خان شيخون... لحظة التحول

خان شيخون... لحظة التحول

09 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
يستطيع الروس تبني ما يروق لهم من أكاذيب، لتبرئة أنفسهم ونظام الأسد من جريمة استخدام غاز السارين المحرّم دوليا ضد أهالي خان شيخون، معقل ثورة الحرية في ريف إدلب، الذي قدم مئات الشهداء والمصابين صبيحة يوم 4 إبريل/ نيسان الحالي، في جريمةٍ راهنةٍ تذكر بسابقة، ارتكبها الأسد بالسلاح نفسه ضد أهالي الغوطة الشرقية الذين باغتهم وهم نيام أيضا، ورماهم بقنابل مدافعه وطيرانه، ليرغمهم على النزول إلى أقبية منازلهم أو طوابقها الأرضية، قبل أن ينقض عليهم بغاز السارين، الأثقل من الهواء، ويقتل ألفا وخمسمائة منهم.
تنفرد روسيا بين جميع دول العالم بتبرئة القاتل من جريمة قصف خان شيخون بغاز السارين، أحد أشد أسلحة الإبادة الجماعية فتكا بالبشر. وتحاول آلة الكذب الروسية، بما تمتلكه من خبرة فريدة في تزوير الحقائق، كانت قد طوّرتها خلال زمنها الستاليني، اختلاق قصة لا علاقة لها بما حدث، استفزّت الرأي العام الدولي الرسمي والشعبي، بينما كان ترامب يعتبر الفعلة الأسدية "إهانة للإنسانية لا بد من الرد عليها".
لماذا قصف الأسد خان شيخون بالسارين؟ هناك أسباب وتفسيرات مختلفة يوردها المهتمون، تجمع على أن ما أقدم الأسد عليه يعد مخاطرةً بوجود نظامه، وأن الاعتبارات التي وضعها في حسبانه لا بد أن تكون من الأهمية بحيث تجاهل، كما يبدو، ما هو محتمل من ردود أفعال إقليمية ودولية على فعلته التي تظل أسبابها رهينة التخمين والتقدير، بيد أنها ترتبط، مع ذلك، بأوضاع نظامه الذاتية وبالأوضاع العامة التي يمكننا المجازفة بتقدير أسبابها الداخلية والخارجية وتشابكاتها.
بدايةً، هناك ما هو جديد عند النظام أو بعض قياداته، ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي 
الخاصة بالحرس الجمهوري، أو القريبة منه، يلاحظ لهجة يأس تمليها أوضاع تتحقق فيها "انتصارات"، لكنها لا تفضي إلى تقليص أعداد قتلى السلطة وحاضنتها الاجتماعية/ السياسية، أو تكبح تزايد أعداد فئاتهم الشابة والمتوسطة الأعمار التي تلاشت إلى درجةٍ تهدّد باختفائها التام الذي لم تنجح إيران وروسيا في الحد منه. هذا الوضع المفارق الذي يثير هلعا متعاظما في صفوف أهل السلطة وحاضنتها، وطرح عليهم سؤالا مخيفا هو التالي: إذا استمر موت الأجيال الشابة، بمن سنحكم سورية في حال انتصر النظام، أو وافق العالم على بقاء الأسد في السلطة؟ هل سنحكمها بأشخاص أغلبهم من حزب الله وحركة النجباء والإيرانيين، وما فائدة انتصارٍ نضيع معه السلطة التي نخوض الحرب من أجل المحافظة عليها، لكنها لن تبقى في أيدينا على كل حال؟ وكذلك: ما نفع انتصارات جغرافية تأكل الخزين البشري، وتقضمه بصور لا تني تتسارع، تفضي إلى افتقارنا المتزايد في العنصر البشري الضروري، لتجديد كياننا المجتمعي والإمساك ببلادٍ مدمرة، ليس بين مواطنيها من لا يرغب في الثأر منا، اليوم وبعد توقف الحرب الراهنة؟ وكيف نوقف استنزافنا الكياني الذي يجعل من انتصارنا العسكري موتنا السياسي، ومن سقوط سورية بأيدي "المهزومين" حتميةً تمليها الطبيعة، وما يتصل منها بالأعداد والولادات، بينما يكذب بشار علينا بحديثه عن "تحسّن النسيج الاجتماعي" السوري الذي كلفتنا أيام قليلة من القتال ضده، في دمشق وحماه، حوالي ألف شاب، فهل تحسن هذا النسيج بالفعل، وهل نستطيع تحسينه حقا من دون إبادة الطرف الآخر بأسلحة الدمار الشامل، بعد أن فشلت الأسلحة التقليدية ستة أعوام في تغيير معادلات الطبيعة بينه وبيننا؟ وهل هناك من سلاح إبادة شاملة أفضل من الكيماوي، ما دمنا لا نمتلك سلاحا نوويا؟
بهذه الحسابات التي تقول لأهل السلطة: أنتم تخسرون الحرب، وأنتم تربحون المعارك المتفرقة. والآن: هل اتخذ النظام قرار الضرب بالكيماوي، أم هو قرار اتخذه الحرس الجمهوري الذي خسر خمسمائة من ضباطه وجنوده في معركة دمشق الأخيرة وحدها، وعبّر بجريمته عن رؤيته للتخلص من مأزقٍ لا حل له بوسائل الحرب التقليدية وأسلحتها، والدليل: الأرقام التي نشرها أحد مواقع الدفاع عن الجريمة، ورأى فيها ثأرا لـ"أكثر من مائتي ألف قتيل علوي، وثلاثين ألف قتيل شيعي، وتسعة آلاف قتيل من حزب الله"، ولمح إلى أن "القضاء على بني أمية" بالكيماوي سيكون، من الآن فصاعدا، نهج الأسدية اليومي؟ هناك سؤال آخر: هل سيغيّر الكيماوي معادلة الصراع التي تتلخص في وجود علاقةٍ عكسيةٍ بين قدرة النظام على حكم سورية، واستمرار حربه ضد شعبها. وبالتالي، تزايد "انتصاراته العسكرية"؟ وما العمل إن كانت إطالة الحرب تعني تناقص قدرته على استثمار عائد الانتصار بالنسبة لسلطته، التي تكتسب طابعا أشد وهميةً مع كل انتصار أرضي تحرزه، بسبب ما تتكبّده من خسائر بشرية متفاقمة؟ هذه المعادلة تمكننا من القول: حتى لو توقفت الحرب ذات يوم بانتصارٍ أسدي، فإن إرجاع سورية إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 سيكون من المحال، لأن معظم من يفترض بهم تولي السلطة وخدمتها سيكونون في عداد الأموات.
هذا العامل الداخلي، العملي إلى أبعد حد، والباعث على يأس أهل السلطة وهلعهم، يمكن أن 
يدفع هؤلاء إلى حماقاتٍ يمليها مزاج انتحاري، بينها استخدام الإبادة الشاملة، ردا على انهيار التوازن السكاني، وعجزهم عن الإمساك من جديد بالمجتمع والدولة، وهو يحظى، على الأغلب، بتشجيع قوى لها مصلحة في ما جرى، أولها وأهمها روسيا التي تريد كشف أولويات إدارة ترامب، واختبار ما لديه من خياراتٍ محتملة، ومعرفة جدية تصميمه على مواجهتها في سورية، والأسلوب المحتمل لهذه المواجهة، وهز العصا في وجهه، وتلمس الحد الذي يمكن أن يذهب إليه قبل ضبط أوضاع إدارته، وإخراجها من المشكلات المعقدة التي واكبت انتخابه، وإلى أي حد ستتفاعل العسكرية الأميركية وأجهزتها الأمنية بإيجابية معه كرئيس طارئ على السياسة وطبقتها المكرسة، في حال قرّر تطبيق رؤيته لدور أميركا الذي يريده تدخليا في العالم؟ وماذا يمكن أن يترتب على ضربةٍ كيمياويةٍ في سورية، إن قبل بها كانت هزيمة خطيرة لإدارته وشخصه على الصعيد الدولي، وتفاعلت سلبيا مع هزيمتيه الداخليتين في موضوع الهجرة، وقوّضت تماما فرصه، وربما أسهمت في إطاحته، باعتباره رئيساً يسوق بلاده من فشل إلى آخر؟ هل أرادت روسيا اختبار ترامب عبر ضربة خان شيخون الكيماوية، بعد أن غطى سياساته، طوال الاشهر الثلاثة الماضية، بتصريحاتٍ متناقضة، لم يفهم منها إن كان ذاهبا إلى حالٍ من التفاهم والتناغم معها، يستمر خلالها تفويضها الأوبامي بعمل ما يحلو لها في سورية، أم أن البلدين ذاهبان إلى فترة صراع محتدم، سترهق روسيا المتعبة بالعقوبات والعزلة الدولية وحماقات بوتين الإمبراطورية؟
أعلن ترامب مراتٍ مواقف فهم الإيرانيون منها أن زمن إلقاء غيرهم إلى النار من أجل تحقيق مصالحهم قد انقضى، وأن نجاتهم بجلودهم تتطلب ابتعادهم عن النظام الذي صار لهم مصلحة في دفعه إلى ارتكاب جريمة الكيماوي، لتكون رسالة إلى واشنطن، تؤكد عزمهم على مقاومة ما يخطّطه عدوهم ترامب لهم، بجميع ما في حوزتهم أو تحت تصرفهم من وسائل؟ أليس من المعقول أن تقدم إيران على هذا، لتستبق المعركة وتخوضها في شروط تحسّبت لها؟