خريطة الأهداف والمصالح .. ماذا تريد روسيا من ليبيا؟

20 يوليو 2020
الصورة

بدأت العلاقات الرسمية بين الاتحاد السوفييتي وليبيا في عام 1954. وبعد انقلاب معمّر القذافي، وقد سمّاه ثورة الفاتح من سبتمبر، في 1969، توسعت العلاقات بين الطرفين، في ظل ارتباط نظام القذافي في تلك الفترة بنظام جمال عبد الناصر في مصر، وقام القذافي بعدة زيارات رسمية إلى موسكو في أعوام 1976، 1981، 1985. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، تراجعت العلاقات خلال التسعينيات، بسبب تحولات الأوضاع في الدولتين، حيث الانهيار الاقتصادي في روسيا، والحصار الاقتصادي على ليبيا على خلفية أزمة لوكيربي، حتى جاءت زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الرسمية إلى الجماهيرية الليبية، في 16-17 إبريل/ نيسان عام 2008، وتم في أثنائها توقيع اتفاقيات مهمة، منها بيان حول تعزيز الصداقة وتطوير التعاون، ومذكرة تفاهم لتطوير التعاون في شتى المجالات، الاقتصادية والتجارية والمالية.
ورداً على زيارة بوتين، زار القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، موسكو. وخلال الزيارة تم توقيع عقد اتفاقية بين الدولتين في مجال استخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، وتم الاتفاق على إنشاء مصرف مشترك، وتوقيع مذكرات تفاهم عديدة رامية إلى تنشيط العلاقات بين البلدين.

زار بوتين ليبيا في إبريل 2008، وتم  توقيع بيان حول تعزيز الصداقة وتطوير التعاون، ومذكرة تفاهم لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي

وبعد ثورة 2011 في ليبيا، انتقدت روسيا التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا، على الرغم من أنها لم تستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن لمنعه. وأعلنت الخارجية الروسية في 1 سبتمبر/ أيلول 2011 اعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي ممثلا للسلطة في البلاد. إلا أن الدور الروسي في الملف الليبي تراجع خلال السنوات التالية، حتى جاء انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر في صيف 2013، وانقلاب اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، في ليبيا 2014، لتجد في النموذجين فرصةً لها لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية بهما، سعياً نحو تحقيق أهداف عديدة، سواء استراتيجية أو تكتيكية. وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية، لتوضيح أركان خريطة الأهداف الروسية في الملف الليبي، والعوامل التي يمكن أن تؤثر في نجاحها في تحقيق هذه الأهداف؟
الأهداف والمصالح الاقتصادية
يمكن في إطار هذه الأهداف وتلك المصالح التمييز بين:
1ـ النفط والغاز الليبي: ليبيا هي الدولة الخامسة عربياً من حيث احتياطيات النفط على مستوى العالم، ويصل حجم احتياطيها إلى حوالي 50 مليار برميل. وكشفت التقديرات عن وجود نحو 1.5 تريليون متر مكعب احتياطي من الغاز الطبيعي. وفي المقابل، تأتي روسيا الدولة الأولى في إنتاج النفط والغاز الطبيعي في العالم، لكنها تتعرّض، بين حين وآخر، لحروبٍ طاحنة من العربية السعودية وحلفائها، جوهرها إغراق السوق العالمي بالنفط، بما يهبط بأسعاره ويضر بالاقتصاد الروسي. لذا يأتي من بين الأهداف الروسية تعزيز دور روسيا في ملف النفط والغاز الليبيين، بما يمنحها قدراتٍ تأثيريةٍ في إنتاجه وصادراته.

بعد ثورة 2011 في ليبيا، انتقدت روسيا التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا، ولم تستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن لمنعه

ولا تقف الأهداف الروسية في النفط والغاز الليبيين عند ذلك. يبرز هدف آخر، الاستثمارات الضخمة للشركات الروسية في القطاعين هناك. على سبيل المثال، تعدّدت خلال فترة حكم القذافي صور الاستثمارات الروسية في مختلف القطاعات الاقتصادية الليبية، فقد افتتحت فروعاً لمؤسسات مونوليتسبيت ستروي وتيخنوبروم اكسبورت وتات نفط جيوفيزيكا وستروي ترانس غاز. وفي عام 2005 حصلت شركة "تات نفط" الروسية على امتياز استثمار قطاع النفط في منطقة مدينة غدامس. وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2006، حصلت الشركة على حق استثمار ثلاثة حقول أخرى في مناطق غدامس وسرت، أما شركة غازبروم فنالت حق استغلال حقل آخر في خليج سرت.
كما بدأت شركة ستروي ترانس غاز الروسية المشروع الخاص بإنشاء شبكة توزيع الغاز على شاطئ البحر المتوسط بين مدينتي زوارة وبنغازي، بقيمة مليار دولار، بالإضافة إلى تطوير معمل الغاز في مدينة خطيبة الذي تقدر قيمته بـ 260 مليون دولار، وتطوير حقلي النفط في منطقتي رمال والطفل. وتسعى روسيا اليوم إلى عودة شركاتها لممارسة نشاطاتها في هذه القطاعات الليبية، خصوصا أنها تؤكد أن الاتفاقيات السابقة ما زالت سارية، وأنها تنتظر فقط قرارات التفعيل.
2 ـ الاستثمارات الاقتصادية الضخمة في قطاعات البنية التحتية الليبية، ففي عام 2008، تم توقيع اتفاقية إنشاء طريق سكة حديد "سرت – بنغازي" بطول 554 كيلومتراً مع شركة السكك الحديدية الروسية "آر جي دي" بقيمة 2.2 مليار يورو، وشارك سيرغي إيفانوف نائب رئيس الوزراء الروسي آنذاك، في مراسم افتتاح هذا المشروع في 30 أغسطس/ آب عام 2008، كذلك وقعت مؤسستا موس مترو سترو وموسكوفسكي متروبوليتين الروسيتان اتفاق إنشاء مترو الأنفاق في طرابلس، في يوليو/ تموز 2009 بقيمة أربعة مليارات دولار. ولكن العمل في هذه المشروعات توقف بعد ثورة 2011. وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2012، قال ألكسندر سلطانوف نائب رئيس شركة سكك حديد روسيا إن الشركة مستعدة لاستئناف المفاوضات حول هذا المشروع، خصوصا أن تنفيذه قد يتجاوز الآن عشرة مليارات دولار، في ظل عمليات التخريب والتدمير التي تعرّضت لها البنية التحتية في ليبيا خلال السنوات الماضية.

بدأت شركة ستروي ترانس غاز الروسية إنشاء شبكة توزيع الغاز على شاطئ البحر المتوسط بين مدينتي زوارة وبنغازي، بمليار دولار 

3 ـ الدور الروسي في طباعة العملة الليبية، فقد تم توقيع عقد اتفاق رسمي بين شركة غوزناك الروسية ورئيس البنك المركزي لشرق ليبيا عام 2015، لطباعة الدينار الليبي، وتم بالفعل طبع نحو خمسة مليارات دينار، ولم يتم الكشف عن ذلك إلا بعد احتجاز السلطات الأمنية في دولة مالطا إحدى الشحنات الروسية إلى ليبيا عام 2019.
الأهداف والمصالح العسكرية والأمنية
يمكن في إطار هذه الأهداف وتلك المصالح التمييز بين:
1ـ تجارة السلاح. كانت ليبيا خلال حكم القذافي من أكبر أسواق السلاح السوفييتي، ثم الروسي، وعقدت صفقات عديدة تقدّرها تقارير بأكثر من 22 مليار دولار، ففي أثناء زيارة بوتين ليبيا، عام 2008، تم توقيع اتفاقيات لتزويد ليبيا بصفقات سلاح ضخمة، تشمل تصدير المنظومات الصاروخية المضادة للطيران القصيرة المدى و12 مقاتلة من طراز "سو – 35"، وكذلك بيع وإصلاح قطع الغيار والذخيرة، و48 دبابة "ت - 90 أس" ومنظومات مضادة للطيران "إس – 125 بيتشورا" و"تور أم 2 أي" و"أس – 300 بي أم أو – 2 فافوريت" إلى جانب غواصات ديزل الكهربائية من طراز "636 كيلو".
وفي 27 يونيو/ حزيران عام 2012، أعلن رئيس الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري التقني، ألكسندر فومين، أن بلاده تعول على استئناف توريد الأسلحة والمعدات الحربية إلى ليبيا، التي كانت تعد الدولة الثانية في أفريقيا، بعد الجزائر، من حيث صادرات السلاح الروسي.

كانت ليبيا خلال حكم القذافي من أكبر أسواق السلاح السوفييتي، ثم الروسي، وعقدت صفقات عديدة بأكثر من 22 مليار دولار

2 ـ التوسع في إنشاء القواعد العسكرية الروسية على الأراضي الليبية، حيث تهدف روسيا إلى تأسيس وترسيخ وجودها الثابت والدائم في جنوب المتوسط، بعد أن رسخت وجودها شرق المتوسط، من خلال قواعدها البرية والبحرية في سورية، منذ 2015، حيث يعتقد الروس أن المواجهة حتمية بينهم وبين الغرب، إلا أنه في حال وقوع هذه المواجهة، فإن قدراتهم البحرية في سورية غير كافية لتحقيق النصر، ولذلك لا بد من تأسيس وجود عسكري روسي آخر في المنطقة، وهو ما وجدوه من خلال السيسي وحفتر.
وفي هذا السياق، وتحديداً في يناير/ كانون الثاني 2017، زار خليفة حفتر حاملة الطائرات الروسية "الأدميرال كوزنيتسوف"، خلال عبورها المياه الإقليمية الليبية في طريق عودتها من سورية إلى روسيا. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن حفتر تواصل مع وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، وبحث معه محاربة الإرهاب في المنطقة، وتم تسليم حفتر، في ختام الزيارة، ما قيل إنه شحنة من الأدوية الأساسية الضرورية للجيش الليبي والمدنيين.
وفي فبراير/ شباط 2017، أعلنت قيادة قوات حفتر إرسال عشرات من جنودها المصابين إلى روسيا لتلقي العلاج في موسكو. وفي مارس/ آب 2017، أكد قائد القوات الأميركية في أفريقيا، توماس وولدهاوزر، وجود ما أسماها نشاطات روسية "مقلقة" في ليبيا، وأن الروس موجودون على الأرض فعلياً، ولهم تأثيرهم على العمليات الأمنية الليبية. وفي فبراير/ شباط 2018، كشف رئيس لجنة الاتصال الروسية المعنية بتسوية الأزمة الليبية، ليف دينغوف، أن حفتر قدم طلبا لروسيا لإقامة قاعدة عسكرية روسية في الشرق الليبي.

في يناير 2017، زار حفتر حاملة طائرات روسية خلال عبورها المياه الإقليمية الليبية في طريق عودتها من سورية إلى روسيا

3 ـ تعزيز المكاسب المادية التي تحصل عليها شركات الأمن الخاصة الروسية، والتي تمولها الإمارات العربية المتحدة، لدعم حفتر، ففي يوليو/ تموز 2018، ذكرت وكالة الاستخبارات الأميركية أن القوات الخاصة الروسية تعمل في شرق ليبيا منذ مارس/ آذار 2017، بما في ذلك شركة "أر أس بي" للاستشارات العسكرية التي نشرت عشرات من المرتزقة المسلحين هناك، بجانب شركة فاغنر التي تنشط أيضا في شرق ليبيا، ولديها أكثر من 1500 عضو يدعمون حفتر، ويسيطرون فعلياً على منشآت نفطية، بجانب انخراطهم المباشر في العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية في طرابلس.
ترتبط هذه الأهداف وتلك المصالح بدرجة أساسية بالطموح السياسي للرئيس بوتين في عودة روسيا إلى مكانتها الدولية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، في مواجهة الولايات المتحدة، والحد من الاستهدافات الأميركية للقدرات الروسية، وكذلك فرض مزيد من الهيمنة على القارّة الأوروبية التي تعاني من تراجع في الدور والقدرات، منذ الأزمة الاقتصادية العالمية 2008، وهو ما نجح جزئياً في تحقيقه خلال السنوات السبع الماضية، سواء بعلاقاته مع السيسي وحفتر أو بدوره الفاعل في سورية.
آفاق الدور الروسي في ليبيا
ترتبط آفاق الدور الروسي في ليبيا باعتبارات عديدة، أولها حجم الدعمين، العسكري واللوجيستي، اللذين يمكن أن يقدمهما لها نظام السيسي، مقارنةً بما قدمته إيران لها في الملف السوري. ثانيها، حجم الدعم والتمويل المادي الذي ستحصل عليه من الإمارات والسعودية، وكذلك حجم ما تستطيع طباعته من الدينار الليبي، لدعم قطاعاتها العسكرية وشركاتها الأمنية. وثالثها، حجم الدعم السياسي والتأييد اللوجيستي الذي يمكن أن تحصل عليه من فرنسا، وخصوصا في ظل المواجهة التي تقودها الأخيرة ضد تركيا في ليبيا، على الرغم من عضوية تركيا في حلف الناتو مع فرنسا. ورابعها قدرتها على توفير الإمداد العسكري لقوات حفتر عبر القواعد العسكرية المصرية، كما كانت توفره عبر قواعدها في طرطوس السورية. وخامسها قدرتها على توحيد الفصائل والقوات والقبائل والشركات المتناحرة والمتنافسة في الشرق الليبي، خلف قيادة حفتر أو من ينوب عنه، مقارنة بأنها كانت تعتمد على جيش نظامي سوري خاضع لقيادة بشار. وسادسها، مدى القبول الأميركي بالتمدّد الروسي في جنوب المتوسط، وخصوصا مع وجود الأسطول السادس الأميركي والقوات العسكرية الأميركية الأفريقية، وقوات الانتشار السريع الأميركية في المنطقة.

كلها عوامل من شأنها تحجيم الدور الروسي، لكنها لن تلغي وجوده، حيث ستبقى روسيا ما بقي السيسي وحفتر، واستمر التمويل الإماراتي والقبول الفرنسي بهذا الدور.