خامنئي في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية: لا تفاوض مع واشنطن

04 نوفمبر 2019
الصورة
جابت مسيرات مختلف أنحاء إيران (عطا كيناري/فرانس برس)
+ الخط -
كعادة سنوية منذ اقتحام "الثوار الإيرانيين" السفارة الأميركية في البلاد، واحتجاز 52 دبلوماسياً أميركياً لمدة 444 يوماً، في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1979 إبان قيام الثورة، والذي بات يُعرف في التقويم الإيراني باليوم الوطني "لمقارعة الاستكبار"، احتفلت إيران، اليوم الإثنين، بهذه المناسبة بإطلاق مسيرات في مختلف أنحائها، منها العاصمة طهران، أمام مقر السفارة الأميركية السابقة، التي تطلق عليها تسمية "وكر الجواسيس" في الأدبيات الثورية الإيرانية، والتي يسيطر عليها "الحرس الثوري" الإيراني، وتمثل ذلك العنوان الأبرز في المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويأتي الاحتفال بالذكرى الأربعين لاقتحام السفارة الأميركية هذا العام، على وقع دخول الصراع الأميركي الإيراني أخطر مراحله منذ أربعين عاماً، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وما تبعه من عقوبات شاملة فُرضت على إيران، في إطار استراتيجية "الضغوط القصوى"، واجهتها طهران باستراتيجية "المقاومة الفعالة"، وكانت نتيجة المواجهة بين الاستراتيجيتين تصعيد التوتر في منطقة الخليج، وتسخين مياهها التي لم تعد آمنة للملاحة البحرية، إلا أن هذا التوتر ظلّ مضبوط الإيقاع طيلة الأشهر الماضية، وأكد الطرفان أنهما لا يرغبان في تطور الوضع إلى مواجهة عسكرية، على الرغم من ممارسة الضغط والضغط المضاد على حافة الهاوية.
مع ذلك، لا يضمن أحد ألا يتطور الصراع إلى مواجهة عسكرية في قادم الأيام، طالما أنّ ميدان الضغط والضغط المضاد هو المتحكم، والدبلوماسية غُيّبت تماماً، لقناعة إيرانية بأنها غير مجدية مع واشنطن المنسحبة مع الاتفاق النووي باعتباره اتفاقاً دولياً متعدّد الأطراف، كما لوجود هواجس لدى طهران من أنّ الدبلوماسية التي تريدها واشنطن تستهدف نزع عناصر قوتها، المتمثلة في القوة الصاروخية باعتبارها قوة رادعة، بالإضافة إلى النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي ترى طهران أنه بات اليوم مستهدفاً أكثر من أي وقت مضى، بفعل التطورات في الساحتين اللبنانية والعراقية، اللتين تتمتع بنفوذ واسع فيهما، لتعتبر أن ما يجري في الدولتين "فتنة أميركية وسعودية وإسرائيلية".
وعليه، تنظر إيران إلى التفاوض كأداة لسحب أوراقها، لذلك تطرح شروطاً مسبقة، مثل عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي، وإلغاء كلّ العقوبات، وتقديمها الاعتذار للشعب الإيراني، للقبول بالدخول في أي مفاوضات، وهي شروط تبدو أنها "تعجيزية"، من الصعب إن لم يكن مستحيلاً، أن يحققها الجانب الأميركي.

وفي السياق، استبق المرشد الإيراني علي خامنئي مسيرات اليوم، الإثنين، المناهضة للولايات المتحدة الأميركية، بالتأكيد مرة أخرى، أمس الأحد، على ركائز الاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع الأزمة المتجددة مع واشنطن، مشيراً في السياق إلى جملة عناوين أساسية، أولها الرفض المطلق لأي حوار مع الإدارة الأميركية، معتبراً التفاوض معها بمثابة الرضوخ لإرادتها، ونجاح سياسة الضغط الأقصى، قائلاً إن واشنطن تنتظر من أي مفاوضات محتملة تخلي إيران عن الصواريخ، مضيفاً: "تريد منا تدمير هذه الصواريخ وامتلاك صواريخ لا يتعدى مداها 150 كيلومتراً فقط".
وفي هذا الإطار، أكد خامنئي أن "من يظن أن التفاوض يحلّ مشاكل إيران فهو يرتكب خطأ كبيراً تماماً"، وهو كلام موجّه لمن يدعو في داخل إيران وخارجها إلى المفاوضات مع واشنطن. وبينما لم يسمِّ المرشد الإيراني جهة إيرانية بعينها، لكنه ذكر من الجهات الخارجية الداعية إلى هذه المفاوضات اسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يقود منذ 4 أشهر جهوداً دبلوماسية "حثيثة" لتخفيف حدة التوتر بين طهران وواشنطن عبر إطلاق حوار بينهما، قبل أن يواجه إخفاقاً كبيراً ليخبو بعده حراكه، بعدما فشل في تنظيم لقاء ثنائي بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس الأميركي دونالد ترامب، أثناء مشاركتهما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر/أيلول الماضي بنيويورك.
وقال خامنئي إن "الرئيس الفرنسي يقول إذا ما أجريتم لقاءً ستنحل كافة مشاكلكم"، ليصفه بأنه "إما ساذج للغاية أو شريك لأميركا"، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أطلق الصفة نفسها على مسؤولين إيرانيين إذا ما أرادوا التفاوض، من خلال القول إنه "لو تصرف المسؤولون الإيرانيون بسذاجة، وتفاوضوا، لما حصلوا على أي شيء وما كانت العقوبات والضغوط لتتراجع".

وبهذه التصريحات "الحازمة"، أحكم خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في إيران، قفل باب التفاوض مع الولايات المتحدة مرة أخرى بالشمع الأحمر، ليسدّ الطريق أمام روحاني، الذي قال الشهر الماضي: "إنني مستعد للتضحية وتحمّل جميع تبعات التفاوض إذا ما علمت أنه سيحقق مصلحة الشعب الإيراني".
وفي السياق، خاطب المرشد الإيراني روحاني وحكومته من دون تسميتهم، قائلاً: "لا تراهنوا على الأجانب، وراهنوا على الداخل فحسب"، داعياً إلى عدم انتظار ماكرون وجهود فرنسا، ليؤكد أن "هذا الانتظار يربك المستثمر والناشط الاقتصادي، ويجرّ البلاد إلى الركود والتخلف".
وعلى الرغم من أن ما سيتم تمريره في نهاية المطاف في إيران، في ما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن هو ما يقرّره خامنئي، إلا أن تصريحاته الأخيرة، وأخرى لروحاني خلال الفترة الماضية، تشي بوجود وجهات نظر مختلفة في البلاد حول طريقة مواجهة هذه المرحلة.
وروحاني المعروف بـ"الشيخ الدبلوماسي"، الذي يرى أن أهم إنجاز لحكومته ودبلوماسيتها، أي الاتفاق النووي، ينهار بفعل الانسحاب الأميركي منه، وهو اتفاق عُوّل عليه كثيراً لإحداث قفزة نوعية بالاقتصاد الإيراني، تارة يدعو إلى زيادة صلاحياته لمواجهة متطلبات هذه المرحلة، التي سبق أن وصف بأنها أخطر من أيام الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وتارة أخرى يدعو إلى تنظيم الاستفتاء بشأن القضايا الخلافية العالقة.
ومن هذه القضايا، ما يطاول جوهر السياسة الخارجية الإيرانية، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات مع الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، إذ أشار الرئيس الإيراني خلال الشهر الماضي إلى جدال مستمر بين أركان الحكم والتيارات السياسية في إيران حول ثنائية "التعامل البنّاء أو المواجهة" مع الغرب منذ 40 عاماً، داعياً إلى إجراء استفتاء شعبي حول ذلك، وهو ما فُسّر على أنه دعوة إلى الاستفتاء على التفاوض مع الولايات المتحدة، باعتبار ذلك بوابة لـ"التعامل البنّاء"، ليتعرض إلى هجوم شرس من أطياف من "التيار المحافظ"، خصوصاً المتشددين منه.

عموماً، فإن هذه الخلافات تبقى في إطار اختلاف الرؤى ووجهات النظر، ولا تجد سبيلاً للتأثير على القرار الإيراني المحسوم في ما يتصل بالصراع مع الولايات المتحدة، وهو رفض العلاقات والتفاوض معها، لكون هذا القرار يخضع لاعتبارات يصعب على رئيس الجمهورية الإيرانية تغييرها إن لم يكن مستحيلاً، سواء كان هذا الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني، الذي كان أول من دعا في البلاد إلى إنهاء الصراع مع أميركا من خلال الحوار والتفاوض، أو الرئيس روحاني نفسه، الذي يعتبر رفسنجاني أباً روحياً له، أو الرئيس السابق المحافظ محمود أحمدي نجاد، الذي حاول إطلاق مفاوضات مع الولايات المتحدة، لكنه فشل في ذلك.
واليوم، على ضوء تراجع حظوظ الدبلوماسية في تخفيف التوتر بين طهران وواشنطن، سواء الدبلوماسية المباشرة عبر التفاوض الثنائي أو الدبلوماسية غير المباشرة من خلال الوسطاء والتحركات الإقليمية والدولية، وبالذات الحراك الفرنسي، تلملم إيران أوراقها وتتجه نحو تصعيد الضغوط المضادة في مواجهة الضغوط القصوى الأميركية، لتعلن في هذا السياق، هذا الأسبوع، عن المزيد من الخطوات لتقليص تعهداتها النووية بعد انتهاء مهلتها الثالثة من دون أن تتجاوب الأطراف الأوروبية مع مطالبها في تسهيل بيع نفطها ومعاملاتها المالية.

المساهمون