة، بعد أن زج بالنجم الجزائري رياض محرز الذي كان مفتاح الهجمة التي سجل منها (السماوي) هدف التعديل بعد تمريرة ساحرة لستيرلينغ، الذي مرر عرضية ترجمها بنجاح دي بروين عند الدقيقة الـ69.

لكن أخطاء الخط الخلفي للسيتي تواصلت، لتهدي البديل البلجيكي موسى ديمبيلي هدفا جاء من حالة انفراد صحيحة، بعد تطبيق غير صحيح لمصيدة التسلل. وبعدما ضيع ستيرلينغ فرصة بشكل غريب أمام خط المرمى، جاء العقاب من ديمبيلي ليقضي على حلم السيتي ويهدي فريقه بطاقة العبور لنصف النهائي، بعد تسجيله الهدف الثالث قبل نهاية اللقاء بـ4 دقائق.

ولم يكن يخطر على كل من تابع وشاهد واستمتع بالمباراة، أن تؤول المباراة إلى هذه النتيجة المخيبة للآمال، وهذا لا يعني أننا نبخس حق الفريق المنافس، ومهارة لاعبيه، وجديتهم التي ظهروا عليها مع بداية إعلان الحكم الهولندي بداية المباراة، إلا أن فريقا كبيرا مثل مانشستر سيتي كان هو الأجدر بالفوز بالمباراة.. ( تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن)!

وإذا ما حاولنا أن نقارن تلك بالمباراة التي جمعت بين فريقي بايرن ميونخ مع برشلونة، الذي كان في غير يومه، وظهر بمستوى مهزوز، وأداء هزيل جداً، ولم يقنع الجماهير التي تابعته، بينما كان فريق البايرن المنافس في يوم سعده، فقدم مباراة متفردة، وكان مثاليا في الأداء، وحقق فوزا كبيرا لفت إليه الأنظار، وبثمانية أهداف مقابل هدفين، ما كان كفيلا بسحق فريق كبير مثل برشلونة الذي كان مخيبا للآمال.

فريق البايرن قدم مباراة طيبة منذ انطلاق المباراة، فكان مقنعا إلى حد كبير.. فريق متجانس الخطوط، فريق خاض المباراة، ومنذ بدايتها، ليكسب الفوز الذي يستحقه وليس لمجرد الاستعراض الباهت الذي خرج به برشلونه الذي لم يؤد الدور المطلوب منه. فريق متراخ إلى أبعد الحدود، صفوفه مفككة غير مترابطة، و دفاعه هش ضعيف جداً، وهذا ما دفع فريق البايرن إلى اختراقه في أكثر من مرة، ما سهل عليه مهمته في الفوز عليه وباقتدار.

البايرن قدم عرضاً جماعياً ممتازاً. وبهذا الأداء حاصر ميسي وحيدا وأخرجه من المباراة مبكراً. فالفريق يضغط بقوة على لاعبي برشلونة. وهو ضغط عملي وحقيقي وليس مجرد هرولة فارغة، لم يترك الفريق الألماني أي مساحات لمنافسه.

كان بايرن ميونخ يدافع عن مرماه من أبعد نقطة ممكنة، وكان يهاجم مرمى برشلونة من بعيد ويتوغل داخل خط المرمى، والمدهش أن بايرن فعل ذلك بانتشار عرضي من الخط إلى الخط بتناغم رائع. وكل لاعبيه ينقضون بقوة وليس بعنف على الخصم. ربما لا يضم بايرن ميونخ لاعباً مثل ميسي، لكنه يتكون من فريق مثل برشلونة في أيام مجده وزهوته. فقد حقق بايرن واحدة من أصعب معادلات كرة القدم الجديدة: (يلعب بشراسة دون عنف، ويمزج الشراسة بالتركيز والهدوء والسرعات والرشاقة والخفّة واللياقة البدنية الفائقة). ولعب البايرن متسلحا بالعقلية والفلسفة الألمانية، فلا تساهل ولا تراجع، ولا تهدئة، كلما تقدم الفريق. وإنما لعب بمنتهى القوة للنهاية، كما أن الاستعراض والتراخي يمثل إهانة للخصم ترفضها العقلية الألمانية.

إنها نفس العقلية التي هزمت البرازيل في عام 2014 بسبعة أهداف مقابل هدف واحد في نصف نهائي كأس العالم، وصدرت لبلاد السامبا شبحا ليقيم في مدينة بيلو هور بزونتي، تماماً كما كانت عليه الأوروغواي في عام 1950 عندما هزمت البرازيل في نهائي المونديال باستاد ماراكانا بهدفين مقابل هدف وحيد، فجعلت الملعب العملاق فخر الكرة البرازيلية مسكنا لشبح أقام داخله لعقود بقدر ما أقام في عقول البرازيليين!

إن أهداف بايرن كانت جميعها من إنتاج أداء جماعي. فليس هناك مكان للعب الفردي. وصحيح أن فريق مانشستر خسر بشرف أمام ليون الفرنسي، ولم  نكن نصدق أن الفريق خرج خاسرا  وبهذه النتيجة المقنعة، لأنه كان كبيراً في الملعب.. فاللاعبون أدوا ما عليهم، وقدموا عرضاً أخاذاً، واجتهدوا ولكن لم يحالفهم الفوز. إلا أن برشلونة، لم يكن مقنعا، وأداؤه كان هزيلا جدا، فاستحق الخسارة!

إنّ الأخطاء التي وقعت فيها إدارة الكرة في برشلونة كثيرة ولا يمكن التسامح معها، إلى جانب عمليات شراء لاعبين غير مدروسة وغير منظمة، مثال: كوتينيو، عثمان ديمبيلي، الذي تم شراؤه من بوروسيا دورتموند عندما انضم نيمار إلى باريس سان جيرمان قبل ثلاث سنوات، ولكنه جلس على مقاعد البدلاء، ولم يكن هناك مكان في التشكيلة الأساسية لأنطوان غريزمان، الذي فشل في الاحتفاظ بمكان في الهجوم منذ قدومه من أتلتيكو مدريد في العام الماضي.

ظهر الـ (بلاوغرانا) بصورة لا تليق باسم الفريق العريق، الذي يضم في صفوفه نجوماً كالأرجنتيني ليونيل ميسي، صاحب لقب أفضل لاعب في العالم، و بقية الحرس القديم الذي اعتمد عليه المدرب: مثل لويس سواريز، سيرجيو بوسكيتس، وجيرارد بيكيه، فكان برشلونة بطيئاً للغاية!

وكانت تشكيلة المدرب كيكي سيتيين بلا حول ولا قوة أمام الضغط الذي مارسه لاعبو هانزي فليك منذ صافرة البداية. وتعود المرة الأخيرة التي تلقى فيها برشلونة 4 أهداف في الدقائق الـ31 الأولى في أي مسابقة إلى كانون الثاني /يناير 1951 عند خسارته أمام غريمه ريال مدريد 1-4 على ملعب سانتياغو برنابيو.

إن كرة القدم من الرياضات التي تحتاج إلى قوة إرادة، ومتابعة ونشاط عال المستوى، أضف إلى ذلك السرعة، والأهم من هذا وذاك اللعب الجماعي، فضلا عن توافر المدرب ذي الكفاءة، وهذا ما ينقص فريقا كبيرا مثل برشلونة الذي وقف مدربه متفرجا بعد سلسلة القذائف التي سكنت شباكه.

مدرب قادر على أن يرسم الخطط بإحكام، ويحقق النتائج التي ترضي اللاعبين وجماهيره العريضة. فريق كبير وله اسمه على الساحة الدولية، فمدرب برشلونة لم يستطع أن يفعل شيئا باستثناء إجراء عملية التغيير الضعيفة بإحلال الفرنسي أنطوان غريزمان الذي لم يستطع أن يفعل شيئا، بل كان مجرد رقم أضافه المدرب للفريق الذي كان في أسوأ أيامه.

خسارة برشلونة المذلة كانت بصراحة مستحقة، أما مانشستر سيتي فإنه لعب برجولة ولم يستحق الخسارة.. وكنا نأمل أن يحالفه الحظ، وهو الفريق الذي ترك بصمة في الملعب، وأي بصمة لا يمكن أن تنسى، ولفت الأنظار في أداء لاعبيه الجماعي، وأقنع جماهيره العريضة، إلّا النتيجة جاءت على عكس ما كنا نشتهي!