خبير ألماني: النظام العالمي الحالي معطل وعلى أوروبا التعاون مع الصين

14 اغسطس 2020
الصورة
سياسات ترامب تزعج أقرب حلفائه (Getty)

رأى فولكر بيرتيس، أحد أبرز الخبراء الألمان في السياسة الدولية، في مقابلة له أخيراً مع صحيفة "تاغس شبيغل"، أنّ النظام العالمي "لم يعد يعمل بعد أن أصبحت الولايات المتحدة واحدة من الجناة الرئيسين رغم أنه من المفترض أنها لاعب أساسي"، مبدياً تأييده للتعاون الأوروبي مع الصين "التي يمكن أن تكون شريكاً موثوقا به".

بيرتيس، الذي يترأس مؤسسة العلوم والسياسة أهم المؤسسات الفكرية في ألمانيا، تحدث كذلك عن تحولات تحتم التعامل مستقبلاً بصورة مغايرة في ظل التنافس الأميركي الصيني الذي يحدد السياسة العالمية حالياً، معرباً عن اعتقاده أنّ ذلك "قد يشكل خطراً حقيقياً حتى على أولئك الذين لا يريدون الاندماج في الصراع، مثل الاتحاد الأوروبي وألمانيا على وجه الخصوص".

وأبرز أنه "لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت قواعد عمل المؤسسات الدولية أقل ترابطاً مما كانت عليه قبل أربع سنوات"، مشدداً على أن ذلك "يتناقض مع كل الأفكار حول الآلية التي يجب أن يسير عليها العالم بالفعل".

واعتبر بيرتيس أن ما يقوم به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دعوة لإيقاظ أوروبا، موضحاً أنه "إزاء هذا الواقع الخطر المطلوب المزيد من التعددية والاتفاقيات والمؤسسات لأنه وفي السنوات القليلة الماضية لم يتطور العالم وفقاً لهذا النموذج".

وعدد العديد من الأمثلة على ذلك، كإقدام الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب على الخروج من اتفاقية المناخ، وتعطيل الاتفاق النووي الإيراني، وإنهاء العمل باتفاقية الصواريخ النووية متوسطة المدى، وكذلك انسحاب واشنطن من اتفاقية الأجواء المفتوحة، متوقعاً أنه تنهي كذلك اتفاقية "ستارت 2" بشأن الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية.

وعلاوة على ذلك، أوضح بيرتيس أن "أميركا تركت اليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالإضافة لحضورها الضعيف في منظمة التجارة العالمية، ومهاجمة ترامب لمنظمة الصحة العالمية التي نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم لمكافحة وباء كورونا".

وعن كيفية الخروج من هذا الوضع، دعا بيرتيس أوروبا إلى لعب دور أكثر فعالية لوقف هذا التراجع، داعياً لفتح نقاش دولي أوسع حول وضع قواعد أو معايير دولية جديدة مع الشركاء ذوي التفكير المماثل.

وأوضح الخبير الألماني أن أزمة كورونا أظهرت أنه يمكن الاتفاق على المصالح المشتركة. ولفت إلى أنه "من المهم جداً أن نتحدث عن سبب وجوب أن تكون اللقاحات منفعة عامة عالمية، وبالمناسبة فإن الصينيين مع هذا الرأي فيما الولايات المتحدة لم تؤيد ذلك بعد، وحيث بات رئيسها يعارض نظاماً عالمياً قائماً على قواعد يجد فيها تقييداً لسيادة بلده".

 

هل من الممكن أن نتحدث عن شريك موثوق عندما يهدد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي الشركات الأوروبية بالعقوبات

 

وفي خضم ذلك، دعا الخبير الألماني إلى عدم تحويل "الصين إلى شيطان"، مضيفاً أن "الخوف يمكن أن يكون دليلاً سيئاً للسياسة الدولية"، ومؤيداً بشدة تكثيف الاتصالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مع بكين.

في المقابل، دعا الأوروبيين إلى استحضار أنهم سيتعاملون بذلك مع "قوة عظمى طموحة للغاية تسعى وبشكل منهجي لتصبح الرقم واحد على مستوى العالم، وهي إمبراطورية غنية لديها أسس مختلفة جوهرياً عن كيفية عمل الدولة المنظمة".

ورأى أن "لدى الأوروبيين بعض المزايا بالمقارنة مع أميركا، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التحدي الصيني وتأثيره بسهولة أكبر وبعاطفة أقل لأنه ليس هناك من منافسة مع الصين على المركز الأول في العالم أو خط صراع جيوسياسي مباشر معها".

وعن إمكانية الوثوق بالقيادة الصينية، رد بيرتيس بسؤال "هل من الممكن أن نتحدث عن شريك موثوق عندما يهدد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي الشركات الأوروبية بالعقوبات إذا ما دعمت وعملت ضمن مشروع وافقت عليه ألمانيا والاتحاد الأوروبي؟" في إشارة منه إلى خط "نورد ستريم 2" لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا. وتسائل كذلك حول إمكانية أن تكون الصين أكثر ثقة من الحليف عبر المحيط الأطلسي.

أما بخصوص القيم الليبرالية والديمقراطية وسياد القانون، فأشار بيرتيس إلى أن لدى الأوروبيين الكثير لفعله داخل مجتمعهم أولاً، من دون أن يعني ذلك التعاطف مع الأنظمة الاستبدادية.

وبحسب رأيه، فإنه يتعين عدم فرض القيم الأوروبية عند التعامل مع الصين، وعلى أوروبا أن تصبح أكثر سيادية وأن تحدد مصالحها وأولوياتها، قائلاً إنه "ما يزال الميل لانتظار الولايات المتحدة لتكون منظمًا لأمورنا".

وبخصوص الوضع بالشرق الأوسط، أوضح الخبير الألماني أن أنظار الغرب والولايات المتحدة الأميركية تحولت نسبياً عن المنطقة، ولم تعد مهمة جداً بالنسبة لها بما أن واشنطن مثلاً لم تعد تستورد النفط من منطقة الخليج، فيما أوروبا تستورد القليل منه". وأضاف أنه ينظر إلى الشرق الأدنى والأوسط كمصدر لعدم الاستقرار بفعل التهديدات الأمنية، ما دفع الأوروبيين للتعويل على تجنب المخاطر هناك أكثر من التقارب.

 

 

وأوضح أنّ الأوروبيين يستخفون بقوى المقاومة الاجتماعية السياسية الجيوسياسية ولم يحشدوا الموارد الاقتصادية والسياسية والمالية الكافية لدعم الثورات العربية، رافضاً تسميتها بـ "الربيع العربي" لأنها كلمة موسمية، وفق قوله. وخلص إلى القول "إذا ما أرادنا نحن الأوروبيين اعتماد مقولة أن استقرار المنطقة من مصلحة أوروبا، فعلينا أن نستثمر الكثير من أجل ذلك، وسيكون هناك حاجة إلى سياسة أوروبية شاملة ليس فقط لدرء المخاطر، إنما أيضاً لنشر الاستقرار في المناطق المجاورة مثل الشرق الأوسط".