خريطة مناطق التماس والنفوذ في سرت والجفرة

05 اغسطس 2020
الصورة
تصرّ حكومة الوفاق على ضرورة إخضاع مدينة سرت لسيطرتها (محمود تركيا/فرانس برس)

لا تزال مدينتا سرت والجفرة تحت سيطرة قوات موالية للواء خليفة حفتر، رغم انسحابها من مناطق المواجهات العسكرية في جنوب طرابلس ومناطق في محيطها، في كل من ترهونة وبني وليد جنوب شرقها، حيث تركتها قوات حفتر، رغم أهميتها الاستراتيجية، مصرة على التمترس في المنطقتين اللتين اعتبرهما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "خطاً أحمر".

يأتي ذلك فيما تطالب دول على علاقة بالملف الليبي، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، بأن تكون سرت والجفرة منزوعة السلاح، مقابل تحشيد عسكري لم يتوقف من جانب حكومة الوفاق بدعم تركي على تخوم سرت، دون أن تحشد باتجاه الجفرة، فما أهمية المنطقتين؟

تصرّ حكومة الوفاق على ضرورة إخضاع مدينة سرت وسط البلاد لسيطرتها. وفي آخر تصريحات قادتها العسكريين، قال المتحدث باسم غرفة عمليات تحرير سرت – الجفرة، عبد الهادي دراه، إن "عملية استكمال تحرير سرت والجفرة متوقفة بانتظار حل سياسي يمكن قواتهم من الدخول سلمياً".

ووسط الجمود العسكري الذي دخل شهره الثالث، اتجهت المفاوضات بشأن المدينتين إلى كواليس تفاهمات تجري بين أنقرة وموسكو، وسط جهود موازية تطالب بوقف إطلاق النار والدفع بالملف الليبي المتأزم إلى مرحلة التفاوض السياسي بناءً على مرجعيات مخرجات قمة برلين أو إحياء اتفاق الصخيرات.

حرب الطاقة

ويقلّل الخبير العسكري الليبي، الصيد عبد الحفيظ، من أهمية المنطقة عسكرياً، "فهي قطاع يتوسط البلاد تنحصر أهميته في تأمين مناطق الطاقة الصحراوية الشاسعة".

ويذكّر عبد الحفيظ في حديثه لـ"العربي الجديد" بسقوط مدينة سرت لأكثر من مرة في يد أكثر من طرف في أيام معدودة دونما حاجة للحصار الحالي الذي امتد لأكثر من شهرين، مشيراً إلى أن كثرة الحروب التي شهدتها المدينة أفقدتها الكثير من البنية التحتية في معسكراتها.

وبحسب الخبير العسكري، فإن قاعدة القرضابية في سرت أقيمت لحماية منشآت حكومية ومدنية إبان فترة عهد الرئيس السابق معمر القذافي، عندما كان الأخير يطمح إلى تحويلها عاصمة للبلاد، لكن نطاق هذه القاعدة قد يكون مهماً باتجاه البحر المتوسط.

وأضاف أن "قاعدة الجفرة صُممت لتكون قاعدة جوية تؤمن حقول النفط في الصحراء، لكنها لا تطاول سماء مناطق الموانئ النفطية التي شهدت حروباً ومواجهات في السنين السابقة دون أن تؤدي القاعدة أي دور".

وبينما يؤكد عبد الحفيظ أن المنطقتين مهمتين استراتيجياً أكثر من أهميتهما عسكرياً، يوضح الأكاديمي الليبي خليفة الحداد، أن التصعيد العسكري لا يطاول الجفرة، رغم كونها أكبر قواعد البلاد العسكرية في وسط الجنوب، بل يتركز في سرت، ما يشعر بأهمية للمدينة تتعلق بملفات الطاقة، سواء في البحر المتوسط أو في الداخل الليبي.

التصعيد العسكري لا يطاول الجفرة رغم كونها أكبر قواعد البلاد العسكرية في وسط الجنوب، بل يتركز في سرت

 

وتشرف سرت (550 كم شرق طرابلس) على شبكة طرقات صحراوية تربطها بقاعدة الجفرة بمسافة 300 كم فقط، وبأغلب مناطق حوض النفط خلف منطقة الهلال النفطي، كذلك فإنها ترتبط بالطريق الساحلي المارّ على موانئ الهلال النفطي الأربعة (السدرة – راس الانوف – البريقة – الزويتينة)، علاوة على أهميتها الديموغرافية، حيث يوجد تمثيل لأغلب قبائل وسط البلاد في المدينة.

ويلفت الحداد في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن حفتر كان بإمكانه الانسحاب إلى ما بعد سرت والجفرة، وكان بإمكانه الاحتفاظ بنقاط متقدمة في غرب البلاد، كمدينة بني وليد التي يمتلك فيها حفتر أقوى حلفائه القبليين، علاوة على تحصينها الطبيعي ووجود مهابط جوية فيها.

لكنه يرى أن التخطيط للبقاء في سرت والجفرة ورسمها كنقطة تماس لم يكن بتخطيط من حفتر الذي انهارت أغلب قواته، ولم يعد يمتلك في سرت والجفرة سوى مليشيات صغيرة منحدرة من المدينتين، بل بتخطيط من حلفائه الكبار، وتحديداً الإمارات ومصر وروسيا، لتكون المدينتان جداراً يقي بقايا معسكر حفتر من انهيارات متتالية من جانب، ومن جانب آخر لقطع الطريق أمام حكومة الوفاق وقواتها للسيطرة على مناطق الطاقة، حيث تمثل ورقة النفط الورقة الأخيرة الهامة في البلاد بالنسبة إلى داعمي حفتر.

وتشير بعض التقارير إلى أهمية ارتباط سرت بحوض الغاز البحري المقابل لساحلها والمرتبط بالحدود البحرية التي رسمها الاتفاق البحري الموقع بين أنقرة وطرابلس في نوفمبر الماضي، ويتيح لتركيا التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو جانب مهم بالنسبة إلى الروس، بحسب الحداد، الذين يحتكرون تصدير أغلب ما يحتاجه الأوروبيون من الغاز.

ولذا، بحسب الحداد، فإن الملف الليبي "بات أكثر تعقيداً بوصوله إلى تخوم سرت والجفرة وتشابكت فيه مصالح العديد من الدول للحد الذي يمكن القول فيه إن تفكيك شبكة الحلفاء في المنطقة بات صعباً".

ويتساءل: "كيف تمكن معرفة من يركن للجانب الروسي، فهو يقف عسكرياً ضد الأتراك الداعمين لحكومة الوفاق، وفي ذات الوقت كلاهما طرف متوافق على مقاومة أي دور أوروبي في الملف الليبي"، مضيفاً: "من غير شك، إن الانخراط التركي في الملف الليبي بهذه الكثافة كانت وراءه موافقة أميركية، ولكن في ذات الوقت كيف يمكن فهم هذه العلاقة في ظل وجود تقارب وتفاهمات تركية روسية".

مفتاح الحل

وبينما يصف الحداد الحديث عن حلول سياسية قبل تسوية مصالح الدول المتدخلة في ليبيا بـ"ضرب من العبث"، يرى الخبير الليبي في الشؤون الاجتماعية، عبد العزيز الأوجلي، أن حلحلة قضية سرت مفتاح لحل الوضع في كل المنطقة، لكنه في ذات الوقت لا يرى حلاً قريباً لأوضاع سرت.

ويعلّل الأوجلي لـ"العربي الجديد" أسباب مخاوف المجتمع الدولي من انجراف المنطقة لأتون حرب طويلة وأهمية تشديد واشنطن على ضرورة جعل المنطقة منزوعة السلاح، بالقول إن "المدينة يوجد فيها تمثيل قبلي لكل القبائل ذات النفوذ. فهناك خلف ما يجري عوامل قلق كبير تتمثل بالنفوذ القبلي في المنطقة، وفتيل الحرب الذي يمكن أن يتقد بينهما في أي لحظة".

وأوضح أن قبائل المغاربة والزوية والمجابرة التي يحمل تاريخها عبئاً كبيراً من الثارات، تتوزع في مناطق الطاقة، سواء في الحقول أو في الموانئ، وتتنفذ في هذه الأراضي متموضعة في مناطق تماس، وهو ما حدا السيسي إلى التهديد بتسليحها إذا تقدمت قوات "الوفاق" في سرت، ما أقلق دول الجوار الليبي التي انتقدت خطاب السيسي واستقباله لزعامات قبلية في هذا الشأن.


قبائل المغاربة والزوية والمجابرة التي يحمل تاريخها عبئا كبيرا من الثارات تتوزع في مناطق الطاقة

 

ويشير الأوجلي إلى أن مناطق النفوذ القبلي لا تجتمع في سرت وحدها، بل تتصل بقواعد اجتماعية أخرى، مثل سبها جنوباً، القريبة أيضاً من مواقع النفط، وهي مدينة تشتمل أيضاً على ذات التمثيل القبلي الذي تتوافر عليه سرت، ما يؤكد اتساع نطاق الفوضى في حال انجراف المنطقة للحرب.

وفي سرت توجد قبائل الفرجان والمعدان والمغاربة والقذاذفة وأولاد سليمان والتبو والزوية ومصراته وغيرها، التي ترتبط بقواعد وجودها الأصلية الموزعة في أكثر من مدينة ومنطقة في وسط البلاد، وهو ما يحدو الأوجلي إلى ترجيح حلّ حسب السيناريو الأميركي، بتحويل سرت والجفرة إلى مناطق منزوعة السلاح.